أحمد أيت عريان في رواية «هوامش الصمت»: المسار التفاعلي للمحكي الشعري

حجم الخط
0

 

يحيل العنوان الموفق لرواية «هوامش الصمت» للكاتب المغربي أحمد أيت أعريان على متخيل حارق ظل ردحا من الزمن متواريا في تلافيف الذاكرة، إلى أن سحبته سلطة الكتابة وإغراءاتها إلى ساحة السرد، لتبسطه بوحا بلحظات في مسار أيمن، الشخصية الرئيسية في الرواية.
وإذا كانت ملامح إبداعية هذه الرواية تظهر من طريقة بنائها، بصفتها استعادة لتجربة ذاتية وغيرية، فإن جوهرها يكمن في تحويل الكتابة سياقا روائيا لتشخيص تجربة مواجهة الكبوات ومقاومة نسيان تحققات حياتية كانت مبعث الانكماش والامتداد في آن.
تمتلك هذه الرواية قدرة فائقة على الانتباه إلى تفاصيل الحياة، مهما كانت بسيطة ودقيقة، وتحويلها إلى رومانس لا يحب التحليق بعيدا عن الأرض. غير أن الكاتب لا يتقصد من هذه التفاصيل حكي اليومي، أو إبلاغ أحداث قد تحدث لأي واحد منا، بل يغريه في ذلك التقاط حجم الإنساني الذي يؤطر مبادراتنا وردود أفعالنا. ومن ثم فقد تشكل مسار شخصية أيمن برمته من مداعبات الحياة اللطيفة الرشيقة، ومن ضرباتها الاعتباطية القاسية، ما أدى إلى إفراز عملية سردية انبثقت بسلاسة نموها وصلابته من نوى أحداثية سردية، تتفرع عنها تجارب وحكايات هي متن الرواية.
ينطلق هذا المسار التفاعلي، من لحظة الاعتقال القصيرة في سجن بني ملال. ومنها سيتابع السارد مضاعفات هذه المحنة الطارئة على شخصية أيمن، فيستعيد العثرات التي اصطادته بؤرا لانطلاق السرد وامتداده. كان المنطلق فقدان العمل وما ارتبط به من استقرار مادي ونفسي، لكن بدل أن يُحوَّل هذا الظرف العصيب مرتعا سرديا يتلكأ السرد في فداحته، جاء فقط سياقا للتركيز على قيم يؤمن بها أيمن، هذه القيم التي عبر عنها معتقل سياسي وجده في السجن حيث قال: «إن النفوس المتشبعة بالمبادئ السامية وبالقيم النضالية تأبى الرضوخ والاستسلام، تشق طريقها بعزم وإصرار حتى تصل إلى الأهداف التي تناضل من أجلها، ولو لم يخلق الله مثل هذه النفوس المُتَّقدة لما نعم الإنسان بالحرية، ولظل مستعبدا أبد الدهر». ومن ثم لم يأبه السرد إلا بمواقف ومشاهد مكنته أولا من تجسيد هذا الإصرار على قهر عوامل اليأس والتراجع والانكماش، كما مكنته ثانيا من بناء صرح الرواية على أسس متينة.
هكذا ما أن نطق أيمن «سأسكن مع بعض الأصدقاء، وسأتكيف مع الأجواء حتى أجتازَ هذه العقبة الكأداء» حتى تمكن من تجاوز تجربة الاعتقال، وخوض التجربة الرباطية المحتضنة لمحكي التحصيل العلمي، وخلال ذلك تنبثق مواقف، تروي هذا الإقبال على مواجهة الصعاب، والتحرك بروح مقدامة، ديدنها اصطياد الجميل في الحياة، أو ما استطاعت إليه الشخصية سبيلا، من متع آتية من قراءة الشعر، والمرح رفقة الأصدقاء، والامتداد إلى أمكنة أخرى، عبر فسحات استجمامية، برع الكاتب في جعل بعضها بؤرا سردية تفرعت إلى محكيات صغيرة. فيكفي أن يستمع أيمن لصوت ناي في جوف الليل قرب منابع أم الربيع، لتتشكل بذرة سردية ستتفتق محكيا في فضاءات أخرى كمدينة دمنات ومدينة أفينيون في فرنسا ضمن علاقة إنسانية مع جيرار.
بناء على ذلك يتحرك السرد وفق استراتيجية حكائية ناجعة تنطلق من وضع مأزوم وتمتد في وضعيات انفراج يتعيش السرد من مراتعها الخصبة، ولا نلمس أثر الكبوات إلا في الخلوة أو الأحلام كما يُجلي هذان المقطعان:
-»بات أيمن يحصي مآسيه وزفراته تلسعه حتى كاد يختنق، ولم يخفف عنه حدة هذا الأسى، إلا كونه طالبا في السنة الثالثة في كلية الآداب في الرباط». «وحين استسلم للنوم رأى نفسه واقفا على قمة جبل، وإذا برياح عاتية تعصف به نحو الهاوية، وفي رمشة عين انقض عليه سرب من النسور، في الصباح استيقظ من نومه مهموما والنسور التي نهشته في حلمه ما زالت ترفرف في سمائه».
ذلك بعض من قوة هذه الرواية التي وإن بدت تتحرك أفقيا، إلا أنها برعت في الانتقال بخفة الحمام ورشاقته من محطة إلى محطة، فوراء تلقائية حكيها، تكمن قدرة إيحائية لتفسير مواقفها، أساسها تقديم الحدث مجردا من أحكام القيمة، وعليك أن تستشف ذلك من تفاعلك مع امتداداته الوجدانية والتخييلية. فحتى في أصعب الوضعيات لا نرى الكاتب يدين أو يشجب أو يتذمر، إنما يكتفي بإيراد تعليق مقتضب يكثف كل شيء، بدون أن يفصح عن وجهة دلالية واضحة، فحين اجتاز الامتحان الشفوي مثلا، «خرج من القاعة، وهو يحس بأن كل ما بناه قد انهدم، وحين خرجت النتيجة كان من بين الراسبين العشرة الذين استثنوا لأسباب لا يعرفها إلا أفراد اللجنة»، لا نلمس بروز ذهنية ناقمة، بل ستتخلق من ذلك فرصة للانطلاق من جديد، كأن لسان حاله يقول: لا مجال للنقمة، عليَّ أن أتجه إلى أهدافي بدون الالتفات لمصادر التشويش، أو أتعثر في المتاريس التي توضع أمامي باستمرار: «ولما رأى أنه قد سئم كل شيء، وأصبح على حافة الانهيار، فكّر في السفر خارج المغرب عله يسترد عافيته، وينسى مرارة الإحباط».
الحقيقية أننا نعدم في أدبنا المغربي مثل هذه النصوص التي تحتفي بالفرح والمرح، فليس بالحزن والقنوط، والسوداوية، والكوارث نبني أدبا جيدا، إنما يثبت كاتب «هوامش الصمت»، بعيدا عن الروح الرومانسية الهاربة من لجج المجتمع وأواره، إن في الحياة متسعا للأمل والبهجة، وأنه لا قيمة للأدب، رغم كل شيء، إذا لم يُعِدْ بناء الواقع الذي يتحدث عنه وفق نواميس الانفتاح والانطلاق إلى آفاق جديدة وواعدة بإمكانات عيش مختلف.
ففي خضم نمو السرد على هذا النحو، لا تلمس الأثر النفسي للكبوات في الواقع الفعلي للشخصية، بل ترى الشخصية بمجرد ما ينقشع كابوسها تخرج من خلوتها مقبلة على الحياة، تارة بالعلم والعمل، وتارة أخرى بالسفر والترحال، ما زرع في السرد إيقاعا مرحا، لا يتركك فريسة لهموم الشخصية وخيباتها، بل سرعان ما ينتشلك ويزج بك في فسحات ريانة، وكثيرا ما ينثر فيها عناصر الجمال حين ينشد الشعر أو يرمي بمُلَح في الطريق، أو وهو ينقل إليك عبق الطبيعة، أو تُتَابع لقاءه بـ(أروى) الساحرة في أفنيون، وحتى مرارة الفراق هنا لم تتحول إلى حزن رومانسي كئيب، بل هي لحظة صفاء عاطفي إنساني جعل منه أحد مُمكنات الحياة الأكثر طَرْقا. وكل ذلك يُشخَّص بلغة سردية امتاحت كثيرا من فضاءات الشعر وإشراقاته، وحافظت على نسغ نثري، وبذلك تمكنت هذه اللغة بملاحقتها اليقظة للمضامين المستعادة من خلق تموجات وانحناءات سردية، ضمنت للقراءة المتعة والتشويق، ما يجعل من هذه الرواية المتميزة أحد النصوص السردية المغربية التي تنتمي لشجرة الكتابة المشغولة ببناء متخيل مغربي يستطيع القارئ المغربي أن يرى فيها صورته، وصورة جيله، أو جيل من سبقوه إلى محارب الحياة.

أحمد أيت أعريان: «هوامش الصمت»
المركز الثقافي العربي، المغرب 2018
144 صفحة.

أحمد أيت عريان في رواية «هوامش الصمت»: المسار التفاعلي للمحكي الشعري

عزيز ضويو

اشترك في قائمتنا البريدية