اختلافات جينية بين المصريين الحاليين والقدماء

 

فجّر فريق من العلماء من معهد «ماكس بلانك» لعلم التاريخ البشري في مدينة “يينا” الألمانية بالأشتراك مع جامعة «توبنغن» الألمانية مفاجأة من العيار الثقيل عندما أعلنا أن هناك اختلافات جينية كبيرة بين المصريين الحاليين والمصريين القدماء. وأضاف أن المصريين القدماء كانوا مزيجا من سكان الشرق الأوسط (العراق، سوريا، ألأردن، لبنان، فلسطين) وسكان أوروبا وتركيا، وأما المصريون الحاليون فإن الحالة مختلـــفة نظـــرا لكــــون 20٪ من جيناتهم، وبالتالي أصولهم، من سكان افريقيا. وهذا يعني أن سكان مصر القديمة، وبالتالي الفراعنة الذين حكموا مصر، كانوا مهاجرين من الشرق الأوسط وأوروبا انتقلوا إلى مصر وتزاوجوا هناك، وبالتالي أنتجوا الحضارة المصرية القديمة. وإذا قارنا هذه الدراسة الهامة بمعلومات تاريخية قدمتها مصادر أخرى فإنها تدعم نظرية كون أصول الحضارة المصرية ظهرت في الأصل بسبب انتقال سكان من الشرق الأوسط إلى مصر جالبين معهم تقنيات الزراعة ثم الحضارة.

بحث الجينات

بدأت القصة عندما تم العثور على موقع أثري يدعى «أبوصير الملق» ويقع في الضفة الغربية من نهر النيل على بعد حوالي مئة وخمسة عشر كيلومترا جنوب القاهرة بالقرب من الفيوم. وكان ذلك الموقع قد سُكِنَ من قبل البشر من عام 3250 قبل الميلاد حتى عام 700 ميلادية. وقد وجدت الكثير من المومياءات في ذلك الموقع، فقام العلماء الألمان في بداية القرن العشرين بأخذ بعضها إلى المانيا، وتم الحفاظ عليها في جامعة «توبنغن» وأحد المتاحف في العاصمة الألمانية برلين، مما اتاح للعلماء في المانيا الفرصة اللازمة لدراسة تلك المومياءات.
كانت مصر مركزا زراعيا واقتصاديا هاما منذ فترة طويلة. ولذلك فقد كانت هدفا للهجرة والمستعمرين. وكان قد تم احتلالها من قبل جهات عدة مثل النوبيين وألآشوريين واليونانيين والرومان والهكسوس. وقد أثار هذا تساؤلات كثيرة حول التركيبة السكانية في مصر، أي هل أثرت كل هذه القوى التي أحتلت مصر على المصريين القدماء وهل اندمج هؤلاء القادمون من الخارج على التركيبية الجينية للشعب المصري قديما؟
وكان الحل الذي يقترحه العلماء دائما هو تحليل الحمض النووي (DNA) الموجود في جينات خلايا المومياءات والتي عثر عليها في مصر. ولكن التجربة أثبتت صعوبة هذا الأسلوب، حيث أن أرتفاع الحرارة والرطوبة في الأماكن التي كانت موجودة فيها تسبب أضرارا بالغة بالحمض النووي مما يجعل نتائج التحاليل غير موثوق بها. وهناك عامل آخر يعيق محاولات فحص الحمض النووي، ألا وهو المواد الكيميائية المستعملة في عملية التحنيط نفسها. ولكن فريقا من العلماء من المانيا وبولندا وانكلترا واستراليا في معهد «ماكس بلانك» وجامعة “توبنغن” في المانيا نجحوا في حل هذه المعضلة عن طريق استعمال تقنيات جديدة لفحص الحمض النووي. ولهذا السبب قاموا بدراسة مئة وواحد وخمسين مومياء من موقع «أبوصير الملق» يعود تاريخها إلى الفترة من عام 1380 قبل الميلاد وحتى 425 ميلادية. وهذه التواريخ مهمة جدا لأن مصر عام 1380 قبل الميلاد كانت تحت حكم الفراعنة المحليين وأما عام 425 م فقد كانت تحت حكم الرومان، وبين هذين التاريخين تعرضت مصر للاحتلال مرات كما ذُكِرَ أعلاه. ونجح العلماء في دراسة الحمض النووي الموجود في الميتوكوندريا في خلايا واحد وتسعين مومياء، ويمتاز هذا الحمض النووي بالذات بكونه المتوارث من الأم فقط. ولكنهم نجحوا في دراسة الحمض النووي المتوارث من كلا الأبوين بالنسبة لثلاث مومياءات أخرى.
كانت المفاجأة الأولى أن الدراسة أثبتت أن جميع المومياءات لم تكن لها علاقة بسكان افريقيا. وأما المفاجأة الثانية فقد كانت كون جميع المومياءات من أصول أتت من الشرق الأوسط وتركيا وشرق أوروبا. وكانت هناك مفاجأة ثالثة وهي أن أصول المومياءات لم تتغير من عام 1380 قبل الميلاد وحتى عام 425 ميلادية. ويدل هذا على أن القوى التي أحتلت مصر على مدى حوالي الف عام لم تؤثر على التركيبة الجينية في مصر القديمة. ويتناقض هذا مع النتائج التي توصلت عليها الدراسات على الأحماض النووية للمصريين الحاليين، فحسب هذه الدراسات أن عشرين في المئة من الحمض النووي لمتوسط المواطن المصري الحالي من أصول افريقية. وكان هذا كل ما أعلن عنه معهد «ماكس بلانك» الذي يعد أحد أشهر مراكز الأبحاث في العالم وكذلك جامعة “توبنغن” الألمانية.
ويعتقد مختصون أن التأثير الافريقي كان قد دخل دخل مصر في فترة حديثة نسبيا وقد يكون السبب أن الانتقال إلى مصر عن طريق نهر النيل قد أصبح سهلا. وبالإضافة إلى ذلك حدوث زيادة كبيرة في تجارة العبيد وذلك في الفترة التي بدأت قبل ألف وثلاثمئة عام. وبذلك دخل الأفارقة مصر بأعداد كبيرة وبدأت التركيبية الجينية للشعب المصري بالتغير تدريجيا منذ ألف وثلاثمئة عام حتى وصلنا إلى التركيبة الحالية.

دراسات تاريخية أخرى

وهناك دراسات تاريخية من مصادر أخرى تؤيد فكرة حدوث هجرة واسعة من الشرق الأوسط إلى وادي النيل، وأن تلك الهجرة جلبت معها بدايات الحضارة. وعلينا في هذه الحالة أن نتطرق إلى موضوع الزراعة، والتي تسبق الحضارة دائما ومكونة عنصرا هاما فيها بعد ذلك، فقد ظهرت الزراعة للمرة الأولى في الشرق الأوسط حوالي عام 9500 ق م. وقد تطورت تدريجيا على الرغم من مصاعب عدة، فالحيوانات تختلف في قابليتها على التدجن وانواع النباتات لا تتساوى في قيمتها الغذائية وطعمها، وكذلك لا تتساوى كل سلالات النوع الواحد من النباتات في القابلية على الزراعة بشكل تجاري.
وكانت هناك مشاكل أخرى وهي نوعية التربة والري، فبعض المناطق اعتمدت على الأمطار وأخرى على الأنهر وهذه الأخيرة تعتمد أكثر على مهارة المزارعين في إنشاء أنظمة ري معقدة.
وقد أثر تطور الزراعة على التوزع السكاني، فالمناطق التي تنجح فيها الزراعة تصبح وجهة المهاجرين ويزدهر اقتصادها. وقد تكون بعض المناطق مهجورة من السكان لعدم إمكانية الزراعة فيها ولكن التطور يجعل الزراعة ممكنة في هذه المناطق في مرحلة لاحقة فتظهر فيها القرى. وما أن حل عام 5000 ق.م. تقريبا حتى كانت الزراعة قد بلغت مستوى رفيعا في الشرق الأوسط وبشكل خاص وادي الرافدين قبل انتقالها إلى وادي النيل.
ولكن الوضع كان مختلفا في مصر القديمة التي واجهت مشكلة انعدام وجود أنواع معينة من النباتات التي من الممكن زراعتها والحيوانات التي من الممكن تدجينها. ولذلك لم تبدأ الزراعة هناك حتى قام بعض المزارعين بالانتقال من الشرق ألأوسط إلى وادي النيل، حيث أن مصدر المياه في المنطقتين متشابه وهو النهر، جالبين معهم النباتات والحيوانات التي استعملوها أصلا في موطنهم بنجاح في الزراعة، ليبدأوا نشاطا مماثلا في مصر. ويضاف إلى هذا امتلاكهم الخبرة الممتازة والمعرفة الإدارية المتطورة للزراعة بمقاييس ذلك الوقت، ولتزدهر الزراعة بسرعة حيث استفادوا من حدوث فيضان النيل في الوقت المناسب للمحاصيل الزراعية.

٭ كاتب عراقي

اختلافات جينية بين المصريين الحاليين والقدماء

زيد خلدون جميل

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية