في ما يتعلق بالعوامل الخارجية، فيجدر القول بأنها لم تكن أساس الداء الذي يفتك بجسد الإسلام، لكنها من غير شك كانت العنصر المحفز، وبسببها تضاعفت حدّة الداء. وإذا ما حصل أن زالت هذه الأسباب بأعجوبة ما، فأنا لست واثقاً من أن داء الإسلام سيزول، لكن المناخ الملائم لتفتّح جراثيمه وانتشارها لن يتوافر كما كان سابقاً. فما هي هذه العوامل الخارجية؟ هناك عدم اعتراف الغرب بالإسلام ثم طريقة تطويق الإسلام وجعله في حالة الملغى والمطرود كممثّل لغيرية داخلية، ثم شكل محاصرة الإسلام وتركه في مكان المستبعد. ثم هناك كذلك تنكّر الغرب لمبادئه الخاصة عندما تتطلب مصلحته ذلك، وأخيراً الطريقة التي يعتمدها الغربي (وبوجهه الأمريكي في أيامنا هذه) لفرض هيمنته دون احتساب العواقب وفق سياسة الكيلين والمعيارين المعهودة .
فإذا رغب بلد أو شعب أو دولة في أن يتولى زعامة العالم، فلا بدّ له من أن يكون منصفاً في طريقة حكمه. وللمزيد من الإيضاح أرى أن عليه الاختيار بين السياسة الإمبريالية المؤسسة على الحروب وبين السياسة الإمبراطورية التي تهتم بإرساء السلام. فالسياسة الإمبراطورية تفترض في من ينهض بها أن يكون حَكَماً في الصراعات التي تنشب في العالم ولا يكون في أي حال خصماً وحكماً في آن واحد. ولنأخذ مثالاً على ذلك المراحل المتتالية الناجحة التي نهضت عليها إحدى السياسات الإمبراطورية في آخر تجلياتها التاريخية، وهي تلك التي شهدتها الدولة العثمانية في ظل السلاطين العظام امثال محمد الفاتح (1451 ـ 1481) أو سليمان القانوني (1520 ـ 1566)، اللذين أرادا أن يكونا استمراراً للبنية الإمبراطورية كما مورست على شواطئ المتوسط منذ أن تبناها الإسكندر، ووطدها الرومان وتابعها البيزنطيون قبل أن تبذل محاولات استعادتها في ظلّ الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وبهذه الذهنية حاول العثمانيون أن يلجموا نزاع الأقليات والقوميات التي طالما غطت بفسيفسائها أقطار الشرق الأوسط. وبغض النظر عن المشاعر المتولدة على إثر أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، فإن كثيرين استنتجوا أنها شكّلت رداً على فشل السياسة الأمريكية التي بدت إمبريالية أكثر منها إمبراطورية في القضايا التي تخصّ الإسلام في بعض المناطق، أو التي تطال رمزاً من رموزه المقدسة.
فمن هم أولئك الذين ماتوا ليزرعوا الموت في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا؟ عدا عن إصابتهم بعدوى داء الإسلام، فهم أبناء عصرهم، صنائع صرف لعملية أمركة العالم. إنهم من أولئك الذين جعلوا من الأجهزة الرقمية أدوات لَهْوِهم ومن التلفزيون ذاكرتهم دون أن يعمدوا إلى تغيير ما في رؤوسهم من عقلية بائدة. وهذا ما كان في أساس نجاح العملية تقنياً و»مشهدياً». لقد استخدم الإرهابيون جميع الوسائل التقنية بكل مهارة، وخططوا بدقة وتفصيل كي يُنقل عملهم عبر الشاشات، حتى ليمكن التساؤل عما إذا كان فارق العشرين دقيقة بين الضربتين، اللتين استهدفتا كلاً من البرجين، مقصوداً لاستدعاء الكاميرات كي تصوّر مباشرة الطائرة في خطّ الانحراف المائل الذي سلكته قبل أن تخترق هدفها في النقطة المخطط لإصابتها. لقد كنّا أمام استخدام وسائل العصر بأفضل طريقة تؤدي إلى فورية تكاد تكون تامة ما بين وقوع الحدث ونقله إلى جميع القارات. وهذا واحد من آثار تعميم التقنيات والتوحيد التلفزيوني للبشرية في زمن أمركة العالم.
وهنا أشدد على التقنية أكثر مما اشدد على العلم. فالعالم الإسلامي لم يعد يشهد إبداعات علمية منذ القرن السابع عشر. وفي أواسط القرن التاسع عشر حاول سدى أن يستعيد الروح العلمية التي تألقت سابقاً في حواضره. لكن في عصر ما بعد الاستعمار (الذي بدأ في الستينات وتزامن مع بدايات أمركة العالم وبوادرها ما بعد الحرب العالمية الثانية) تمكنت بعض الفئات الإسلامية من أن تبرع في التقنيات التي تتطلب تشغيل الآلة أكثر من اختراعها أو إنتاجها. فالتقنية تضع المرء في مؤخر ركب السيرورة العلمية التي يتطلب انطلاقها من منبعها ملكةً عالية متزايدة.
من هم هؤلاء الإرهابيون إن لم يكونوا أبناء أمركة العالم (كما ذكرنا وكما سنكرر)؟ أبناء لم يُشفوا بعد من الجرح الذي يستشعره أبناء الإسلام لكونه تحول من حضارة غالبة إلى مغلوبة. أبناء يرفضون حالة الخضوع التي يظنون أنفسهم فيها، ويحلمون باستعادة الكيان الذي ينتمون إليه، كأنْ يجعلوا يوم الجمعة عطلة رسمية عالمياً (بدلاً من يوم الأحد)، وأن يُحلّوا التقويم الهجري بدلاً من التقويم المعتمد عامة (وهم لا يتوانون عن التذكير بأصله المسيحي). ولا أقصد إضفاء صورة كاريكاتورية على الموضوع، بل إنني أتخيّل، وأحاول أن أستكمل ما تيسر لي أن أقرأه من تفاهات ينشرونها. لكن علينا أن ننظر أولاً في المسار التاريخي المحدد الذي أنتج هذه الجماعات. وإذا كانوا من نتاج الاعتبارات التي سترد لاحقاً، فمن الضروري أن نؤكد سلفاً أنه لا يوجد سبب موروث من الماضي يمكن أن يبرر جريمتهم. بل هناك ما هو أكثر من ذلك. فكل ما أوردناه من توضيحات تاريخية يخصّ الوضعية العامة الحالية للإسلام وحضارته. أمّا في ما يخصّ هذه الوجوه المخيفة للإرهابيين، مرتكبي جريمة 11 أيلول/ سبتمبر، فإن حالتهم لا يمكن تفسيرها بهذه الإيضاحات، لأنهم قبل كل شيء أصحاب نزعة عدمية. فالوضعية التي أوضحها تهدف إلى تحديد الموقع الاجتماعي والثقافي الذي وُلد فيه هؤلاء الإرهابيون ولم يكن ليهيئهم أن يتحولوا حتماً إلى ما أصبحوا عليه.
من «أوهام الإسلام السياسي»، 2001.
ترجمة محمد بنيس والمؤلف
أنوار الزيتونة
كان المفكر والشاعر والروائي التونسي (1946 ـ 2014) سليل أسرة، ثرية وأرستقراطية، تخرجت من جامع الزيتونة وامتهنت تدريس الفقه وعلوم الدين الإسلامي؛ الأمر الذي لم يمنع الفتى عبد الوهاب من مغادرة تونس إلى باريس، في سنّ مبكرة، سنة 1967، ليدرس الأدب وتاريخ الفنون في السوربون. في ما بعد، سوف يصبح المؤدب أحد أبرز الفرنكوفونيين الذين تخــصــصــوا في الدراسات الإسلامية والأدب المقارن والتصوّف (ابن عربي والحلاج والبسطامي والسهروردي، بصفة خاصة)، وسيدرّس هذه الموادّ في جامعة ييل الأمريكية، وجنيف السويسرية، ونانتير الفرنسية.
وإلى جانب هذا الاهتمام بالأدب والتصوف، انكبّ المؤدب على قراءة التراث الإسلامي من زاوية نقدية تاريخانية، وبدا في نقده للاستشراق وقراءة التراث أقرب إلى أشغال إدوارد سعيد، فأصدر بالفرنسية كتابه الأهمّ «مرض الإسلام» سنة 2001 (وشاء أن تصدر ترجمته العربية تحت عنوان «أوهام الإسلام السياسي» تفادياً لاحتمالات سوء الفهم)؛ ثمّ الأعمال الأخرى التي لا تقلّ أهمية: «الخروج من اللعنة: الإسلام بين الحضارة والبربرية»، «رهان الحضارة»، و»خُطَب مضادة»؛ كذلك وضع، مع المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا، كتاباً ضخماً حول العلاقات بين اليهود والمسلمين. ولقد تابع الثورة التونسية، واصدر في هذا الشأن كتاباً بعنوان «ربيع تونس»، تضمّن نقداً ذاتياً لصمت المؤدب على القمع الذي تعرّض له الإسلاميون إبان عهد زين العابدين بن علي، دون أن يخفي انحيازه غلى «نداء تونس» والباجي قائد السبسي.
وفي ميدان الإنتاج الثقافي، يُسجّل للمؤدب تقديم برنامج شهير، على الإذاعة الثقافية الفرنسية، بعنوان «ثقافات الإسلام»، بدأ سنة 1997 واستمرّ حتى رحيله؛ كما تولى القسم العربي في دار النشر «سندباد»، فأشرف على ترجمات فرنسية لبعض أبرز الكتّاب العرب، من أمثال نجيب محفوظ والطيب صالح وصنع الله إبراهيم، وكذلك أشعار التصوّف العربية والإسلامية للحلاج وجلال الدين الرومي وعمر الخيام وابن الفارض.
وحتى آخر حياته ظلّ المؤدب يحثّ على إسلام مستنير، معتبراً أنّ التشدد الأصولي هو مرض الإسلام، تماماً كما كان انعدام التسامح هو مرض الكاثوليكية، والنازية مرض ألمــانيــا. ومثــلــما أدان التعــصـــب الإســـلامي ضــدّ الآخر، فإنه أدان أيضاً التعريض بالإسلام كثقافة وكديانة، مشدداً على حوار الحضارات والتمثيلات والصور؛ الامر الذي جلب عليه مديح الأصدقاء والحلفاء، وسخط الأعداء والمناوئين.
عبد الوهاب المؤدب