اقتراحات في الجسد والمكان والمرأة

حجم الخط
0

 

يستبد بالشاعر السعودي غسان الخنيزي ما كان يستبد بشعراء الحداثة في قرن ونصف من عمر الحداثة الشعرية في العالم منذ أواسط القرن التاسع عشر، من إسار إيقاع اللغة والموسيقى التي طبعت الشعر الممسرح منذ أيام الإغريق، ولدى العرب والفرس بارتباطه بإيقاعات الموسيقى عندهم أكثر من غيرهم؛ هم وجدوا طريقتهم في التعبير وكسر القواعد المستبدة، وهو اختار «اختبار الحاسة أو مجمل السرد»(٭)، متجاوزاً ببساطة سرده تقليدية السرد القصصي، محاولاً الوصول إلى إيقاعه الحسي الخاص دون إغفال اليومي العادي الذي طبع قصيدة النثر في أجمل تجلياتها عند من يتقنها من شعراء قلائل.
ليس في عنوان مجموعة الخنيزي مجرد إحالة على تفضيله المزج بين الشعرية والسرد، لكونه غير متعجل، فهذه ليست سوى مجموعته الثانية، بعد الأولى الصادرة عن دار الجديد البيروتية، عام 1995، بعنوان «أوهام صغيرة أو التي تراود الموهوم في الحمَّى». وليس في طول عنواني المجموعتين ما ينبه إلى اختياره التكثيف في القول، بمعناه الأدبي المستقر لدى القارئ والناقد التقليدي؛ فالخنيزي يأخذ كامل وقته لتحسس جسد الكلمات كما هي في الحياة، ولا يستبد برأيه ما دام ترك لحرف العطف (أو) أن يعطينا الخيار في عنواني المجموعتين.
نصوص الشاعر تتأمل في الواقع اليومي المحسوس بعمومية أحياناً، فييقترح علينا أن نحب المدن التي أحبها: «في داخلك، دائماً، خنوع أمام المدن العظيمة التي تسطو عليك كما يسطو الليل ويتمكن منها./ هنالك في المدن الكبيرة عزلة أكبر../ إلا في القاهرة/ هنالك فقط الألفة».
وبخصوصية، أحياناً، تلامس الأشياء المهملة، والأشياء الصغيرة التي نتعامل مع شيئيتها ببداهة، فيحاور ملامحه في المرأة، ويعد منها التضاريس التي تتغير دون أن تتغير المرآة؛ جانحاً في أحيان إلى دواخل نفسه ككائن بشري غير خصوصي يتشارك بأحاسيسه مع بشر معلومين وغير معلومين، فيقترح أن نختار من حجم الندم ما يناسبنا، ومن الحب ما هو في المتناول، إلخ، هو في كل ذلك يصطنع أسطورته اللغوية الخاصة، بإفاضة من كلمات لا تقترح معنى بديلاً مما يقوله بوضوح.
ففي كل ما تقدمه نصوص المجموعة، يسعى الخنيزي إلى عدم تجنيس ما يكتب، وإن كانت الشعرية تفيض أحياناً منعاً لأي التباس، هي نصوص يمكن أن تأسرك فيها ومضات شعرية (من خارج لغة الشعر)، وبداءات سرد قصصي (من خارج قواعد السرد)، وهي مزيج من البوح المنضبط الموارب معاً، الذي يتقي أن يصنف نفسه، ودون تعالم يسوق تجاربه البسيطة، أو النافلة، التي أفاضتها عليه قوة الحياة: «السقطة التي فاضت،/ وأوصلت.. «، أو «ستتأكد أنني بعناد القبَّرة سأًفصح عن لغة تُوائِمُ وهماً أكثر إيغالاً في الفطرة،/ وفي التوحش..». وفي السرد: «هو الحب الذي في المتناول بلا طلب أو نضال/ الذي تمتد اليد إليه واثقة أن في الطرف الآخر هنالك يد ممدودة ربما حزينة/ ربما تعبة/ لكنها دائماً حاضرة، كصديق/ تطبطب على كتفي/ تهدهد على ما يجيش ويعلو من اضطراباتي..».
أما الالتماعات الشعرية فتتلبس بوعي وجداني لمكانة المرأة في حياة الشاعر السعودي، ممزوجة بيوميات حميمة ظاهرها خارج الشعرية:
وهي كذلك بالنسبة للآخرين، لكنها في صميم وجدان الشاعر هي الشاعرية كلها:
تراني لحظةً متفرجاً حيادياً،
ولحظة أخرى متقبلاً للنعم والِّلعَنِ التي تهبني إياها المعيشة.
وتراني لحظة ثالثة إلهاً من آلهة الإغريق،
بمطري وزوابعي،
بحبي وقلقي،
برغباتي الفوارة،
وبتقواي المتصوفة.
هذا التأمل ربما يفسر صبر الخنيزي على نصوصه قبل نشرها؛ حيث تُختبر التجربة وتختمر، لكن دون ملامح واضحة للتنقيح الذي يطبع الحوليات في معناها المتعارف عليه، ودون أن يعني هذا بشكل مؤكد أن كل ما يكتبه الخنيزي يدفع به للنشر عاجلاً أو آجلاً.
ففي قوله: «سنبحث دونما تبصر، عن السراب في أيامنا/ وعن الأرواح في الليالي/ تظل أشياؤنا قريبة من التمني/ قريبة من الذكرى/ بعيدة عن نور أعيننا/ وعن القبضات التي نملك»، نلامس روح البحث، ونتحسس معه تجريدية الأفكار، وعدم يقين الإنسان مما يعيشه، على العكس مما قد يتصوره معظم الناس الذين يؤمنون بالأفكار والأشياء الأكثر تعقيداً ببساطة.
مع ذلك، لا ينسى ما للغموض من مكانة في الشعر، بحيث تغدو الصورة المعقدة مفتاحاً للتشارك مع القارئ في جهد فك لغز تركيب الكلمات. ومن باب الجسد يعبر مرة أخرى إلى تشكيل لا يشك في ما تغفله العين حين تنظر للمرآة: «الطوفان في الملامح/ في اللون وهو يتماوج على الأطراف/ على الأنامل. تجعدات الجلد الرقيقة/ والخطوط الملتوية للجلد وهو يغطي سقف الأنف إلى كهف عيني، إلى عظام الوجنتين…».
هنالك مكان آخر في ما يقوله الخنيزي من باب الاقتراحات التي انتظر عشرين عاماً لينشرها بفصاحة تخصه وحده، ومن باب التلصص هذه المرة، وإلا لكان قال أكثر مما يجب: «عندما أرى الأزرق في حياتي/ تراني أتلصص النظر إليه مخافة أن يلحظ تلصصي وإحساسي بالتقصير/ الذي يصل حدَّ الجُرم في حقه../ في حق روحي..».
وفي هذا المقطع اقتراح من تأملاته في الأشياء يشير إلى مكامن عديدة يخبئها في روحه عن روحه، وفي المرأة، وفي المدى المفتوح على كل أزرق في السماء وفي البحر. من هذا الباب، تظل تجربة الخنيزي واقتراحاته خفيفة الظل، لا تجد فيها تلك العبقرية المتعالية، ولا تلك «المسكنة» التي تستجدي التسامح مع سقطاته ككائن خطاء، في تصاريف الحياة، وفي اللغة، وفي الفن، كأب، وابن، وشقيق، وزوج، إلى آخره مما اقترحته عليه الحياة دون علمه. لكنه يقول قوله صريحاً، ويبتعد عما قد يفضي إلى ندم فائض:
«ندمي ليس كثيراً/ ولا قليلاً/ ندمي يناسبني.. ندم أليفٌ/ يجاورني/ ويشاركني عبء المعيشة/ ولحظات اندغامي في درامتها البهية والبائسة سواء بسواء..».
تلك وصفة الخنيزي كما اقترحها، ببساطة اللغة، وبالأفكار القريبة من تضاريس الحياة، بجمالها، وبشاعتها، بقسوتها وغدرها الذي يتلطى خلفه البشر. ليست ماء مقطراً، أو مهوَّى، أو خمراً، لكنها تروي الظمأ في كل الأحوال.

(٭) مسعى للنشر والتوزيع، البحرين، 2014، 140

علي العائد

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية