فاغنر يتسلل إلى الإذاعة الإسرائيلية… وزارة الثقافة السورية في فخ التطبيع… وكارتر يريد فرصة سلام لبشار الأسد

حجم الخط
0

لا ندري حتى الساعة كيف فلتت مقطوعة لريتشارد فاغنر (1913 – 1883 ) لتبث في الإذاعة الإسرائيلية العامة، قبل أن تعتذر الأخيرة، معتبرة بثّها مقطعاً من «كريبوسكول دي ديو» أنه «خطأ». فاغنر، عبقري الموسيقى الألماني، ما زال، بسبب معاداته للسامية، ممنوعاً إلى اليوم عند الإسرائيليين، لكن من دون تعليمات مكتوبة، ولا يبدو أن الأمر يحتاج لقانون مكتوب، فما دام هنالك جيل من ناجي المحرقة على قيد الحياة يمكن الاطمئنان إلى أن التشدد حيال فاغنر على أشده، كما قال يوسي بيلين ذات مرة، متأسفاً على أن ذلك الجيل حينما يندثر سيكون هناك جيل آخر يستمع إلى فاغنر. ويبدو أن من سوء حظ بيلين أن الموسيقى حينذاك ستدفع نحو بصيص أمل في توحّش أقل.
فاغنر، لم يكن معادياً عادياً لليهود، في أزمان شاع فيها ذلك العداء، كان منظّراً وداعية للكراهية والنبذ، مع أنه كان محاطاً باليهود على الدوام، ولم يخفف ذلك من غلوائه، لم يمنعه من نشره لمقال «اليهودية في الموسيقى» باسم مستعار، ثم باسمه الصريح بعد سنوات، كل ذلك صحيح، ولكن عبقريته لا يمكن تجاهلها، يصعب القفز عن حقيقة أن «مساهماته غيّرت مجرى الموسيقى الغربية جذرياً»، وأن لتجديداته في المسرح أثراً كبيراً على تاريخ هذا الفن.
ذات مرة قال مدير موسيقى أوركسترا إسرائيلية: «عاجلاً أم آجلاً يجب أن يحدث هذا (أن تعزف موسيقى فاغنر). عدم عزف موسيقا فاغنر أشبه بعدم عزف عازف بيانو لموسيقا شوبان. يجب أن يكون ذلك جزءاً من تعليمهم المهني». وبالفعل، ماذا لو كنا إزاء معادٍ للسامية، ولكنه اكتشف قوانين فيزيائية، هل يتوقف الإسرائيليون على البناء على تلك القوانين؟
صوت موسيقى فاغنر في إذاعة إسرائيلية لا يمكن أن يأتي بالمصادفة، إنه تعبير عن اهتزاز ما في يقينيات المجتمع الإسرائيلي، لكن ذلك «الاهتزاز» انتهى مرة أخرى بالاعتذار. حتى الساعة جيل المحرقة يتابع انتصاراته.

«طاحونة» الإعلام السوري

تضيف قناة «الإخبارية السورية» إلى رصيدها المثقل بما يمكن وصفه إعلام المجزرة، مقابلة مع اللبناني سالم زهران، يقول فيها عن ثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ من المحتمل، وفق خطة روسية حسبه، أن يعودوا في غضون سنة ونصف، إنهم «بحاجة لإعادة تربية»، و«بدّك تربي البيّ والأم والولد». وهو يقترح لذلك إعادة تفعيل منظمات «الطلائع» و»الشبيبة» «لإعادة تربية الجيل السوري الناشىء».
ويتابع على إيقاع هزة رأس المذيعة، التي تختم على أقواله بكلمة «صحيح»، مجيباً عن سؤال يتعلق بالوضع في مدينة إدلب «أنصح الإخبارية بعمل وثائقي عن تدوير النفايات والمسلحين. التجميع والفرز، ثم الطحن. هناك جزء بيتدوّر، وجزء بدّو ينطمر ما إله غير حل. المرحلة الأخيرة في إدلب هناك عشرات إن لم نقل مئات الآلاف، إنتِ بحاجة تزنريهم، تحاصريهم، يفجروا بعضهم البعض بالمجتمع، بالمال، بالقتال، من بعدها بتفوتي عالمرحلة التانية، مرحلة الطحن».
هذا هو العقل الذي يحكم البلاد، حيث أجندة النظام الوحيدة هي الطحن، وهذا كان اقتراحه على الدوام، في مرحلة الضعف كما في أوج قوته.
الأخطر في مقابلة زهران هو أن نظرية الطحن تأتي على التلفزيون الرسمي للنظام، أي أنها تعبر تماماً عن سياسته، وهي ليست مجرد يوتيوب غير مسيطر عليه، إن كان هناك حقاً أشياء خارج الرقابة والسيطرة تحت سقف النظام. الطحن لا يمكن أن يكون سياسة مؤسسة رسمية تمثل الدولة، فهذه اللغة (الطحن والتدوير والطمر) لا يمكن أن تأتي إلا من فرع مخابرات دموي ومتوحش حمل اسم «الطاحونة»، واشتهر مع اندلاع الثورة في البلاد.
طحن في إدلب، وفي مناطق النظام الآمنة إعادة تربية بسلاح طلائع البعث وشبيبته. إنهما وجهان للعملية ذاتها. تلفزيون النظام ليس سوى جزء من الطاحونة، ليس سوى تلك «الطاحونة».

فرصة سلام

يكاد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، في مقابلته الأخيرة على «سي أن أن»، أن يلخص موقف المجتمع الدولي من الوضع السوري. إنه يعرف أن بشار الأسد «ارتكب جرائم خطيرة ضد شعبه»، ومع ذلك يقترح: «أول شيء يجب فعله هو إنهاء الحرب، وهذا من شأنه أن يوقف البراميل المتفجرة، كما يعني أيضاً إنهاء استخدام الأسلحة الكيميائية ضد الأبرياء إذا انتهت الحرب». ويضيف «عندها يمكننا التعامل مع الجرائم التي ارتكبت بالفعل».
استراتيجية كارتر هي إذاً «إنهاء العنف، ومن ثم العمل مع الرئيس الحالي بشار الأسد.. هو يحتاج فرصة السلام أولاً وقبل كل شيء، وإذا قبلَ ذلك يمكننا أن نسوّي مسألة جرائمه لاحقاً»، و«علينا العمل من خلال الأمم المتحدة والقوى الأخرى لتحديد كيفية التعامل مع الرئيس الحالي لسوريا».
يتحدث كارتر عن البراميل والأسلحة الكيميائي على أنها من فعل حرب قدرية، ولا كأن بشار الأسد نفسه هو من قام بإلقائها على الناس والمدن، ولا كأنه ألقاها بالضبط بسبب رغبة شعبه بـ «تسوية مسألة جرائمه»، ليس واضحاً عنده بعد أن المعادلة هي «الأسد أو نحرق البلد».
هل يسمع الرئيس الأمريكي بما يعده النظام السوري للاجئين المفترضين؟ الطواحين وإعادة التدوير وخلافه؟

من حيفا إلى دمشق

أدانت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل إحياء الفنان الأردني من أصل فلسطيني أدهم النابلسي «حفلاً تطبيعياً في قصر المؤتمرات في حيفا، متجاهلاً بذلك كافة المناشدات الأردنية والفلسطينية الداعية لعدم التعامل مع سفارة الاحتلال». وقال بيان الحملة «تعدّ هذه المشاركة تطبيعية، بغض النظر عن النوايا».
بعد أيام فقط من حفلة النابلسي في حيفا، أقام الفنان حفلاً في دمشق، في «مجمع دمر الثقافي» التابع لـ «دار الأسد للثقافة والفنون»، إحدى مؤسسات وزارة الثقافة.
الوزارة السورية أوضحت، في بيان، أن الموافقة على حفل الفنان جاءت قبل أربعة أشهر، وأنها «لم تكن على علم بحفلتيْه في حيفا ورام الله». ولا يبدو أن الأيام الأربعة الفاصلة بين حفلتي حيفا ودمشق كانت كافية لتأخذ الوزارة علماً (كذلك لا يبدو أن أياً من جهات المقاطعة أعطت بالاً لحفل النابلسي في دمشق)، مبينةً أنها «لا تمتلك القدرة على معرفة كل ما يستجد في حياة الفنان الذي يقدم عرضه على المسارح السورية».
وحسب وكالة أنباء «سانا» فإن بيان الوزارة شدد على أن «الهيئة العامة لدار الأسد قدمت فقط المسرح ولا علاقة لها باستقدام الفنان النابلسي وتنظيم حفله بدمشق»، ما يعني أن «دار الأسد للثقافة والفنون» تعمل فقط كصالة أفراح بإمكان أي كان استئجارها!
كاتب فلسطيني سوري

اشترك في قائمتنا البريدية