تتفاعل رواية «قبور في الماء» لمحمد زفزاف، وفق منجز خطابي يتشكل حول بنية محورية للغياب، فعلاقة الإنسان بالبحر تتطلب استعدادا بشريا لمواجهة أخطاره، وخروج الصيادين في مراكب قديمة، غلبت الظن على هلاكهم، وهو ما يحتمل إمكانية استحضار فرضيتي المحلي والعولمي، المضمر في نسق الحقل الدلالي للبحر، كالعمق، الاتساع، القوة والمغايرة، أي اختلاف طبيعتي البحر واليابسة، وعليه يمكن للغياب كذاكرة سوسيولوجية أن يصبح آلية لتشريح بنية التفاعل بين الكيانات.
الغيب والغياب / معادلة الاتزان:
تتفاعل حركة الرواية حسب منظور حكائي يحاول أن يمركز المكان الروائي، كآلية تتيح للناص محاصرة البؤرة الحدثية، وتثوير صراعيتها، وفق مخطط يقوم على انتشار المعنى من مركزية موضوع الغياب. تسرب الوحدة السردية التالية: «المَرْكب غاب ولم يعد»، إحساس عميق باليأس، عند نهاية هذه الجملة يتوقف توالد المعنى من مركز الموضوع الأساس (الغياب). جملة الحوار «غاب ولم يعد»، ذات بنية غيابية تؤسس بالضرورة لحضور ما، يتمثل بنيويا في مصدر الجملة الثابت في شخصية «الدرقاوي»، الذي يمثل الحضور العام في الوعي المتلقي لتعبيره عن واقع يتأسس كأثر للغياب، ولكي يُحدث السرد صدمة قوية في حركته صوب الواقع، أو أحد عناصره (القارئ)، ينجز بنية حضورية مشتركة في تجلياتها الإيجابية، تعري اتجاه الغياب الانحداري، وتكرس المعنى الصعودي التدافعي غير الاستسلامي، فالمقطع السردي التالي، ينقل حركة السرد من مستوى هابط إلى مستوى صاعد:
«ثم رفع الدرقاوي عينيه، ورأى الصومعة، كانت تلمع بفعل الشمس. كان لمعانها يبدو له ضوءا إلهيا». هنا يتجلى منطق الأمل المنجَز انطلاقا من بنية الحضور، المفارق تماما لمنطق اليأس القائم في بنية الغياب، حيث تتضح الموازنة السردية بين بنية الغيب الداعمة وبنية الغياب القائمة.
يستمر السرد في التنويع الدلالي وفق متواليات المعنى المنتج من توازنات الغيب والغياب، فالجملة الحوارية: «لماذا لا نذهب إلى الصلاة؟»، تبني حضورا تأمليا الهدف منه هو منح السرد حركة التفافية حول موضوع الغياب السائدة، بدمجها ضمن المعطى الإيجابي الذي لا يقتصر على الوقوف عند السقوط، وجملة الجواب التالية: «غير ممكن. إذهب أنت. ستجدني في المقهى ولن أعود إلا برفقة العياشي».
تضاد صريح بين الأمكنة على أساس المقدس (المسجد) والمدنس (المقهى)، والتقابل يقوم على أساس الصراع المنتج للمعنى في إطار المفاهيم، جمالية السرد عند هذا المنعرج النصي تمنح كل مكان إيجابيته غير التفاضلية بما لا يصدم الوعي الجمعي القائم على الانتصار العفوي للمقدس، فالإيواء إلى المسجد يمنح الذات برهة تأملية استئناسية بالقوة الداعمة المتمثلة في الإرادة الإلهية، بينما الإيواء إلى المقهى لم يكن عبثيا، بل حدد السرد بدقة الهدف منه، في منطوق الجملة «لن أعود إلا برفقة العياشي».
العودة برفقة العياشي، تزيح المعنى انزياحا توالديا ينبه الوعي إلى أن الغياب ينبني نصيا على غياب الموضوع (المركب بصياديه)، ومصدر الموضوع (العياشي)، وهو ما يطرح سؤال طبيعة إمكانيات حضور المصدر المتمثل في العياشي. يخبرنا السرد بسلبية حضوره السابق، على أساس حركته الاستغلالية داخل الفضاء المجتمعي الهادفة إلى احتكار الثروة، وهو ما أدى به إلى إغفال حقوق الصيادين وإهمال ظروف عملهم، ومنها الزج بهم في أتون البحر بمراكب قديمة، والغياب عند هذا المستوى يبني مركزيته على اتهامين، يتمثل الأول في احتكار الثروة المؤدي إلى تفقير المجتمع، وبالتالي أهمية السبب الاقتصادي في الإقلاع والمواجهة مع الآخر المرموز له حدثيا بالبحر، ويتمثل الاتهام الثاني في إهمال الذات واستسلامها للواقع بدون محاولة البحث عن أسباب الإخفاق إلى درجة الإقبال على الخطر بدون التفكير فيه، وخوض عباب البحر بوسائل لا تستجيب لطبيعته القوية، ضرب من الانتحار الذاتي، كما أن الاستسلام لواقع مريض يعمي العقل على تبصر مستويات التحدي الخارجي الذي تفرضه المواجهة، هو ضرب من الانتحار المجتمعي.
جدل الغياب/مضمر الخطاب:
تتشكل خاتمة الرواية من مظهر سكوني يتأثث في عتمة المكان، حيث تندرج أطروحات الخوف والصمت، بما يتفاعل نصيا مع موضوع الغياب المتلبسة بالهاجس.
مفتتح الخاتمة يكشف عن خفوت حركي للمكان: «في الساعة الرابعة والنصف بعد منتصف الليل خمد كل شيء».
يجثم الزمن بثقله السكوني على المكان فيخيم الجمود. يعمد السرد إلى تدعيم مظاهر السكون بوحدات إخبارية تجعل من الغياب المهيمن الأساس على فضاء المكان والزمان، ففي عرض المكان المفتوح الذي هو قرية المهدية، يقدم القاص المقهى كمكان مغلق يساهم في نشاط محدود في حركة القرية، إذ يظهر المقهى كمكان مولد للسكون: «ظهرت القهوة منعزلة».
يمثل الانعزال انحرافا عن حركيةٍ ما يمارسها الكيان الشامل لمجموع الوحدات، وبما أن المقهى عنصر من عناصر القرية، فانعزاله يثير سؤال الدافع، والحفر في النص يكشف عن مضمر الخطاب في تفعيل موضوع الغياب، أي أن انعزال المقهى يصوره السياق في ظل بنيتين مشبعتين بالسياسي، بما يكشف عن فداحة إهمال عنصر الحرية: «ظهرت القهوة منعزلة، شبيهة بمعتقل سياسي، أو معتقل حربي». وبما أن الجملة السردية المؤسسة للمضمر السياسي في ترتيب طبيعة الخطاب الروائي المفعم بالغياب بدلالة الجملة السردية التالية: «ثم ارتفع شخير عال، وارتفع شخير آخر بالقرب منه».
تندرج ضمن فعالية السكون الليلي، ينبثق مفهوم التأمل كآلية للانفكاك من إسار الغياب الفعلي لكيان الذات داخل معترك الحياة، ويظهر ذلك من خلال رصد مفردات مهملة لا ينتبه إليها الفكر الذي يعايش الليل كحركة عادية، لكنه في سياق الخطاب الروائي يوظف الرصد لتركيز التأمل كمستوى ذاتي لرفض الغياب: «انتشرت بعض الأكواخ وهبت ريح خفيفة باردة نوعا ما. ارتفعت أيضا أصوات بعض الحشرات التي لا يعرف أحد اسمها. زقزقت بعض الطيور لتسكت على الفور مستكملة نومها».
في تعمق هذا المشهد يتبين مسعى القاص السوداوي حيث تنتهي جمالية حركة السرد الآملة، بمنام الطيور، التي تتحدد في ذاتها كمعطى جمالي، وهو الشيء الذي يعكس إحباطا آسرا يشكك في احتمال الانفكاك من قبضة الغياب. وما يزيد في حيرة التلقي من وجهة نظر السرد الآيلة لليأس هو إحاطة الخاتمة بكل ما يكشف بُعد الغياب: «في هذه الساعة بالذات كان في خلف القهوة مخموران».
الخمر تغيب العقل، وغياب العقل دلالة الوجود خارج حركة التاريخ، وعليه يتأسس الأمل في الانعتاق، وهي جمالية سردية يبنيها النص في إطار فعالية جمالية لمنجز طبيعي لا ينفك توهجه يلتحم بالذات، فينقلها من مدارك القاع إلى مدارات القمة، فالمخموران: «صمتا بصفة نهائية ليتكئ أحدهما على قدم الآخر بانتظار شروق الشمس». لا تتضح قصدية المعادلة السردية المتاحة بين حدي الصمت والشروق إلا في مجال المقطع السردي التالي: «بعدها ارتفعت عقيرة بعض حفظة القرآن».
وهو مجال الروح المقبلة على العقل في إطار دعوة النص الإلهي إلى القراءة والتدبر والتأويل ضمن فضاء السكينة الماثل بين صمت الأرجاء والكينونة وشروق الحلم بين أضلع الواقع.
٭ كاتب جزائري