ماذا أستطيع أن أكتب عن مكاني الأول ـ كركوك، وقد كبرتُ وأخذت أُحاكم الأشياء. تحولت الى «رجل فطن راجح العقل!» أتعامل مع قوانين العالم والمجتمع، ولا أقدر على أن أحيا خارج بؤرته المغناطيسية. لم يعد لي، وأنا بعيد عن الطفولة، عن الحياة الأولى الحرة والمنفلتة من قبضة التحديد، إلا الامتثال للحلم وللوهم كي أدافع بهما عن نفسي وأطلق الهوى منّي ليتنقل هنا وهناك. يعود أحياناً الى مكاني الأول ويأخذني معه. قد تبدو كركوك الآن أشبه بمدن أخرى كثيرة. بل يمكن مقارنتها والحط من شأنها، والبدء باتهامها. لكنني لا أريد ذلك ولا أريد أن يلعب الوعي دوراً في المقارنة، لأن الوعيَ يملك مخالب المعرفة ويمزق بها الحلم والوهم الذي لا أتمكن الحياة من دونهما. ليس بوارد أن أحاكم مدينتي وأحاكم نفسي، ونحن بنية ممتزجة، ليس بوارد أن أحاكمـ (نا) وفق منظور عقلاني وأخلاقي، أو من خلال منظومة من الأفكار التي تريد التحديد والتغيير.
لا تريد الطفولة أن تُحَدَّدَ وتُنتَقَدَ وتُغيَّرَ. إنها تريد المواجهة والمعانقة والاكتناز بالحياة. أن تجمع الأسرار التي يطلقها المكان لتكون ذخيرة للعمر فيها غبطةٌ دائمة. ولذلك، أنا الآن، عندما أريد الإحاطة بكركوك، ربما أختزل التجربة الدينامية التي كانت تتفاعل آنذاك بيني وبينها. ولا يمكن استعادتها وتكرارها. وهل يمكن لرجل هاجر الطفولة وهُجِّر منها أن يعود إليها؟ مع ذلك فإن الكتابة عنها مغرية، ومحاولة للاقتراب منها.
٭ ٭ ٭
كركوك مدينة قديمة أُنشأت قبل التاريخ الميلادي بقرون، في سهل يتوسط الأراضي المتموجة التي يبدأ بها الشمال العراقي. كانت روح المدينة في قلعتها الترابية العالية الواسعة. أُقيمت داخل أسوارها الحارات والأماكن. بقايا أسوار القلعة ومداخلها القديمة ما زالت قائمة، تنزل منها بطرقات وسلالم عريضة الى كركوك التي أُضيفت إليها مع الزمن.
وتختصر المدينة العصور بحيث يمكن تأمل البابليين والكلدانيين والآشوريين، مثلما تتأمل الصفويين والعثمانيين والفرس. كل هذه الأرواح تعيش في المدينة القديمة وتحمل آثارها وأساطيرها. وعندما تزخ الأمطار على أطراف المدينة تظهر للعيان لقىً من خزفٍ قديم مهشم وتماثيل صغيرة هي تمائم تحدق، ربما، بنقاط السيطرة العثمانية على رؤوس بعض التلال المحيطة بكركوك. وثمة مخافر موّزعة بين الجبال المحيطة بالمدينة يمكن للمرء أن يتأمل الجنود العمالقة الذين هُزموا وجاعوا «في سفر بر» ودخلوا الأزقة منكسرين يتلمسون الصدقات لسدِّ رمقهم. قلعة المدينة حاضرة. قلما يفكر قاطنوها بتحولات التاريخ. لقد أصبح هؤلاء جزءأ منها. بل هم يصعدون السلالم الى المرتفع الذي يضم آلاف البيوت والشوارع الضيقة وحاراتها المتسمة بصفتها الخاصة التي تجمع أسماء المهن والقوميات والأديان والطوائف، مثلما تجمع أسماء الأساطير والأنبياء والوليين. تصعد الى القلعة لتدخل «يدّي قزلر» ـ البنات السبع وحارة الحلوانيين والحجّارين والصفارين والبنائين، والى «بريادي» و «جقور»، الى حارة النصارى واليهود والعرب وعقد الأكراد. هذه الأقليات المتعايشة وتلك المهن المستمرة منذ قرون بنت ملامح مدينة عتيقة، ثمّ وسعتها لتُضفي عليها ملامح خاصة، قد لا توجد في غيرها من المدن.
عند أقدام القلعة يجري نهرها، ويسمّى بلغة أهلها «خاصه صو»، وهو نهر «العظيم» المتكون من فروع عديدة يغذيها بالمياه ثلج الجبال وسيول الأمطار المنحدرة من الشمال ومن الشرق الجبلي البعيد .
نهر كركوك ماردٌ وملاك في الوقت نفسه. يهدر في الشتاء وفي بداية الربيع القصير ويجف في الصيف إلا من جداول صغيرة تسعى بين الحصى بماء رقراق. نهر أحمر المياه من جراء انجراف التراب الأحمر من الجبال. ويقف معظم الناس ليراقب غضب النهر في فيضانه وفي هديره الذي يُسمعُ في المدينة ويوقظ النيام. يقف الناس ليراقبوا عربدة النهر الذي يجرف معه كل شيء يصادفه في مسيرته البعيدة. يجلب جذوع الأشجار ويدحرج سقوف الأكواخ ويدفع في خضمه خرافاً وبغالاً وحيوانات أخرى، ولتصطدم أحياناً بأعمدة الجسر الحجري القديم الذي يفصل القلعة عن المدينة الجديدة. وكثيرا ما تؤشر الأيادي، والوجوه ساهمة، الى مهد طفل يتدحرج بين طيّات الماء الأحمر. وتفيض المياه في بعض الأعوام لتغطي الجسر الحجري تاركة خلفها، وهي تجف، غريناً أحمر يغطي الطرقات. وعندما يتصلب الغرين ويُفخَر بحرارة الشمس يكون مادة للرقيمات التي حفر عليها الأجداد كلماتهم وأساطيرهم وأسرارهم.
وكثيراً ما يعمّ الحزن على الناس لمصير آخرين كانوا في البعد حينما جرفت السيول بيوتهم وحاجياتهم ومصادر رزقهم، ويحتمل أنها جرفت ناساً وأطفالاً لفتهم بخضمها الأحمر، ناقلة إياهم الى البحر البعيد.
يتعلم الناس في كركوك معنى المسافات والامتدادات عبر النهر الذي يأتيهم من الجبال ويذهب بعيداً. ويعرفون بأن هناك أماكن وناساً يعيشون بعيداً عن مدينتهم، دون أن يسافروا إليهم. وهم بذلك يتعرفون على الحزن المجرد، غير المشخص. الحزن الذي يشارك أحزان الآخرين البعيدين عنهم؛ حزن من أصابتهم الكارثة هناك.
يستدعي هذا النهر دائماً بطوفانه تاريخ العراق القديم ويستحضره في الذاكرة. تاريخ غضب النهرين وفيضانهما، ذلك الذي دمّر إنجاز حضارات مختلفة رافقتها حروب وحريق وغزوات من الشمال ومن الجنوب، وضعت الإنسان العراقي وحيداً بين الماء والنار ودفعته لكي يقف ساكتاً أسير حزنه ينوح بعيداً عن محاولة تخليص نفسه مما يهدده من مصير محتوم.
قرأت ترنيمة أم تنعي وليدها الذي تحمله بين يديها وتعصره الى صدرها، ثم تقف عاجزة بين احتراق ستائر القصر وآثاثه. وكانت المياه أيضاً تقتحم القصر والجنود يتقاتلون ويسقطون موتى. قلت آنذاك، إثر قراءتي ترنيمة الأم: لِمَ تبكي بترنيمتها وتنعي وليدها عاجزة لا تتحرك وتهرب فتنقذ نفسها ووليدها من الفيضان ومن النار ومن اقتتال الجنود. قلتُ لماذا تكتفي بالبكاء والنواح، تجسِّد وتصوِّر بالكلمات ما يحيطها بالغناء الحزين، ولا تهرع لتخلّص وليدها من الموت ومن الكارثة.
لم اكن أعرف آنذاك، في يفاعتي، ما في الحزن والكمد من سرّ يشل المرء عندما يسلم نفسه للقدر. هذا الذي يعيد مأساته ويكررها، مرة بعد أخرى، ويغلق كل الدروب فلا يبقى إلا إطلاق العاطفة الحزينة بالشعر وبالترنيمة السوداء. وبذلك يكون الموت مجرد رحيل لا مناص منه إلى أحضان القدر، وهو لا يقتضي سوى طقوس مرافقة. وهل أعمق من الشعر ليعبّر عن وعي الرحيل ويرافقه؟
إِنه الماضي، ماضي كركوك، بقلعتها وبنهرها وبغرينها وبما تثيره في بحر الزمن فتضعنا قبالة الأجداد. الأجداد الذين يحتشدون في المدينة، يأتون إليها من كل صوب، كلٌّ يحمل حقيبة زمنه ليفتحها لمن يريد. يمضي في أطراف المدينة كلكامش وأنكيدو مثلما ينشغل أتونابشتم في بناء سفينته استعداداً للطوفان. تتخاصم خارج القلعة وداخلها آلهةٌ. يريد من هو في الأعماق «تموز» لكي يغطيه بالعتمة في الأرض السفلية. آلهةٌ تشحذ للأقوام وللرعية سيوفاً وعربات ودروعاً للحرب. وآلهة أُخرى سمحة تنحت على المسلة حروفاً تسلمتها من السماء، وآلهة تعبَّد الشوارع لمواكب النذور لتبارك بها المدينة.
من نصّ طويل بعنوان: «المكان الأول ـ سيرة مقتضبة»، 2003
كهف المرايا
رحل الشاعر والخطاط العراقي (1939 -2015) في برلين، منفاه الألماني الأخير بعد ترحال في الأردن ولبنان وأرتيريا؛ على مبعدة آلاف الأميال عن كركوك، مدينته العراقية الأمّ التي شهدت سنوات صباه، وتفتّح وعيه، واختمار مهاراته الإبداعية؛ مثلما زوّدت ذاكرته بمادّة جمالية وبصرية ورمزية وأسطورية سوف تعينه على تطوير تجربة شعرية متميزة تماماً، رغم قلّة المنشور منها (مقابل غزارة ما كُتب فيها).
والراوي، إلى هذا، كان عضواً مؤسساً وبارزاً في ما سيُعرف باسم «جماعة كركوك» الأدبية، تلك العصبة الصغيرة التي انطلقت سنة 1964، وضمّت أمثال فاضل العزاوي، صلاح فائق، سركون بولص، جليل القيسي، أنور الغساني، جان دمو، يوسف الحيدري… وأرسلت إلى المشهد الشعري العراقي سلسلة إشارات ـ على صعيد قصيدة النثر العراقية خصوصاً، وفي مستوى موضوعات الأدب وأشكاله معاً ـ موجات متتالية من الصدمات التجريبية. وعن المجموعة يقول العزاوي: «أعتقد أنّ أفضل ما قدمته للأجيال اللاحقة من الشعراء والكتّاب هو موقفها الأخلاقي في رفضها التنازل ـــ رغم كل العسف الذي تعرضت له، تارة من قبل السلطة، وطوراً من قبل العميان الإيديولوجيين ـــ عن حقها في حرية إبداعها وسعيها إلى أن تكون مكتشفة وحديثة ضمن شروط زمنها، منصتة لنداء المستقبل السحري بدل النوم داخل كهوف الماضي المعتمة».
وذاك توصيف يشير إلى خصوصيات شخصية الراوي الشعرية، من حيث إصراره على التجريب المفتوح والمنفتح، دون الانفلات من حسّ المسؤولية تجاه طبائع التطوير وتأثيراته؛ ولكن، أيضاً، من حيث ربطه بمناخات انعتاق أعرض، في أجناس أدبية أخرى، وربما في شبكة واسعة من الفنون عامة. وهذه حال يسهل رصد أبعادها في أعمال الراوي، القليلة مع ذلك: «احتمالات الوضوح»، 1977؛ «ممالك»، 2011؛ و»سيرة المفرد»، الذي نُشر قبل أيام قليلة سبقت رحيل الشاعر. «رمت أحجارها/ هذه العرافة جاءت لتقرأ/ لكنها رمت الأحجار فأوقفت عني الرجوع/ زمني متروك بدلو في بئر عميق/ في كهف المرايا يتكرر/ تلك الصبية العرافة/ أردت منها/ أن تقرأ حكمة الماضي/ لأحدق في وجهه/ فألمس أي عظم تكسر فيه/ ليهوي/ كومة قش/ في النار/ ويترك لي/ تفاصيل في الرماد»؛ هكذا كتب الراوي ذات يوم، مستبصراً بعض زمنه الذي استقرّ ـ بعد نأي الجسد واغتراب القصيدة ـ في بئر عميق أو كومة قش!
مؤيد الراوي