في الثقافة السعودية الآن ثمة تقدم لافت، على الصعيد الأدبي في ميادين الشعر والرواية، والنقد المنهجي ذي التطبيق البنيوي لكلا النوعين الشعر والرواية، وحتى القصة القصيرة وأن كانت بدرجة أقل.
في الشعر، نجد أن قصيدة النثر قد قطعت شوطاً كبيراً لدى بعض كتابها الشباب الذين ظهروا في العقود الثلاثة الأخيرة، مزوّدين بعدة معرفية وجمالية فيها قدْر من الجديد والمختلف والمتصادي، أحياناً، مع قصيد النثر العربية التي غزت العالم العربي وصارت من البدهيات في عالم الكتابة الشعرية الجديدة.
ثمة أسماء برزتْ وقدّمتْ بضاعتها الجمالية في سوق الخيال، وهي قادرة على المنافسة، ولفت النظر وجذب الجاذبية لترى ما لديها من صنيع.
من هذه الأسماء يمكن الإشارة الدميني، وديوانه الجديد «أيام لم يدّخرها أحد» وهو ديوان يغترف من ينابيع الطفولة، ومن معينها الكبير الذي كلما تقدم المرء في السن يكبر لديه هذا المعين ليصبح هو الزوادة وخزنة الذكريات والملجأ، في عالم يترمد وينهار ليسوده خطاب العنف والقسوة والتردي، ذلك الخطاب المبشر بالطابع الظلامي الذي يشيع الآن في المعمورة العربية، مهدداً بدوره منارة الحداثة التي شيّدها العرب بصعوبة بالغة منذ أربعينيات القرن المنصرم.
ولكيلا نستطرد، نعود إلى الدميني وإلى رحلتة الرقيقة في عالم الكلمات التي تنحو صوب الاقتضاب وشد المعاني واختزالها بأقدر عدد ممكن من الموحيات في باب الدلالة، لهذا شهدنا القصيدة لديه لا تدخل حيز المبهم والغامض والمُلغز إلا فيما ندر، حين يتطلب العمل أو النص الإبداعي ذلك العامل المساعد من فنون التورية لتقوية بنائه وشد أزره وتضييع المساق لدى الرقيب الذي يتفحّص الشوارد من الكلمات ويقنص معانيها وما اعتلاها من رؤى محمولة على غير معنى وهدى ونيّة.
يقول الدميني في قصيدة «دم بارد»: ليست هذه كلماتنا، طال سهرها، ونامت مرتعدة فوق القضبان، وها هم يجرونها منذ الصباح من طريق الحراس».
وفي منزع آخر يستدرك الوجع، وجع الكلمات المصنوعة من الخيالات وفداحة الرؤيا ومن مطارح الحقول والذكرى: «لم أصنع كلمات كثيرة، تليق بعبوسي الصباحي في المرآة، بعضها جمعته بمقلاع أبي، وبعضها هبط من خيالات فائضة، على سطح منزلي وتسرّب مختلطاً بأصوات الهداهد الفاصلة بين الحقول».
من هنا تبدو الطفولة هي الركن الأساسي الذي تقوم عليه هذه الأيام المدّخرة، من ماض بعيد، من الريف الرائق بمزاياه وبساطته وحس القرية الذي كان قد تشرّبه الطفل بين الحقول والبساتين ومرابع البراءة الاولى، تلك التي يدين فيها الشعر والشعراء في كل العالم إلى ذلك الزمن المقتطع من الكائن البشري، الزمن الأول الذي لن يمحى، بل يظل ملازما للكائن، وكلما تقدم في العمر يكبر المعنى وتتجدد الذكريات وتُصقل الدلالة عبر تواترها الزمني الغابر، وكأنها حصلت قبل قليل من حياة أي كائن معني بمتوالية الزمن الذي يدور ولا يخلف غير الذكرى وهي قابعة في خزنة الماضي.
لكن على ما يبدو «حتى الذكرى، لا يمكن بذرها، إننا نحمي ما تبقى منها لكي تصبح قلباً» هذا ما يؤكده الدميني في نهاية هذه القصيدة.
غالباً ما تصحب القصيدة التي تتحدث عن عالم الطفولة وسنواتها، العلاقات المكانية وظلالها وما تحمله هذه الأماكن من دوال وترميزات وموحيات، مثل البيت والحقل والجيران وابنة الجيران والأصدقاء المشاغبين، وتحضر العائلة بكل ثقلها مثل الأم كرمز مثالي ودائم لعالم الطفولة، وأحياناً يطل الأب بهيبته الأهلية، حادباً، ناصحاً، موبخاً ومُدْلياً بتعاليمه الصارمة وأحكامه الناهية على محيط المنزل ومن يأهلونه، فارضاً تلك السطوة الأبوية القاطعة على المنزل، والتي تتجاوز أحياناً حدودها باتجاه الجيران وأماكن العمل. مرات يتمظهر الأب في أدوار أخرى، شيخاً، عاجزاً، يطلب المعونة والمساعدة، أو يظهر إنساناً طيباً محباً للعائلة، عكس الأم التي تتزيا بمظهر واحد لا يتغير إلا فيما ندر، زي الأم الرؤوم، الحانية والمربّية، القائمة على الشؤون الصغيرة والكبيرة في البيت العربي.
عالم الدميني بهذا الخصوص، هو عالم الرأفة والترقق والحنان، فالجد يلف سيجارته ويتأمّل الواقع: «ها أنت بين زوارك المبكرين، تقلب كلامهم القديم، كما تقلب طيات الصكوك الضجرة، التي ستفسد حين تهجرها الأيدي، أو تغدر بها العيون، انفخ عليها ومسدها، أنت صخرتنا المفلوعة، سيهبط المطر بعد قليل، وسيتدفق الشيح من يأسك الطويل».
بينما الأم نراها دائماً تخبئ شيئاً لأطفالها: «هناك على أبواب الصحراء ستحرسن بروقاً صغيرة، خبأتها امي على عجل في حقيبتي المدرسية».
وإذا ما تجاوز الشاعر، أو الطفل والفتى، العائلة فسنراه يراقب الجار الذي هو جزء من منظومة العائلة العربية وحراكها المجتمعي بين تلك الكائنات المشاركة والحيوات التي يتميز بها المكان العربي.
«في صباح ما كان الجار يشيخ، عرفنا ذلك من كثرة العكاكيز أمام الباب والسعال الصباحي».
إضافة إلى تلك الشخصيات المحورية، يظهر البحر، بكل جلاله وتاريخه، فهو أيضاً له حصته في الديوان. البحر يحضر كرافع رمزي، يلجأ اليه الشاعر ليبني من خلاله عالمه الكنائي، عالم السحر والدهشة، عالم التقويل والتأويل والمداورة والمداهنة أو المخاتلة الدلائلية، فهو منّاح كبير، حين نأوي اليه في ساعات التأمل والسنوح والشرود، هاربين من ضغوط الحياة عالية الكلفة على شؤون القلب، فإنه في تلك الحالات يغيث ويطبب ويداري دون مقابل. غير ان الدميني هنا نجده يلجأ إلى الإبدال، إنه يدين ويشير إلى مجموعة بشرية، تأتي إلى البحر لتقيم عليه ولائم المادة، فالميتافيزيق برؤيته الماورائية يختفي، ويختفي معه كذلك البعد الرومانتيكي، ليحل محله الغامضون الذين يأتون إلى البحر ليقدوموا مناسكهم «منذ الأصيل وهم ينصبون السلالم ويدقون الأوتاد… لكن البحر أعتم ونشر طيوره وطحالبه، لم يكن الاحتفال عيداً، كان شروداً يشبه أن ترى وجهك في ساعة غسق، كان هذراً وطنيناً يُسكب من افواه المنشدين والخطباء».
لا أدري لماذا هذه القصيدة تذكرني بما كتبه سان جون بيرس عن البحر، لقد سال حبر كثير بعد ترجمة قصائد بيرس البحرية، تلك القصائد التي تمجد البحر وتُقرِّظ كل حصاة وحبة رمل وشراع وشعاع شمس وطحالب وطيور، هناك فوق ضفافه الزرقاء، حيث الصيادون وهم يرمون بشباكهم قائمين بطقوسهم اليومية، لذا كثيرون هم الذين كتبوا ما يشبه القصيدة البيرسية، وهي تداعب وتحاكي تلك الأجواء البحرية التي قدم فيه سان جون بيرس الفرنسي أماديحه العالية للبحر.
لعلّ السمة التي تبرز بوضوح جلي في الديوان هي الأخرى، قضية الغائبين، فهم أيضاً سيتقاسمون كل الرؤى الشعرية التي ينتجها الديوان كموتيفات تلوّن هذا العالم الذي يميل ليكون رومانسياً يشي بالنعومة: «الغروب الشفيف نديمي الأنيق الذي يشبه هبوب امرأة تهمد بين خيوط الحرير». في هذا العالم المليء بالعواطف والحنوّ والملامح الرومانسية، يبرز الغائب هنا، وهو ذلك الكائن المفقود والمغيّب والمحتجب عن المشهد المكاني، ولكنه في الزمان يعود للظهور عبر الذكرى التي تُبرز تفاصيل الغائب، السجين والمطرود أو الكائن المعذب والإنسان الحالم، أو الكائن الضد، الخارج عن تعاليم الجماعة، وقد يكون الغائب هو الراحل عن الدنيا إلى عالم الآخرة. شعراء الحداثة تناولوا قضية الغائب في الطور الأول من الشعر الحديث، تناولوه كرمز، فهو المخلص الذي سيعود وينقذ البشرية الغارقة في الظلام وفي آثامها، أو التي ترسف تحت قيود العبودية من قائد جائر، ونظام يبيد العقل المخالف لنهجه الدموي، وتاريخ الأنظمة السياسية العربية حافل بالجور والظلم والطغيان، فالشاعر العراقي بدر شاكر السياب، قد تحدّث عن المخلص وكذلك الشعراء يوسف الخال والبياتي وجبرا ابراهيم جبرا وأنسي الحاج وغيرهم من شعراء الحداثة البارزين، واستمرت هذه المراميز تستخدم حتى مرحلتي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، بأشكال وصيغ وأنساق وطرائق رؤيوية مختلفة، كل حسب رؤيته لمفهومة الغائب، فهناك الغائب عبر الدلالة الإثني عشرية، والغائب عبر التورية الصوفية المولوية، والغائب حسب الطريقة الحلاجية، أو اليسوعية التي تبشر بنهوض المخلص، وقيامته، أو الظهور وفق الطريقة الجيفارية والإخبار عنه بصيغ راديكالية، تشي بإعادة التاريخ وتكرار التجربة الثورية عبر ظهور الكائن المكافح والمدافع والمناضل بطريقته الشخصية. صيغ كثيرة رفدتْ الغائب في الشعر العربي، وشعراء كثيرون تحدثوا عنه، ولكن كل من خلال تجربته الشخصية ورؤاه الخاصة وزاوية النظر الفنية التي يحملها، والتي ربما قد لا يُحمّلها كل تلك الرموز التي ورد ذكرها أعلاه، فهي لدى الدميني بسيطة، تميل إلى الحكاية وقول المعاناة الشخصية بطريقة واضحة لا لبس فيها كقوله:»ماذا نصنع بحياتك التي تركتها لنا، لأنك ضجرت من حملها، وقررت أن تستند إلى التراب الصلد؟ وبماذا نملأها وبأيّ ماء نملأ تلك القرب المصبّرة، على السفوح، وعلى أية عتبة سنستذكر الامطار التي هطلت طويلاً ولم توقظ زهرة واحدة، وبأيّ فؤاد سنتجرّع موسيقاك الفقيرة، مالئين ثقوب الليالي الجائرة؟».
تحت هذا القوس من المعاني الوفيرة، يتحرك الشاعر الدميني، في خطوة واثقة أخرى، تحرّره من ديوانه السابق «أنقاض الغبطة « ماضياً لنحت أفقه الخاص، وإن خالطته بعض التأثّرات والترحيلات من شعرية صلاح فايق وسركون بولص، في مواضع وقصائد مرت علينا، فلمسنا تلك الأنفاس الصريحة لكلا الشاعرين كإشارته هذه «وراء كل ستارة يختبئ قرصان ….. سوى صمت المكان والتقاط كلمات نسيها الغزاة في حديقة، هناك ذئاب نائمة في الجوار»، هنا يد صلاح فائق تبدو واضحة في هذا النص، أو كما يلوح ظل سركون بولص على هذا المقطع وغيره في أماكن اخرى «قليلة أيامي وبعضها مليء بالشبهات، كثيراً ما أحدق فيها، فأراها شواهد قبور، ينتحب تحتها موتى، لم يتدربوا كثيراً على السهر الطويل».
لكن هذا لا يقلل من شخصية الديوان وخصوصيته التي تمتح من أفق حداثي متطوِّر، ساهم في صياغة هذه النصوص النحيلة والملمومة على نفسها.
محمد الدميني: «أيام لم يدخرها أحد».
دار أثر، الدمام 2014
.96 ص
هاشم شفيق