على طريقة البحاثة القدماء والمنقبين عن اللقى والآثار والإحفوريات والمستحثات القديمة، سعى الشاعر والباحث اللبناني أحمد فرحات إلى التنقيب عن شعراءَ غابرين من العهد الفينيقي، ظهروا في تلك الأزمنة الطاعنة في القدم والإبداع والابتكار الروحي، زمان الإسكندر المقدوني، زمان العصر الهيلنيستي، عصر تماهت حضارته واشتبكت وامتدت لتتلاقى وتندغم مع ثقافات وحضارات الشرق الموغل في القدم، بدءاً من السومرية والبابلية والأكادية والآشورية والفينيقية والكنعانية والفرعونية، تلك العوالم الأولى التي خطا فيها الإنسان ليصنع علومه وأفكاره ونهجه الدنيوي المتطلع لبناء عالم حضاري جديد، مبني على الفكرة وإعمال العقل من أجل بناء الأفكار، بالتساوق مع بناء الحياة عبر اليد الإنسانية.
وإذا ما تملى الناظر اليوم، باحثاً عن الزمان الفينيقي الأول سيجد إنه يشمل حسب خريطة اليوم ومواقعها بلاد سوريا والعراق وفلسطين والأردن ولبنان ومنطقة قلقيليا وشبه جزيرة سيناء. وحسب التاريخ القديم فلقد غزا الإسكندر واحتلّ وبسط نفوذه في كل هذه المواقع والبلدان، لينتهي نهاية مأساوية في بلاد ما بين النهرين وتحديداً في بابل العراقية.
من هنا الحديث سيخص ويتركز حول «شعراء أم النار» الذين عنون بهم الشاعر احمد فرحات كتابه البحثي الذي نطالعه، وهم شعراء هيلنيستيون وليسوا هلينيين أغارقة، حسب الكتاب، فهنا ينبغي الفصل والمعاينة والتدقيق، فهم يختلفون عنهم، كون هؤلاء الشعراء والمعني بهم شعراء «أم النار» هم شعراء يمكن تسميتهم بشعراء هجينين، أو شعراءَ مزدوجي الهُوية، ويغتلي في عروقهم تراث ثقافات شرقية، فمواردهم الروحية والثقافية والعاطفية والوجدانية متحت من عمق هذا التراث الروحي والعقلي والثقافي المشرقي، نتيجة الهجرات، كما يوضح الكتاب، هجرات قامت من جنوب الجزيرة العربية إلى ساحلها الشمالي، لتتوزع غبّ ذلك إلى غالبية جزر البحر المتوسط وسواحله التي لا تحصى، على طول ذلك الشاطئ الذهبي، الذي ضمّ إلى جانب هذا حضارة قرطاج في تونس وما جاورها من الشطآن المتوسطية.
ووفق هذا المنحى «بتنا لا نستغرب وجود شعراء إغريقيين من المرحلة الهيلنيستية، بثوا في أشعارهم حنيناً غائراً وعميقاً إلى أرض آبائهم وأجدادهم الفينيقيين، الذين وفدوا من أنحاء جزيرة العرب، ولا سيما من الساحل الشرقي للخليج العربي اليوم، والذي كان يضم «أم النار» المعروفة بوصفها محطة تجارية لماجان، بحسب ما تذكر النصوص السومر – اكادية».
يحمل كتاب «شعراء أم النار» إضافة إلى متن الكتاب الذي كتبه الكاتب والشاعر أحمد فرحات مقدمتين أخريين ضافيتين، لكل من الكاتبين والأديبين عبد العزيز جاسم وعبد الله عبد الرحمن، توضحان تاريخ الإمارات كونها جزءاً من هذا التاريخ العام للمنطقة، وتحتفي عبر الرصد والشروح الجغرافية للمنطقة وعالمها الواصل حسب المفهوم العلمي الكرونولوجي إلى قرابة المئتي عام، تحتفي بطريقة جمالية مائزة بعمل الكاتب أحمد فرحات، وتعتبره اكتشافاً لافتاً ومهماً يضيف بمعطياته ومعلوماته القيّمة وإضاءاته التاريخية، زوايا نادرة وباهرة من تاريخ الإمارات الثقافي والروحي والجمالي، الذي ظل غائماً ومنسياً ومندثراً لفترات طويلة، لولا إشارات بعض المستشرقين والباحثين والمؤرخين العرب والأغارقة والأوروبيين، الذين أشاروا لأهمية هذه الجزيرة، والمقصود بها الآن دولة أبو ظبي الحالية، التي كانت تسمى بجزيرة النحاس وترد في أكثر من نص ووثيقة تاريخية وعلمية وفنية قديمة يعود تاريخها لمئات من السنين التي غَبرَت.
في البدء توطن الفينيقيون في منطقة البحرين وأسسوا حضارة دلمون التاريخية، وانطلقوا بعدها لتأسيس مدن الجوار في وادي الرافدين والساحل السوري الكبير ليؤسسوا دولاً دامت قرابة خمسة وعشرين قرناً من الزمان، وهي: أوغاريت، طرطوس، أرواد، في سوريا اليوم، جبيل، بيروت، صيدا، صور، في لبنان، عكا، في فلسطين المحتلة الآن، أم قيس وجرش وجدارا في الأردن، تاروت في القطيف شرق السعودية، صحارى في عُمان، ولاحقاً أنشأوا عبر انطلاقهم من هذه المدن، قرطاج في تونس، وصبراتة ولبدة في ليبيا، وعنابة وتيبازا في الجزائر، والعرائش وسبتة وميليليا وطنجة في المغرب، وكذلك أسسوا كامتداد لدولتهم العظيمة والكبيرة مدناً مثل قبرص وكريت ورودوس ومالطا وكورسيكا وسردينيا.
في تلك الأثناء، ووفق تلك التحولات الجوهرية في سياق العالم وتقدم وازدهار حضارتها حتى القرن الثالث عشر بحسب الكتاب، توصّل هؤلاء الأوائل إلى اكتشاف الأبجدية، التي تولدتْ عنها جميع لغات العالم وأبجدياتها كاليونانية واللاتينية والعربية، وبخصوص الأخيرة ومما يعرفه كاتب وعارض هذه السطور، فإن العربية كتبتْ في الأنبار «محافظة عراقية الآن»، كتبها عربيان من طيء، عبر إفادتهما الكبيرة من السريانية، التي كانت منتشرة في تلك الربوع الزاخرة، بالرهبان والأديرة المنتشرة ما بين عنّة «عانة، قضاء تابع لمحافظة الأنبار حالياً» وحوران في سوريا حتى سهل نينوى المعروف بسهل سنجار أو الموصل حالياً.
ووفق المؤرخ الأول وباني علم التاريخ والمدوّن الأساسي للبشرية اليوناني هيرودوت فإن مكتشف الأبجدية هو قدموس شقيق الآلهة أوروبا، وهو ابن الملك أجينور ملك صيدا الفينيقية، والأبجدية عُثِر عليها مكتوبة على ألواح فخارية في مدينة جبيل اللبنانية، وعُثِر عليها فيما بعد في أوغاريت السورية وكذلك في جزيرة مالطة.
والمثير في الأمر، أن الأبجدية التي نُشِرتْ لها رسوم توضيحية مرفقة بالكتاب، تبدو قريبة جداً وإلى حد متشابه من الأبجدية اللاتينية المستخدمة حالياً في كل دول العالم، مع فروقات خفيفة أو تبديلات في مسألة الأحرف لا غير كحرفي الواي والدبل يو حيث يتبادلان المواقع فيما بينهما.
شعراء أم النار
من الثابت والمعروف أن الشاعر بندار، كان من كبار شعراء فينيقيا، لكننا لم نكن نعرف أن هناك شعراء معروفين آخرين ظهروا في فينيقيا وهم يونانيون من أصول عربية، كما هو حال الشاعر ملياغر المولود عام 140 قبل الميلاد في مدينة جدارا أو جرش الماثلة في الأردن حالياً. يفخر ملياغر بحسب الكتاب بإصوله العربية وبتحدره من جزيرة أم النار التي تبعد عن أبو ظبي قرابة العشرين كيلومترا، وهي موقع أثري بالغ الأهمية ويعود تاريخها إلى 2500 سنة قبل الميلاد كما وضح ذلك المستعرب يوسي آرو الذي استشهد به فرحات في هذا الكتاب، واتخذ أيضاً من الباحث والكاتب سحبان السواح، مرجعاً في بعض النصوص والمكتشفات.
تم اكتشاف موقع أم النار عام 1959 من قبل بعثة آثار دنماركية، وحسب معلومات البعثة فإنها تمثل منجماً لحضارة عريقة، سكنها أناس مهرة، اشتغلوا في الصيد وصهر النحاس وزاولوا التجارة امتداداً إلى وادي الرافدين.
ولعل الشاعر ملياغر هو خير ممثل لـ «المدرسة السورية في الشعر الهلينستي» سيما حين نراه يسترد عبق أرضه الأولى، أرض أهله وأجداده في أم النار « أجدادي العظام جاءوا من هناك، من أم النار، من أرض الورد الرملي النادر والأيائل التي تتحكم بالريح من شرفات عيونها ومن مشتبك قرونها التي تهدّئ زمجرة الزوابع، من هناك جاءوا من أرض النحاس الأحمر، من حرير أول مغزل لربات الجمال الثلاث … من برٍّ إلى برٍّ عبروا، ومن بحر إلى بحر، فوقهم طيور صديقة ترشدهم إلى حيث هم».
عبر هذه الرؤى الفلسفية، الباحثة في عمق الوجود البشري، كان يكتب ملياغر ملاحمه الإنسانية، التي تمجد بحسب فرحات، أرض سوريا القديمة التي تمتد من طوروس شمالاً حتى حدود مصر جنوباً، إنه الشاعر ملياغر، الذي كان يتقن ثلاث لغات هي الآرامية والفينيقية واليونانية، وكان داعية سلم ومحبة بين البشر، ويدعو إلى تجنب الشرور قدر المستطاع، كونه هو القائل أيضاً «لا تظنوني غريباً، فكلنا من وطن واحد هو العالم». وقد عاش الشاعر ملياغر الشطر الأول من حياته في مدينة صور اللبنانية ثم ارتحل فيما بعد إلى مدينة كوس اليونانية، وقام خلال حياته بتأليف أول مختارات شعرية في العالم لخمسين شاعراً يونانياً ضمت 130 قصيدة بالإضافة إليه.
ثمة شعراء آخرون يسلط الكتاب عليهم أنواره ومنهم الشاعر الصيداوي أنتيباتروس والذي يُمجّد هو الأخر أرض أجداده، بصيغة أقرب إلى المغْناة منها إلى الملحمة: «لا أملُّ في البحر ولا البحر يملُّ مني، فضاؤه يجلو الروح، ويردّني إلى فضاءات من غابوا عني، من أسلافي في أم النار، هل غبت أنا عنهم؟ أم هم الذين غابوا عني؟ الحقيقة لم يغب أحدنا عن الآخر، فالبحر قاهر الزوال، ما زال يجمعنا، اسألوا زرقته التي هي في مثل صفاء زرقة سماوات أجدادي اسألوها».
وعُرِف عن أنتيباتروس ارتجاله الشعر، الذي أدهش فيه الرومان، ولما سمع به الأمبراطور الروماني الثاني، وهو كان شاعراً ورساماً ايضاً، حسب المؤرخ سترابو المعاصر للإمبراطور وصاحب كتاب «الإنسان والتاريخ» طلب من الجغرافي سترابو إنشاده بعض ارتجالات الشاعر الصيدوني.
الشاعر الثالث في هذه الحلقة الذهبية هو تيفريكاتوس، وقد تمّتْ ترجمته من قبل الباحثَين محمد فرحات وسحبان مروة، ويسمى الشاعر هنا، بزارع النار الأزلية الذي قال: «أشعلت بنفسي النار الأزلية التي كان أهلي هناك في أرض فينيقيا أشعلوها من قبل، باركوا لي علامتي الكبرى». وفي نشيد غنائي آخر يقول إلى الإله بعل: «أيها الشاعر الذي فيَّ، كفّ عن حماقاتك واستسلم للغزك الدافئ الآتي دوماً من زهرة النار، إلى قمة جبل النار».
والحال هذه ينبغي ألا نتناسى الشاعرات الكثيرات ومن بينهنّ الشاعرة إيرينا التي وِلدَتْ في جزيرة رودس، وغادرت وهي شابة، إلى صور الفينيقية، مُمجّدة في أشعارها فينيقيا والحب وصور وأم النار، كون صور احتضنت أنوثتها واحترمتها وأعطتها حريتها كامرأة ثائرة على التقاليد اليونانية.
احمد فرحات: «شعراء أم النار»
هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة،2015 دبي
99 صفحة
هاشم شفيق