لم يكن سهلاً على المبدع، أياً كان، شاعراً، روائياً، موسيقياً، فناناً تشكيلياً، أن يسكب كامل تجربته وما تعلمه من خبر وتجارب ومهارات وأساليب وفنون كتابية في كتاب، يوضح فيه كيفية العمل الكتابي للمبدع، فكيف إذا كان المبدع المعني بتجربته التفصيلية هو روائي بارع ولافت وذائع الصيت كالروائي التركي أورهان باموك الحائز على نوبل للآداب عام 2006 على كامل تجربته الفنية والإبداعية؟
لشهرته الواسعة ونشاطه الروائي الدؤوب، كان باموك يتلقى دعوات من جامعات عالمية وورش ابداعية وتجمعات مدنية. دعوات لا حصر لها، كان يلبّي المفيد والنادر والممتع منها، ليشرح تفاصيل حياته الكتابية وسيرته الأنطولوجية مع الفن الروائي، الحافل بشتى الطرق التعبيرية والأسلوبية والتركيبية، الساعية إلى تكريس البنى الجمالية لهذا الفن الصاعد في الأزمنة الحديثة، والمتوغل في نسيج المجتمعات وطبقاته البشرية المتعدّدة، ذات الشرائح المتباينة في الأمزجة والطبائع والسلوك والعادات والتقاليد والموروث الشعبي لكل فئة إنسانية.
كلّ هذه المواضعات والتفاصيل الكونية للحياة والكائن البشري، هي مدار وهدف ومركز الأداة الروائية التي يتمتع بها الكاتب والمبدع الروائي، كالخيال والفن والثقافة والعلم والمعرفة الموسوعية الشاملة، تلك التي ستحدّد عبر قلم المبدع، مصير الكائنات والشخصيات والحيوات التي يتمتّعون بها على مر التواريخ والأزمنة، ليحلّل بعدها الروائي المبدع، ذلك العالم البالغ التعقيد، وعبر سيرورتي المكان والزمان نهج ومسار أبطاله، داخل بناء معماري هائل زاخر بالتفاصيل الدقيقة لكل شخصية تعبر مجاله الجمالي.
من هنا، وتحت أفق هذه الرؤيا سعى الروائي باموك إلى كتابة عمله هذا «الروائي الحساس والساذج»، ترجمة ميادة خليل، وهو مجموعة نصوص فنية تدل وتكشف وتسلط المزيد من الأنوار على تجربة الروائي وعالمه المثير أثناء الكتابة أو قبلها وبعدها. والعنوان كما يشير الروائي التركي اورهان باموك مأخوذ من الشاعر الألماني شيلر، وكان عنوان مقال شهير في نهايات القرن الثامن عشر، كان شيلر قد كتبه عن غريمه ومواطنه غوته، على أنه كان شاعراً ساذجاً، عفوياً يأتيه الشعر طواعية، دون عناء وتخطيط، وهو على العكس منه، أي شيلر، المهتم بهندسة قصيدته وتصميمها تصميماً جمالياً محكماً وخارقاً.
في مقدمته المضيئة لمتون الكتاب وهوامشه يقول باموك: «هذا الكتاب هو كلّ متكامل، يضم معظم الأشياء التي عرفتها وتعلمتها عن الرواية».
وهو يقصد هنا الفصول المثيرة واللامعة والهامة التي احتواها الكتاب، تلك الفصول التي وضعتنا أمام أسئلة الرواية وإجاباتها العقلانية غير الملغزة، تلك الأسئلة من نوع: ماذا يجري لعقلنا عندما نقرأ الروايات؟ لمذا نقرأ الروايات؟ من هو القارئ الساذج ومن هو القارئ الحساس؟ أو بماذا يفكر الروائي أثناء عملية الكتابة؟ ماذا يعتقد حول القارئ؟ كيف يخطط لروايته؟ كيف يختار محور الرواية؟ موضوع الرواية، فكرة الرواية، وعلى أيّ أساس؟ ما العلاقة بين المتحف والرواية؟ ما العلاقة بين اللوحة والرواية؟ أيّ أجزاء من الرواية حقيقية وأيّها خيالية؟ من هو الروائي الساذج ومن هو الروائي الحساس؟
إنها أسئلة لبقة، أسئلة معرفية ودقيقة، تلك التي يطرحها محاورو باموك ممن التقاهم أثناء سفره وترحاله الكتابي، من أجل إلقاء المزيد من الضوء على تجربته وعموم التجارب الروائية للروائيين الذين قرأ لهم وتأثر بهم وأحالوه إلى الجانبين الحساس والساذج في سياق العمل الروائي.
في المحور الأول من الكتاب المقسّم إلى ستة محاور، والمحاور هي المحاضرات التي تعني الدرس الروائي، يطرح باموك فكرة كيف تعمل عقولنا عندما نقرأ الرواية؟ فيرى أنّ العقل يرى إلى العمل الروائي بأنه حياة ثانية وأنها تشبه الأحلام، وأنها تجعلنا نتأثر بقوة الطبيعة الخارقة للأشياء التي تصادفنا وتجعلنا ننسى أين نحن.
يقول باموك في المحور ذاته، إنه بدأ بقراءة الروايات منذ أربعين عاماً، وهو في سن الثامنة عشرة، ومن خلال هذه التجارب تعلم: «أن هناك طرقاً كثيرة لقراءة الرواية، نقرأ أحياناً بمنطقية، أحياناً بأعيننا، أحياناً بمخيلتنا، أحياناً بجزء صغير من عقلنا، أحياناً بالطريقة التي نريدها، أحياناً بالطريقة التي يريدها الكتاب وأحياناً نقرأ بكل خلية من كياننا ….. تمنحنا الرواية المتعة نفسها التي تمنحها لنا السيرة، الفيلم، الشعر، اللوحة أو الحكاية».
بإستطراد ممتع ولامع يسرد باموك تلك الأيام التي كان يقرأ فيها الروايات، واصفاً جو المنزل، في حي بشيكتاش، لون السجّادة ورائحة التبغ وصراخ الأطفال في الشارع وهم يلعبون وسماعه صفارات العبّارات وهي تمخرعرض البحر .
في المحور الأول يطرح باموك أهم النقاط التي تتعلق بتقنيات ومدارك وأساليب وطرق العمل الروائي، ليحددها بتسع نقاط هامة ورئيسة، وهنا بعض منها، مستخلصين الجوهر الوارد فيها:
1 ـ تتبع أحداث القصة ومحاولة اكتشاف المعنى والفكرة الرئيسية المقترحة من خلال كل الأشياء التي تصادفنا في الرواية.
2 ـ تحوّل الكلمات إلى صور في عقولنا في القصة، وصف، أصوات، حوار، خيال، ذكريات، معلومات بسيطة، أفكار، أحداث، مشاهد وأزمنة. لكي نستمد المتعة من الرواية علينا هجر الكلمات وتحويل هذه الأشياء إلى صور في عقولنا.
3 ـ قراءة رواية يعني تساؤلا مستمرا، كم من الواقع في هذا الكتاب، وكم من الخيال؟
4 ـ هل تنسجم الأشياء المروية، المنظور، والوصف في الرواية مع ما نعرفه في حياتنا؟
5 ـ تحت تأثير هذا النوع من التفاؤل، كلانا يحدد ويستمد المتعة من دقة التشابه، قوة الخيال والسرد، تراكم الجمل، الشعر الغامض والصريح وموسيقى النثر.
6ـ عقولنا تنفذ كل تلك العمليات في وقت واحد، وفي غضون ذلك نحن فخورون بأنفسنا لأننا اكتسبنا الكثير من المعرفة ، العمق والفهم، خاصة بالنسبة للروايات الأدبية الجيدة.
في المحور الثاني، يتحدّث باموك عن تجربته مع كتابة رواية «متحف البراءة» وكيف ووجه ذات مرة بسؤال عن بطلها كمال، والسؤال يتلخص»سيد باموك هل حدث كل هذا معك، هل أنت كمال حقاً؟».
هنا ينجح الخلاق باموك بالرد بأن كمالاً هو بطل من عمل الخيال، ويقنعهم أيضاً بأنه أيضاً هو، ولكنه ليس هو، غير أنه من عالم الواقع، بما يعني أن تفسيره للعمل هو جزء من عملية الخلق الواقعية التي ترقى إلى مصاف الخيال، إنه الإيهام الذي يصنع الصورة والمشهد والتفاصيل لتكون شبه واقعية، وكذلك شبه خيالية، إنها الفرادة النوعية التي بإمكانها ان تصنع من الواقع خيالاً وبالعكس ايضاً، فهل هو كمال، يا ترى، بطل «متحف البراءة»؟ أم هو باموك الذي اقتطف شيئاً من سيرته الذاتية وتجربته الحياتية خلال فترة الشباب، لتخلق هذا البطل الشبيه بباموك وما هو بباموك، فهو مثل دانييل دايفو صانع رواية «روبينسون كروزو» الشهيرة الذي صرّح مرة بأنها عمل واقعي بحت، ليُكتشف بعد مرور من الزمن، بأنها عمل خيالي وهو من انتاج المخيّلة ليس إلا، ولشدة براعتها وفتنتها وقوّتها كادت أن تكون واقعية؟ مما أوقع دايفو نفسه في حيرة من أمرها الخلاق.
وحين يتحدث عن المحور الثالث والمتمثل بالشخصية الأدبية والحبكة والزمن، فإنه يحاول أن يستكشف جانباً من الحياة لم يصور من قبل على الإطلاق، ويسعى جاهداً لأنْ يكون هو أول من وضع وجسّد في كلمات وسطور وجمل روائية، مشاعرَ، أفكاراً، وظروف الناس الذين يعيشون معه في الكون نفسه، ومرّوا بالتجارب نفسها، باذلاً قصارى جهده، من أجل الاندماج مع أبطاله سواء كانوا يشبهونه، أم لا، يتخيلهم في البداية وشيئاً فشيئاً يرى العالم من خلالهم.
وكما عبّر أرسطو عن الذرات التي لا تنقسم ولا تتجزأ في فهمه الفيزيائي، فهناك لحظات يقول باموك إنها كذلك لا تتجزأ، والخط الذي يربط اللحظات التي لا تعد ولا تحصى يسمى الزمن.
من هنا إذاً ستكون حبكة الرواية هي الخط الذي يربط وحدات السرد الصغيرة والكبيرة، غير القابلة للانقسام، وبالطبع يجب على الأبطال أن يمتلكوا روحاً شخصية، وبنية نفسية تبرّر المسار والدراما المطلوبة من خلال هذا الخط ، من خلال الحبكة.
وقُبيل أن نصل إلى الخاتمة التي يجوهر فيها باموك كل رؤيته حول مفهوم الرواية وصنعتها، يتطرق في الفصل الأخير إلى كيف نقرأ الرواية، وكيف نكتبها، موضحاً:»لن أنسى الروايات التي قرأتها في العشرينيات من عمري، كنت أبحث بشكل محموم عن محاور الروايات، كما لو أنها كانت مسألة حياة أو موت، ليس لأني كنت أبحث عن معنى للحياة فحسب، ولكن لأني كنت أخترع وأنقح رؤيتي عن العالم».
إنه كتاب سلس، وواضح وممتع، رغم كونه محاضرات في الدرس الروائي، ولكنه يبقى من الكتب الفريدة التي كتبت حول مفهوم الرواية مثل كتاب أناييس نن حول»مستقبل الرواية» وكتاب «كتابة الرواية» للإنكليزي جون برين. ولعل المأخذ الوحيد على هذا الكتاب هو كثرة الأخطاء الإملائية والنحوية والصرفية، التي كان من المفترض أن تتداركها المترجمة بعرض الكتاب على مختص بالعربية ، ينظر فيه وينقحه من الشوائب التي لازمته قبل طبعه، فمن يتقن اللغة الثانية التي ترجم منها الكتاب بتفوق بائن، عليه أن يتقن أولاً المبادئ الأساسية للغته الأم، لكي نحصل في النهاية على عمل متكامل ودقيق، لا تشوبه النوافل .
أورهان باموك:
«الروائي الساذج والحساس» / ترجمة: ميادة خليل
دار الجمل ـ بيروت 2015
270 صفحة .
هاشم شفيق