الروائي السوري خليل صويلح: يأتي صحبة غزال إلى جنة البرابرة

حجم الخط
0

 

في ظل الأوضاع السياسية الدائرة والطبائع الحربية الناشبة على الارض السورية ، في ظل هذه التراجيديا اليومية ، علت لهجة الدم والموت والبراميل المتفجرة ، على لغة الآداب والفنون والشؤون الثقافية في سوريا ، وغطت وطمست أعمالاً فنية وأدبية لرسامين وشعراء وروائيين وباحثين لا يحصون، في خضم الصراع اليومي الدائر على هذه الأرض التاريخية .
من بين هذه الأعمال صدور روايتين للروائي السوري خليل صويلح، الأولى بعنوان « سيأتيك الغزال « وقد صدرت عن دار « رفوف « العام الماضي ، والثانية هي» جنة البرابرة « وقد صدرت عن « دار العين « في القاهرة هذا العام .
تطرح الرواية الأولى سيرة الراوي ، في مسقط رأسه ، في الصحراء ، في منازل الشَعر لعائلة بدوية ، ارتضت العيش في القفار قريباً من منابع الفرات ونهر الخابور وصحارى البدو الرحل، حيث الغبار والرمال والرياح وعواء الذئاب هي أصوات مألوفة للساكنين هناك ، بالقرب من محافظة الحسكة المدينة، ومحافظة دير الزور صعوداً باتجاه القامشلي والرقة والمناطق الكردية والمسيحية الكثيرة ، حيث تتعايش هناك هويات وإثنيات مختلفة . الشخصية الأساسية في الرواية هي الراوي الذي أضحى يستنزح الرؤى من قاع بئر السيرة الذاتية ، ليلج الدواخل ، داخل نفسه والباطن العميق للكائن الإنساني، وعبر هذا الولوغ يذهب مستنطقاً الذكرى ، متقصياً ظلال نهر الخابور وسفوح سنجار وصولاً للصحارى .
في تلك القرى الشعثاء المغبرة والبعيدة ، نشأ الراوي يصغي لحكايا الجدة التي كانت تحكي له قصصاً غرائبية ، شبه سحرية ، ومن ضمنها قصة عن ذلك الغزال الذي سيأتيه في الليل ويسقيه ماء وحليباً ، تصبره وتطمئنه لكي ينام . ثم يتوغل الراوي بُعَيْد ذلك في العالم المكشوف والغامض لطفل ينمو ويكتشف المزيد من الأسرار الخفية في تلك الارض القاحلة ،المتعطشة للماء والخضراء والرواء ، وكذلك للثأر والقتل وسفك الدماء التي تخلفها طبائع الروح العشائرية للبدو وقبائلهم المنتشرة في تلك الاصقاع القفراء والنائية . فالراوي الساكن في بيت الشَعر في البادية والذي يذهب الى المدرسة على دراجة هوائية وهو صغير صحبة أحدهم صوب المدينة ، يتكشف له عالم آخر ساحر وناعم ومضوّأ ، هو عالم الحياة الثانية في المحافظة حيث دور السينما وطابع المكتبات والمقاهي بأضوائها وكراسيها التي تزين رصيف المحافظة ، حيث لا يكف راكب الدراجة أو الحافلة « الهب هوب «، أو الذاهب الى دور السينما وهو في طور المراهقة أو ما قبلها عن الذهول امام الشاشة التي تقدم وجبة بصرية دسمة لبدوي لم يرَ سوى بيت شَعرالماعز الذي تعصف فيه رياح الصحارى ، أو المتسلل مع صحابه من الفتيان الى أرض أخرى بغية اكتشاف المحافظات المجاورة ، حيث التلصص على حياة المسيحيين التي تخضع بطبيعتها لشروط مدنية مغايرة ومختلفة لمن هو قادم من الصحارى والبوادي البعيدة ، ومن خلال هذا التسلل تتم معرفة المزايا الكردية والأرمنية في القامشلي واختلاط الهويات والإثنيات وانماط الحياة المغايرة فوق الأرض السورية .
وحين يكبر الطفل قليلاً ويصبح شاباً ، يرى الى الأحزاب المتصارعة والى الحكايا التي تدور على يد أبطال ثانويين هم اصدقاء الراوي مثل حسن الجدعان ومصعب الحسون وسائق الحافلة عبود الدويك، أو صديقه سائق الدراجة أسعد الفاض.. إنه عالم من الدهشة والسحر والخرافات والغدر والخيانات والانتقام هو ذاك العالم البدوي ، عالم الستينيات
في الصحارى البعيدة، حيث السعلاة تحاول في احدى الحكايات خطفهم من الضفاف وإخفاءهم في اعماق النهر ليكونوا طعاماً للحيوانات النهرية .
في صحارى العجاج والغبائر تلك « كان غزو القبائل الاسم المتداول لفروسية قطاع الطرق ، أن تقتحم مضارب قوم وتعود غانماً ، وأنت تجر ثوراً سميناً أو فرساً أصيلة ، أو سعفة تمر ، لتنشب إثر ذلك حروب طاحنة فوق رمال لم تشبعها شهوة الدم ، والثأرعقوداً طويلة». تلخص رواية « سيأتيك الغزال « الفروق بين عالم الامس واليوم ، فالراوي الذي يهجر الريف وبستان الجد وبيوت الشَعر والطين الى المدينة حيث يعمل ويقيم ، يعود بعد غياب ثلاثين عاماً الى هناك لرؤية مرابع الصبا والطفولة ،ولكنه لم يلق سوى الطلول والهشيم والقفر والرياح التي تصفر في الارض الخراب .
أما الرواية الثانية « جنة البرابرة « فهي شهادة حية لراوٍ محايد ، يُدوّن بعين حساسة مثل كاميرا لسينمائي محترف ما يقع ويدور أمامها لتخزنه كوثيقة وقرائن وبراهين وأدلة دامغة لليد البشرية الطولى التي تتقن الذبح بطريقة طبيعية وبدم بارد ودون أن يرف لها جفن ، تقبل على تقديم القرابين والأضاحي البشرية من نساء وشيوخ وأطفال وشباب وأبرياء لا هم له سوى المناداة بكلمة الحرية. إن ما فعله ويفعله النظام والجماعات المتطرفة الإسلامية مثل داعش وغيرها بالبشر تفتك حكاياتهما وأفعالهما بالأفئدة البشرية قبل أن تشيب لها الرؤوس ، أن الفاشيست والنازيين الأوائل لم يقوموا بما قام به النظام من أفعال التعذيب والتفنن بها حيث أبدع فيهما وقدم من خلالهما صورة صادمة كونه قد تخطى كل عرف بشري في تفننه وابتكاره لوسائل تعذيب جديدة ، أكثر بربرية وسادية وهمجية من كل الفاشيات في العالم ، إزاء مواطنها الاعزل والمجرد من السلاح ، سوى سلاح الحرية والمناداة بالعدالة والغناء من اجل الإنعتاق من العبودية ، وما قصة الصبي القاشوش الذي غنى للثورة ، بفصد حنجرته وانتزاعها من الرقبة ورميها للكلاب الضالة الا حكاية أولى من الحكايات التي حفل بها سجل الفاشيست الجدد.
مدونة خليل صويلح ، أو روايته كما يحلو له أن يسميها ، هي رواية جريئة ، ومحايدة ، في آن ، كونها لم تخضع لجانب معين من القتلة ، مثل جيش النظام وشبيحته وميليشياه ، أو الفصالئل الإسلامية بجميع تشكيلاتها وألوانها واتجاهاتها ، بل وقفت مثلما وقف البديري نفسه إزاء وقائع زمانه ، راوياً ، عادلاً، منحازاً للدم البريء وللإنسان السوري الذي لعبت به الحرب وتجارها لعبة الدم والقسر والعنت والإرهاب بما تحمله من يوميات وإحداثيات ووقائع دامية لبلاد حاول الكاتب أن يعود بنا من خلال تفاصيلها المزدحمة بالدم والتفجيرات والسيارات المفخخة والبراميل المتفجرة الى الوراء ، باحثاً في كتب الوراقين القدامى عن ضالته وهدفه التراجيدي ، فيحالفه الحظ ويعثر حينها على مراده لدى كاتب حلاق من القرن الثامن عشر ، اسمه البديري . والبديري هذا يصف ما حدث للشام في ذلك الزمان الذي عاشه ، راوياً تفاصيله الدامية والمؤثرة والمفجعة من حروب ومجاعات وأدواء وقحط وسفك دم وقتل ومعارك لم تشف من أدوائها دمشق الا في مطالع العشرينيات من القرن الفائت .
مدونة الحلاق البديري يتخذها خليل صويلح كمعادل تاريخي وفني لما يحدث الآن في سوريا من تاريخ معاد ، يكرر نفسه بطريقة أكثر قسوة ووحشية وبربرية من السابق ، وكما يقول المدون الراوي في رواية صويلح « كأننا منذ ذلك التاريخ الى الآن لم نتقدم بوصة واحدة « .
رواية خليل صويلح الجديدة هي رواية يوميات مسجلة بدقة متناهية ، مستندة في نسجها الى حكايات ووقائع علمية ومرويات مدعومة بأدلة وقرائن وبراهين ، أي بالأسماء والوقائع والأحداث ، مقرونة بدليل الزمان والمكان ، سجلها في جهازه المحمول وفي حيز لا يعدو كونه مربعاً يقيم فيه الروائي أو الراوي المُدوِّن ، هو حي الصالحية والمقهى التي يتردّد عليها، أو الحانة التي يذهب اليها بتحسب وحيطة وحذر، خوفاً من رصاصة طائشة أو من انفجار وشيك واشتباك معين ، فعالم اليوم هو ليس عالم الأمس ، إنه زمن الوشاية والغدر، زمن رجال الامن والاستخبارات والميليشيات الشبحية ، زمن العصابات الخارجــــة على القــــانون ، انها أزمنة الدم والانتهاك والرعب ، زمن الرقيب والقناص المقابل لنافذة المُدوّن ، زمن الشبّيح والعسكري الواقف أمام حاجز لا يبعد سوى امتار عن موقع منزله ، حواجز تتناثر في كل شارع وزاوية ، ففي ذهاب الراوي أو الروائي على سبيل المثال الى العمل، عليه ان يبرز في ذهابه وإيابه هويته ويخشى في كل مرة من تشابه الأسماء ، وهنا لا ينقذ سوى اسم الأم في هكذا حالات ، حالات تذهب فيها دون رجعة بسبب مزاج العسكري العكر الواقف وراء الحاجز في ذلك اليوم .
يروي المُدوّن حادثة وقعت في هذا الشأن نفسه، والتهمة هي حسبما ورد في تقرير الأمن تقول : إن ثمة مواطناً سورياً تلكأ أو تباطأ في إخراج هويته أمام الحاجز ، فما كان من رجل الأمن الا أن ساقه للمخفر تحت ذريعة « إستضراط « الحاجز ، هكذا كانت التهمة كما وردت في التقرير الأمني ، أما جزاء تلك التهمة الساخرة والمأساوية وكما يقال شر البلية ما يضحك ، فقد لاقى صاحبها عليها عذاباً غريباً ، هو تقبيل بسطار العسكري ساعات وساعات دون توقف الى أن يجبره هو أي العسكري على التوقف بغية الإمتثال لعقوبة أخرى .
إنها « جنة البرابرة « إذاً يرتع فيها القتلة واللصوص والمأجورون والمرتزقة ، الى جانب الحالم بالتغيير والثائر والمناضل الحقيقي .

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية