أربعينيات العراق: الحداثة والصحراء الثلجية

حجم الخط
0

 

كان على الشاعر أو الرسام أو القاصّ منّا أن يوضح ما يقوم به، وأن يثبت علماً كرواد القطب كلما تقدم خطوة، فليس من يقيس الظلال في هذه الصحراء الثلجية غير نفسه، فعليه أن يعمق تجربته ويوسعها، وأن يلطخها بالألوان بغية إثارة هذا القارىء الغارق حتى قمة رأسه في أكوام من الأخبار اليومية، وعليه أن يبحث عن ما يبرر تجربته في الجديد الذي يحمله إليه، وعن أرقام كبيرة تقف بجانب اسمه لحماية محاولاته.
وبنصف فهم كنا نوظف أدباء وفنانين من كل لون وجنس، فلهذا بيكاسو، ولآخر هنري مور، ولذلك إليوت وسيتول، ولغيرهما جويس. وكان بين تلك الأسماء سارتر وكيتس وبودلير.
هذا بينما كانت تستمر في الصحف العراقية قهقهة من شعر ورسم وأدب هؤلاء الشبان أبناء العقد الثاني. لقد طرق هؤلاء الشبان الباب بقوة لإثارة ولفت نظر الجو المحيط بهم، وكانت أعمالهم بمجموعها تشكل صرخات أفراد مهجورين في هذا العالم المتخم بحوادث الآخرين ومشاكلهم الحضارية. كانوا راغبين في أن يجدوا أنفسهم أو يجدهم الآخرون، وهذا ما أعطى طابع البحث عن الغرابة المثيرة، فرسم جواد سليم لوحتيه «عاهرات في الصيف» و»بغايا في الانتظار» بألوان قاتمة كان زوار معرضه يمرون بها معرضين عنها وهم يتمتمون بعصبية عن وقاحة هذا الفنان. ونحت خالد الرحال «حمّامه» النسائي المتخم بخطوط تنزع إلى التعبير عن شبقية عنيفة. وأصدر آخرون صحيفة أدبية باسم «الوقت الضائع» كان بعض كتابها ينشرون فيها شعراً سريالياً منثوراً، ويضعون عليها اسماً أوروبياً مستعاراً. وفتحت جماعة منهم مقهى اطلقوا عليه اسم «مقهى واق واق» ليكون ملتقى للأدباء والفنانين والعشاق، وكان بين هؤلاء من أطلق شعر رأسه أو لحيته، أو من علّق غليوناً بطرف من فمه فامال نصف وجهه. وكانوا يتحلقون لأغلب لياليهم حول مائدة ليدور نقاش طويل في الأدب والفن والناس، تختلط فيه الأصوات والضحكات والسباب أحياناً.
وكان من نتيجة ذلك كله أن صدرت ثلاث مجاميع شعرية، ورغم اختلاف البيئات الخاصة لكل شاعر فقد التقت على مفاهيم محددة للجديد الذي يريدون طرحه، وإن جاء أغلب ما فيها برومانسية صارخة اتجهت بالبعض نحو السماء وغارت بآخرين في الطين والنتن، وكان فيها قمر أعمى، وشتاء محموم، وزورق سكران، وقلب يتوكأ على عكازة، وشموع وعيون من كل لون. وكان فيها حبّ كثير، وجنس كثير، وعتاب وصراخ حتى لكأن الحياة ليست بأكثر من علاقة مختصرة لرجل بامرأة.
ولكن مع ذلك فقد كان هناك في «خفقة الطين» [بلند الحيدري]، و»عاشقة الليل» [نازك الملائكة]، و»أزهار ذابلة» [بدر شاكر السياب]، تباشير تحوّل جذري في لغة الشعر، ثم كان أن أحيل حسين مردان إلى المحاكمة بفعل من شعر بدا للحكم خارجاً على اللياقة، وفي الساعة التي كانت غالبية الصحف البغدادية تطالب فيها بإسكات أصوات هؤلاء الشعراء الشبان، وترى فيهم خطراً على الأدب والمجتمع، كانت مجلات لبنانية كـ»الأديب» ومن بعد «الآداب» تتبنى اتجاهاتهم وتفتح صدرها لكثير من أدبهم.
كان الطابع المميز لشعرهم، والذي ظهر جلياً في المجاميع التي صدرا ما بين عامي 1946 ـ 1947، رومانسياً، ذا حضور واقعي، وجنوح رمزي على شيء من تبني الصورة الغريبة المدهشة، وإيلاء الأهمية الخاصة للحدث النفسي الداخلي عند الشاعر، مع تقييم جديد للكلمة والبيت في القصيدة. فشاعرنا الحديث ميال إلى تجنب القصيدة الطويلة لأنه يتجنب التكلف والبحث عن المفردات التي تصلح أن تصير قوافي تمد بعمر قصيدته، ولأنه غير راغب إلا في الكلمة المأنوسة والمألوفة والتي لها أن تنقل القارىء من قطب في السلب إلى قطب في الإيجاب من العمل الشعري. كما أنه بدأ يتململ من سيطرة القافية ذات النغم المكرور، وتحولت الصورة على أيدي هؤلاء من مجالها العيني إلى مجال حسي مشحون بالإيحاء بدلاً من الوصف والتقرير.
ولم يكن في الكثير من هذه المحاولات ما يميزها عن كل ما كان موجوداً في الشعر العربي خارج العراق. ففي لبنان يحاول سعيد عقل أن يكثف إيحائيته الصوتية وجرسه الموسيقي، وفي سوريا يسعى عمر أبو ريشة لتمكين الشكل الهرمي للقصيدة المنتهية إلى ذروة تلتم فيها كل أطرافها، وفي مصر كان علي محمود طه ومحمد حسن اسماعيل يغذيان شعرهما بغنائية ظاهرة، إلى جانب اسماء أخرى لها اهميتها في هذا المجال، كأبي شبكة والمعلوف والشابي ونعيمة وغيرهم ممن كان يدور شاعرنا العراقي في بعض أفلاكهم (…)
وعبر الحس بضرورة التغيير أخذت تبرز ملامح جديدة في شعر شعرائنا، أغلبها بمنطق عاطفي ـ إذا جاز هذا التعبير ـ يفلسف ما يتناوله، ويتأمل من خلاله موقفه من العالم ومن نفسه في آن واحد، متوزعاً على مدارس أدبية شتى، وقد ازداد صوت كل منهم وضوحاً. فكان لنازك نبرتها الخاصة، وكذلك للسياب، وللبياتي، وإن اتفقوا جميعاً على خصائص المدرسة الشعرية التي تقول بالانتقال من شعر البيت إلى شعر القصيدة عبر نموها العضوي، ويخلق موسيقى تتعاطف مع الموضوع فيها وتؤكده، وباللجوء إلى المفردة الإيحائية بديلاً عن المفردة التقريرية.
مجلة «إبداع»، القاهرة، كانون الأول/ ديسمبر 1984

ضيق الوجود واتساع المخيّلة

في توصيف واقعة ذات مغزى خاص ضمن سيرته، يسجّل الشاعر العراقي بلند الحيدري (1926ـ1996) أنه ولد في عام ولادة بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي، وأنّ الثلاثة كانوا على موعد، بعد عشرين عاماً، مع رحلة تطوير الشعر العراقي في مطالع أربعينيات القرن العشرين؛ ثمّ الإسهام، تالياً، في حركة الحداثة الشعرية العربية إجمالاً. وهو يحدد المداخل التالية:
ـ الخروج على شكلية القصيدة القديمة باعتماد التفعيلة أساساً، الأمر الذي عنى تجاوز نظام الشطرين في القصيدة العمودية.
ـ البحث في القصيدة عن وحدة عضوية، «يكون لها أن تنمو من أطرافها المتعددة، موسيقاها وصورها ومحتواها العضوي، وبما يؤكد مقامها على ثلاثة محاور ـ أول ووسط ونهاية».
ـ اعتماد «الكلمة المأنوسة والمألوفة، لإيجاد البعد الإيحائي للمفردة»؛ والمثال على ذلك، ترجيح الفارق بين كلمتَيْ «سكين» أو «مدية»، كأن يتمّ اختيار الأولى لما تحمل من «ترجيع ذهني وتداعيات من خلال ألفتنا اليومية للكلمة»؛ مقابل الأخرى التي قد تكون فصيحة وحبيسة المعاجم.
ـ تأكيد الاختزال في القصيدة، أو ما سيطلق عليه جبرا إبراهيم جبرا صفة «الأسلوب البرقي»، أي استخدام أكبر إيحاء في المضمون من خلال أقل ما يمكن من الكلمات.
ـ وأخيراً، محاولة تسخير الثقافة الفنية والتشكيلية في الشعر، على نحو «استخدام الفراغات والألوان بمرماها الانطباعي».
ومن الإنصاف القول إنّ هذه المداخل تجسدت، بالفعل، في مجموعات الحيدري الثلاث الأولى: «خفقة الطين»، 1946؛ و»أغاني المدينة الميتة»، 1951؛ و»خطوات في الغربة»، 1965. إلى هذا كانت تجربة الحيدري قد اكتسبت خصوصية مختلفة عن مثال السياب، في أنه مزج على نحو تركيبي بين الميول والمؤثرات التالية:
ـ النصوص الأدبية والتاريخية الكردية، التي اتصفت على الدوام بجمعها بين الشجن الوجداني العميق، والغنائية الرثائية، والحسّ الملحمي بالمصير، والرومانتيكية، والاندماج بعناصر الطبيعة، فضلاً عن الحساسية الفائقة إزاء المفهوم الكارثي والتراجيدي إجمالاً.
ـ التأمل البوهيمي في العلاقة بين الواقع والكتابة، وبين ضيق الوجود الفردي واتساع حركة المخيلة، واقتران ذلك التأمل بذهني تشكيلي تكوّن على خلفية صحراوية بدوية وأخرى جبلية كردية.
ـ التأثر المبكر بأشعار إيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة والياس أبو شبكة، لجهة موضوعات الخلود والفناء، والتأمل الرواقي في الوجود والعدم، والفصاحة الأخاذة المطعمة بمعجم فلسفي ووجداني حارّ.
ولعلّ كثرة «النجوم» في حركة الحداثة الشعرية العراقية، أمثال السياب والبياتي ونازك الملائكة، جعل الحيدري أقلّ شهرة في العالم العربي؛ وإنْ ظلّ دوره الريادي أساسياً وخاصاً.

نصّ: بلند الحيدري

اشترك في قائمتنا البريدية