الدوحة “القدس العربي” -من إسماعيل طلاي:
أكد “تقدير موقف” للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة أن الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية مجتمعة بدأ يتوافق أكثر حول ضرورة إنهاء الأزمة الخليجية ووضع حدٍ لحصار قطر، على الرغم من أن توقع تطورات موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الأزمة الخليجية ما يزال صعبا، مع استمرار تقلّبه تجاهها.
وأشارت ورقة “تقدير الموقف” إلى أن استمرار الأزمة يفيد إيران ويشتت المواقف الإقليمية منها، وهذا ما لا تريده إدارة ترامب، خصوصًا أنّها في خانة التصعيد مع إيران بحسب ما ظهر من خطاب ترامب الذي ألقاه أخيرًا في الأمم المتحدة. كما أنّ استمرار الأزمة الخليجية يهدد بتفكيك واحد من أهم التكتلات الإقليمية الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة والذي لا يزال متماسكًا إلى اليوم، أي مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
استمرار الأزمة يقوض محاربة الإرهاب
ولفت المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات إلى أنّ هذه الأزمة تهدد الحرب الأمريكية على الإرهاب، وهو ما لا يفتأ المسؤولون الأمريكيون يحذرون منه. فضلًا عن ذلك، يبدو البنتاغون قلقًا من احتمال تأثر عملياته العسكرية في الشرق الأوسط بالأزمة الخليجية، خاصة أنّ قطر تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، وهي قاعدة “العديد” الجوية التي تضم نحو 11000 جندي أمريكي، وتحتضن مركز العمليات الأمريكية الجوية المشتركة لمهمات القيادة والسيطرة على القوة الجوية الأمريكية في العراق وسورية وأفغانستان، فضلًا عن 18 دولة أخرى. كما تعدّ القاعدة مقرًا متقدمًا للقوة الجوية للقيادة الوسطى الأمريكية، ومركز العمليات الجوية والفضائية المشترك، وغيرها من الوحدات الجوية الأمريكية.
ويتخوف المسؤولون الأمريكيون، خصوصًا في وزارة الدفاع، من أنّ هذه الامتيازات التي تحصل عليها الولايات المتحدة في قطر ربما تكون مهددة في حال استمرت حملة التصعيد الدبلوماسي معها، وفي حال استمرار تصريحات ترامب غير المنضبطة تجاهها.
مؤسسة الحكم لا تريد البقاء رهينة لمواقف ترامب
وتخلص الورقة إلى القول: “لذلك، يبدو أن مؤسسة الحكم لا تريد أن تبقى رهينة طريقة الرئيس الأمريكي الحالي في اتخاذ المواقف وإدارة السياسة الخارجية، فنجدها تتدخل في كل مرة لضبط الأمور. ولكن، يحصل هذا التدخل في أغلب الأحيان بعد وقوع الضرر، على الرغم من أهميته؛ لذلك من المهم أن يحصل التغيير على مستوى تفكير الرئيس ترامب وسلوكه السياسي والدبلوماسي”.
وأشار المركز العربي إلى التسارع الكبير الذي شهدته المساعي الدبلوماسية الأمريكية لحل الأزمة الخليجية في غضون الأسبوعين الماضيين، وكان أبرز ما فيها دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خط الأزمة مباشرةً، وذلك عبر لقاءَي قمة عقد أحدهما مع أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، في واشنطن في 7 سبتمبر / أيول الجاري، وآخر مع أمير دولة قطر، في نيويورك في التاسع عشر من الشهر نفسه، على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
واعتبر أن دخول ترامب وسيطًا على خط الأزمة وحصار قطر يمثل تطورًا لافتًا للانتباه؛ ذلك أنه، منذ قطع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية والبحرين، إضافةً إلى مصر، علاقاتها مع قطر، وفرض حصار عليها في 5 حزيران/ يونيو الماضي، أخذ البيت الأبيض موقفًا منحازًا إلى دول الحصار، في مقابل موقف أكثر توازنًا اتخذته وزارتا الخارجية والدفاع الأمريكيتان.
تغير نبرة ترامب اتجاه قطر
وبرأي المركز، فإن تغيراً في نبرة ترامب نحو قطر بات واضحًا في اللقاء الذي جمعه بأمير قطر في نيويورك؛ إذ بدأ بالإشادة للشيخ تميم بن حمد آل ثاني، واصفًا العلاقة بينهما بـ “الصداقة الطويلة”. ثم تطرّق مباشرةً إلى الأزمة الخليجية، بحيث أكد أنه يحاول حلّها، قائلًا: “أعتقد أننا سنحلها، ولديّ شعور قوي بأنها ستجد طريقها إلى الحل سريعًا جدًا”. وذهب ترامب إلى أبعد من ذلك عندما أكد أنّ العلاقات الأميركية – القطرية ليست محصورة في الأزمة الخليجية، بل إنها تشمل “التجارة المتبادلة وقضايا أخرى كثيرة. ونحن لدينا علاقات ممتازة، خصوصًا منذ لقائنا في السعودية (قمة الرياض في أيار/ مايو الماضي)، الذي كان لقاء مهمًا جدًا”.
تأثير تيلرسون على ترامب
وانطلاقا من تساؤل حول ما الذي تغيّر في تفكير ترامب، يرى المركز العربي، استناداً لمصادر إعلامية مختلفة، أّن مواءمات بدأت تطرأ على مقاربة ترامب للأزمة الخليجية، المنحازة إلى دول الحصار، وذلك بعد تحذيرات من وزير خارجيته، تيلرسون، ووزير دفاعه، جيمس ماتيس، ومستشاره للأمن القومي، أتش. أر. ماكماستر، من أن إطالة أمد النزاع تفيد إيران وتشتت جهد الضغط عليها. إضافةً إلى ذلك، جاءت الأزمة مع كوريا الشمالية لتزيد من حجم الضغوط على ترامب الذي بدا في غنى عن فتح أزمة جديدة في الخليج.
والحقيقة أنّ وزارتي الخارجية والدفاع ساهمتا مساهمة فعالة في تزويد ترامب بمعلومات وتقديم صورة أكثر شمولًا للوضع في الخليج مما سمعه من قادة الإمارات والسعودية.
الأزمة الكورية والإيرانية تعجلان حل الأزمة
ويشير تقدير الموقف إلى أن الأزمة مع كوريا الشمالية، واحتمال اندلاع أزمة مع إيران بسبب موقف ترامب الرافض اتفاق البرنامج النووي، من العوامل المهمة التي عززت ميله الراهن إلى الضغط على دول الحصار الخليجية لحل الأزمة مع قطر عبر الحوار، من هنا جاءت مساعي ترامب لترتيب اتصال هاتفي مع أمير قطر وولي العهد السعودي، اتفقا خلاله على العمل على حل الخلافات بينهما على طاولة الحوار، إلا أنّ السعودية تراجعت، في اليوم نفسه، عن تعهداتها تلك ملقيةً باللوم على قطر، ومطالبةً إياها بالامتثال للشروط الثلاثة عشر التي وضعتها دول الحصار.
كما تستشهد الدراسة بما ذهبت إليه وسائل إعلام غربية عبر نقلها عن مسؤولَيْن أميركيين مُطلِعَيْن أن ترامب تدخّل شخصيًا لكبح مخطط سعودي – إماراتي للقيام بعمل عسكري ضد قطر، محذرًا إياهما من مغبّة الإقدام على ذلك، ومؤكدًا أنّ أي عمل عسكري سيكون من شأنه تعزيز وضع إيران في منطقة الشرق الأوسط.
وتضيف الدراسة: على الرغم من أنّ ترامب نفى خلال لقائه مع أمير قطر صحة التقرير، فإنّ تصريحات أمير دولة الكويت حول النجاح في تجنب عمل عسكري في الأزمة الخليجية ترجّح احتمال أنّ دول الحصار فكرت في الفعل في القيام بعمل عسكري ضد قطر، لكنها تراجعت من جراء الرفض الأميركي، والموقفين التركي والإيراني الضاغطين، والأهم من ذلك نجاح قطر في تعرية موقف دول الحصار والالتفاف على حصارهم.