باسم المرعبي: «الأعمال الشعرية»
بحضور هادئ ما لبث أن أصبح صاخباً، في مجموعته الشعرية الأولى «العاطل عن الوردة» عام 1988، أعلن الشاعر العراقي باسم المرعبي داخل خلايا قصائده وعلى سطوح انعكاس مراياها عن مفتاح أسلوبه الشعري، من خلال حواره مع روح الإخصاب في لغته. وكما يحدث في طقوس السحر، لخص هذا المفتاح بمعانيه دون أن ينطق لفظه، مفصحاً بسطوعٍ عن كلمة التفرد:
«يقول لي العشب، تلزمك شمس بيكاسو، وحصان فائق حسن ولوثة فان غوغ..
أقول للعشب لا يلزمني سواي،
لأسير قاربي في اليابسة ولألظمَ الشمس طَرْزاً في شراعي،
فالبرية أمامي صهيل ذهبي لخالق يدشن أيامه».
وكما لو أن قارب الشاعر الفرنسي آرتور رامبو يسير حراً من قبضات ساحبي المراكب، وثملاً بسحر العاصفة، لينظِمَ فصلاً بركانياً في جحيم الركود، سار قارب المرعبي في اليابسة، «بحيوان حلمه، أمام قلعة المروضين»، متفرداً أبداً في تصوير عوالمه، ليحصد جائزة يوسف الخال جدارةً عن الإدهاش في فرطه الموجودات الملظومة بواقعية الحياة البشرية، وإعادة لظْمِها، عقوداً وأساور مدهشة من الكلمات التي تشع صوراً طازجة؛ بعبثية طفلٍ، ولكن أيضاً بسوريالية شعرٍ يفتح العيون بضربة سيف، على عوالم تسيل ثملةً بندى الفجر:
«خفيفاً أمضي، طائراً، مثل فكرةٍ مغتسلةٍ بالعطر
ممتناً لبياض الصخور على الساحل
أقود الشجرة للمرعى والساقية للشجرة
مربتاً على البط يكتب الريش على التراب
نابذاً باعة الكتب المستعملة وراء ظهري
فالغابة سطرٌ مورقٌ في الدفتر الطلق».
ونحن مع المرعبي في رمينا للبيض الفاسد على صلعات باعة الكتب المستعملة، ونحن معه على متن قاربه الذي يمخر عباب اليابسة بشراع مطرز بالشمس، وعينِ قرصانٍ خبير بشطح الموج، سوف يبدو واضحاً أمامنا أن الشاعر الذي شق عصا الطاعة على تفاعيل الخليل، وفارق جماعةَ من شقوها قبله في التفعيل أيضاً، هو شاعر يمتلك أدواته الخاصة التي تأنى في بلورتها من براكين دواخله، عبر عشر سنوات من ممارسة الشعر قبل طباعة مجموعته الأولى التي تفتتح مسيرة عشر مجموعات سرن وراءها بإخلاص الانتماء إلى الجينات نفسها، ولكن أيضاً بمفارقة امتلاك الروح الخاصة لكل واحدة منهن؛ ويمكن بسهولة ملاحظة وتلمس وعيش بعضٍ من نسيج هذه الأدوات:
ــ أقفاص العناوين غير المألوفة والمنزوعة الأبواب مثل (عروق الموسيقى، قنوط الآمل، الوردة تسيل ولا أصابع تلم العطر، كل الطرق لا تؤدي إلى ما جيرا، والمفرد في جمعه المشوه النابح).
ــ اللغة المفتوحة دوماً على تساؤلٍ يولد الحوار مع النفس ومع الآخر، كما يولد الأفكار: «بأي موسى أجرح الشمع؟ أرجرج المتحف؟/ أسيل الحمام على جلد الزجاج/ بأي صوت أصل صمتك المرجاني بالبراري/ بأي كتابة أقطع بياض قطيعتنا؟».
ــ اللغة المتدفقة بذاكرة مشرقة لا تنسى في جريانها قطف ما يغنيها من الثقافة الإنسانية، ومن كلمات شعراء وفنانين ومفكرين بأسمائهم، كالمتنبي، المنقب العبدي، غوغان، مع معاني التراث العربي والعالمي، إضافة إلى متحف الطبيعة التي تؤمن لهذه اللغة أرضها، غاباتها، بحارها، جبالها، طقسها وكائناتها، التي تدخل أتون فرط الموجودات لكي تعاد جزراً جديدة تبزغ لأول مرة من قلب الشعر؛ بأصابع تنكمش: «وهي تفكر في إبريز زغبك» وبحواس: « تختلج بينا تقلب فاكهتك»/ يا انثيال قوس قزح ندي بين أصابعي/ يا حمحمة مهرة ولهاث غزالة/ إني أرهف القلب لملمس نبضك يا نعومة البريق/ يا نبع مرايا تلين لتطلع دمي».
ــ اللغة العربية الفصحى الصافية الرفيعة في دقة معانيها، دون تلقيح باللغة المحكية، لكن بابتكار أيضاً في التلقيح، مثل استبدال المفاتيح التي أصبحت للقفل فقط بكلمة «مقافيل»، مع الرشاقة وغلبة فصحى الحداثة.
ــ اللغة التي تجد حريتها في قصائد النثر التي تمتلك خاصية التدفق الطليق الجاري بخبرة إيقاعات قصيدة التفعيلة، لتخلق سواقيها الخاصة؛ مثلما تجد حريتها في قصيدة التفعيلة، التي لا يتخلى عنها الشاعر رغم تميز خصوصيته أكثر في قصيدة النثر.
ـــ اللغة التي كون الشاعر بها مفردات خاصة به يستخدمها للتعبير عن رؤاه، في مجمل شعره مثل تعبير «حيوان حلمي» الذي «أمسد شعره القصير، أقبل ما بين عينيه/أختلي به برقاً، عن أعين المروَضين، أُوَشْوشه/ما لا أذكر/فينطلق رشيقاً كـ هو». والذي يبلوره الشاعر في قصيدة تالية: «بأي عين أصف حيواني/ وأي عينين سأرويهما عنه:/ السهوب أطرافه، رأسه الغابات/ أصابعه الأحراج والأديرة المنسية في المرتفعات/ الينابيع والحصباء خطوه/ الركض كتابه».
ــ واللغة/ الحب التي لا تميز كوردةٍ رائحةَ لونها عن لون شذاها، تحت أثير عنوانها: «العاطل عن الوردة في مهب أسمائه»، والتي تتخلل قصائد المجموعة الأولى لتنهض مستقلة بذاتها كما فينوس بوتشيلي، خارجةً من الصدفة، عاريةً إلا من نشيد سفر إنشادها السومري.
في تطور أسلوبه الشعري، بمجموعاته العشر اللاحقة: (العاطل عن الوردة 1988، كلمات ثمّ كلمات 1997، صورة الأرض 1997، الأرض المُرّة 1998، سماء بطائر وحيد 1999، أكثر من أثر 2003، الدمُ قراطية 2004، ظلال وأقنعة 2007، لا مكان لنا 2009، في مدار الطوفان 2012)؛ يخلص المرعبي، وهو محق في ذلك، لأسلوبه الخاص الذي امتلكه منذ البداية. ولكنْ، بانحسار تدريجي شفاف لما طبع خصائص أغلب شعراء قصيدة النثر في الستينات والسبعينات والثمانينات، في دورانهم ببؤرة التركيز على الفرد كذات مستقلة عن المروِضين والآلهة، مع استمتاع وإمتاع في اللعب داخل أحضان الحرية المشرعة، التي تولد روح المشاركة في مآسي العذاب مع بشر الأوطان المعذبة.
وفي دوامة ما حدث من تغيرات مربكة على العالم بعد الحرب الأمريكية على العراق عام 1990، يتنوع أسلوب المرعبي في تشكيل قصائده، بين قصيدة نثر قصيرة الأبيات ومدماة بجراحات الخوف والمجهول، (في المجموعة الثانية والثالثة اللتين كتبت معظم قصائدهما في برزخ الهجرة، بين الديوانية وبيروت ودمشق، قبل الاستقرار في السويد)، وبين قصيدة نثر ملظومة كنصوص كاملة في مجموعة «الأرض المرة»، المميزة بتنوع فريد في إبداع وتداخل زمن الخطاب من سرد الطفولة والماضي عن الذات والآخر، إلى خطاب الحاضر، والحب الذي يتقطر تساؤلاتٍ وشموساً وأزهاراً، في لغة الشاعر المتدفقة الشغوفة إلى صب شلالات من الصور والتراكيب الأخاذة على عطش الوردة الأولى التي سالت عطراً، يولد العطش كلما بلغت ذروة ارتوائها.
في تداخل مسيرته الشعرية الثرية، يمر الأهل المعذبون النازفون بعد الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003 بمجموعة «الدم قراطية»: «من ظلال عيون الأمهات الحرى/ من لغة عيون الأطفال المنكسرة/ يهب حزني شجراً». وتمر بغداد حيث يعلو الغناء:
«ربما بغداد، بيت الشمس
شباك الهلال
وردةٌ، ريشٌ، غمام طافحٌ/يفتح الباب لريح البرتقال.
شذرةٌ بغداد في تاج الزمانْ
ضوع أنداءٍ
وإيماء نَهَرْ
شرفةٌ للطل في ليل صحارانا
ومرآةُ قمرْ
رعشةُ الأمطارِ
تفضي لازدهار السنبلةْ
لمسةُ الروح على شرقٍ
يربي الموتَ
يعلي المقصلةْ
ما سيبقى من شعاعٍ
في جهات آفلةْ
دوْح صوفيينَ
عشاقٍ بأرضٍ
لم يعد فيها سوى حلينِ
قتلى
قتلةْ».
ومن الهدير اللغوي إلى الحكمة الهادئة الملونة بكل أساليب تشكيله للقصيدة في «مدار الطوفان»، لا يتوقف قارب المرعبي الثمل عن إدهاش وإمتاع قارئ شعره، بلغته الثرية المنثالة شلالاً تقصر عن دراسته الصفحات.
باسم المرعبي: «الأعمال الشعرية»
غاليري أي و بي، السويد 2016
497 صفحة.
المثنى الشيخ عطية