شعراء لبنانيون عديدون ظهروا في الكلاسيكية العربية إلى جانب الشاعر الزحلاوي سعيد عقل، وواصلوا الكتابة وتألقوا في بعض المواضع والأزمان، ولكنهم لم يصلوا في جهودهم الإبداعية إلى ما وصل إليه عقل، سوى شاعر واحد أراه من وجهة نظري الشخصية أستطاع أن يقف إلى جانب سعيد عقل في مشروعه الرؤيوي ويخلخل مقامه الإبداعي ويحرك صورته لدى العامة، إنه جوزف نجيم، الذي فاجأني وأنا اقرأ أعماله الشعرية التي ضمت خمسة دواوين شعرية، بالإضافة إلى مسرحية شعرية كتبها وفق نهج العمود التقليدي وقافيته المعهودة.
لم أقرأ في الكلاسيكية العربية البتة، شاعراً بهذا الجمال من دقة السبك اللغوي، في الموضوع الشعري الإيروسي، لم تعطنا الكلاسيكية شاعراً بحجم جوزف نجيم، هتك معايير الجسد وغنّاه عالياً بطريقة أوروفية، أبولونية، فيها الكثير من الألق والإلهام والتصعيد نحو الأقاصي الحلمية. غنّى جوزف نجيم النساء والبنات والحب إلى حدود التعرية الروحية والميتافيزيقية، إلّه الجسد كبوذي، مترهبن صاعد في تشريق، من أقانيم وتعازيم النرفانا، إنه حقاً شاعر عرفاني متولّه بالجسد، مولع بتفاصيله وطواياه وخفاياه الحسية، متشرّباً الحب بطاسات الخيال، مُبهجاً حاله ومبهجنا بهذا الصوغ العالي للقريض، وملفتنا إلى عبقريته الفنية في تناول أعتى البحور الشعرية الصعبة، ليليّنها ويجعلها نوعاً من المغْناة الصاعدة في أوركسترا حالمة.
إنّ عناوين دواوينه تشير بدقة بالغة إلى نهجه الشعري وأسلوبه الفني الراقي، في بناء ناطحة سحاب شعرية تحاكي النجوم بقوتها، وتتماهى مع الغيمات القريبة من هذا البناء المتسق مع علوها وعلو النجوم كذلك، فعناوينه تحاكي ما يتغوّر في دواخلنا من رغاب ولهفة وشوق إلى الآخر، إلى الصنو الثاني للكائن البشري، المرأة، الصاعدة بأنوثتها نحو التشريق الجسدي للحب، للمثنى، وللمثنوي فينا، ولكأنه مولانا جلال الدين الرومي يكيل المديح إلى الحب ويُصعّد من شأوه ومن شأو مرتبته الحسية والجمالية، تلك المرتبة الموغلة في الإيروسي البواح والمتفاني في الآخر، البوح الوجداني والعاطفي والرومانسي للقاء المحبوب والتعاطي مع فواتن الجسد وسطوته الرغبَوية، نحو التسامي والغلوّ في ترتيب المعنى الأنثوي الضارب في أرض الفتنة، أرض المرأة وحقولها الخصبة واليانعة.
أفاد جوزف نجيم من عوالم اللغة الفرنسية، لا سيما عالم بودلير، وعوالمه الإيروسية التي أشارت باكراً إلى نعمة الموسيقى في جسد المرأة، وقد نجد لهذا المقترب التناصّي في جو ومناخ القصيدة الملعونة التي كتبها جوزف نجيم، وهي من أطول قصائده. ثمة ترابط فني وهاجس صوري في ترتيب معاني القصيدة البودليرية وبعض قصائد بودلير التي تشي بهذه العوالم.
ربما في مواضع أخرى تسللت الفرنسية أناييس نن، بدلتاها إلى مفاتن قصائد جوزف نجيم وبالأخص ديوان «جسد». وقد نجد في ديوان «تخت» والمعني هنا السرير ليس غيره، فإن تصاديه يقرّبنا كثيراً من رؤى وأفكار وتصورات «الروض العاطر» ذلك الكتاب العربي الذي دلف بنا إلى عالم السرير، وفك مغاليق الجسد وهتك المسكوت عنه، ليقربنا من عالم المرأة الداخلي وولوغ أقاليمها السحرية.
أما «الديوان الأخير»، وهذا هو اسمه، فهو ديوان جمع بعد موته ولم يستطع جوزف نجيم تسميته، ليصلنا بهذه التسمية التي تقترب كثيراً من عمل أي شاعر يغادر عالمنا فجأة.
في غمرة الحداثة وصعودها في الستينيات ثم السبعينيات وما نتج عنها من مشتقات تعبيرية، مثل ما بعد الحداثة، وظهور قصيدة النثر على نطاق واسع، وبروز التنظيرات والبيانات الداعية إلى التجديد والتغيير والتجاوز، وكلها انتسبت إلى عالم ما بعد الحداثة، تقلص الاهتمام وعلى نحو ملحوظ وبارز في متابعة النص الكلاسيكي الشعري، فرفضته دور النشر والمجلات الثقافية الحداثية وبَطُل الاعتناء به والترويج لشعرائه ونصوصهم، على أنها نصوص تتنافى وقيم الحداثة، وأن شعراءها يعيشون في ازمنة ماضية وعتيقة.
بينما هنا وأنا أتقدّم في قراءة الشاعر المبدع جوزف نجيم، كانت نظرتي تتغير، وتأخذ منحىً مختلفاً عما يراه البعض من الشعراء الذين نظروا للحداثة وروجوا لنصوصها على صفحات مجلاتهم وكتبهم ودورياتهم التي دعت إلى تحطيم الأوثان الكلاسيكية، لكن الحقيقة هي غير ذلك، فلا يزال الكلاسيك يشدّنا وقادرا على إتحافنا بالنص العابر للأزمان، ورأينا معاً كيف أعيد تقييم الشاعر أحمد الصافي النجفي من جديد، وها نحن نشهد الولادة الثانية والكبيرة لشاعر شبه مغمور، غيّبتْ أبواق الحداثة صوته، في بلد الحداثات وراعيها، في بلد مثل لبنان يتابع الموضة والجديد في كل مكان ولكنه يتناسى ويهمل ويغفل المبدعين القدامى من العرب.
ولعل أبرز ما يلفت في عالم جوزف نجيم الشعري، هو لغته السيّالة كالماء، لغته لغة جديدة، تحمل رقتها معها ومتانة صوغها وحوكها ونسجها الدقيق بإبرة من ذهب، تفتن وتخلب وتُلهب الأخيلة على التعاطي معها والغوص في جنباتها وأعماقها الجوّانية، كاشفين بهذا ذلك العالم الفريد لقاع القصيدة الموّار بالدرر المصوغة ببراعة ورقة وفصاحة عالية، فصاحة نجيم ليست وعرة وصعبة، بل مأنوسة وشفافة، ليست خشنة، بل ناعمة ومنحوتة بإزميل من فضة، إنها باختصار لغة مفضّضة، مذهّبة، يعلوها الرقيق والمرهف والصاعد إلى حاجة لا تشي إلا بالشغف والتوهان والتجلي الفني، المادي والمعنوي، وهو تقريظ الجسد بالقريض وترذيذه بالموسيقى والإيقاع الفاتن.
من عوالم ديوان»جسد» نختار الآتي:
«من لؤلؤٍ من لازوردِ / جسدي ومن نورٍ ووردِ
رَخْصُ الجمالِ يكاد يورقُ / ثم يزهرُ فوق مهدي /
متدفق الإغراءِ يقطرُ في عيون الغيدِ مجدي /» ……
إنْ يشتهِ الأفقُ انطراحاً / أمدُّ للنجومِ زندي
كحديقة عذراءَ أشرقُ / بالشذا من كلّ وعدِ
كجزيرة قمراءَ أغرقُ / في عباب الحسّ وحدي /» . من قصيدة «بنت».
ومن ديوان «تخت» وهو امتداد موح، لديوان «جسد» سنجد هنا النبرة الإيروتيكية تتصاعد أكثر لتكون في عناق مع اللذة الشعرية، التي غُزلتْ على نحو غزليّ، كون المعشوق هنا، هو الذاهب في ملكوت الحب وهيمانه الذي لا يغيب عنه الجنون والشغف بالآخر «سمّمتِ الضوءَ في عينيَّ / حتى تركتِ على شروق اللهِ ظلا / وفي صمتي أقمتِ، فأيُّ سَعْدٍ / يغيّبني لدى وعدٍ أطلا
أشمّكِ في التذكرِ مثل قلبٍ / يدقّ وأنتِ تزدادين دَلا / «من قصيدة «لكِ» .
وحين يتذكر تخته يقول فيه « موحش تختي ليس فيه سوايا / لا عبيرٌ مصوِّتٌ، لا لقاءٌ
مطمئنٌّ، لا كؤوسٌ روايا / غصَّ فيه البياضُ، والأحمرُ اعتلَّ /
وحنتْ عليه إحدى الزوايا / «قصيدة»تذكر».
وحين يعلو العشق وتتداعى البنات اليه يخبّرنا جوزف نجيم على لسان إحداهنّ: «يخبِّرُ أني صغيرهْ /
فأضحكُ في السرِّ ضحك الكبيرهْ / فقد عَتَقَتْنيَ خمسٌ وعشرٌ / من العمرِ حتى غدوتُ شهيرهْ /
تعلمتُ أشياءَ من فطرتي / بززتُ بها كلّ أنثى خبيرة» من قصيدة «برعم».
تبدو هذه القصيدة للوهلة الآولى أنها تذكر بإحدى قصائد نزار قباني الأولى «صار عمري خمس عشرة صرت أحلى ألف مرة»، ولكننا حين نكمل قصيدة نجيم حتى نهايتها نجد صياغتها مختلفة، رغم تدقيق نزار قباني طويلاً في قصيته المصقولة. في قصيدة نجيم ثمة متانة وسبك وصناعة تشير إليه، وهي غير قصيدة نزار الذي بدأ يبث لواعجه الحسية تلك في ديوانَي «قالت لي السمراء»و»طفولة نهد» اللذين أسبغا عليه صفة شاعر الغزل.
يقول عنه جوزف صايغ في مقدمته لهذه الأعمال الشعرية التي صدرت بعد غياب الشاعر الذي غيبّه الموت باكراً وهو في مطلع الخمسين: «يسعدني أني مع شاعر مختلف، فذ، مختلف، نسيج وحده في موضوعه وإسلوبه، شاعر لا يترك قارئه حيادياً، معه، إذا كان الشعر هواه».
ولد الشاعر جوزف نجيم في قانا التابعة لقضاء صور عام 1928. تعلم في مدرسة المخلّص ومعهد الآداب الشرقية للقديس يوسف في بيروت، ومن ثم انصرف للتعليم الثانوي في عموم لبنان، بعده أتيحت له الفرصة ليكون المشرف على اللغة العربية في القسم العربي في إذاعة لبنان في باريس، ثم أنشأ في وزارة الإعلام بلبنان إذاعة المغتربين. فاز بجائزة الشعر الأولى عام 1953عن مسرحيته «إبشالوم». دواوينه التي نشرت اثناء حياته وضعته في مصاف كبار شعراء لبنان وله أحاديث أسبوعية متميزة، وقد عرفت وقتذاك بعنوان «رماد المجامر» تناول فيها شعراء من العصور العربية، المغمورين والمشهورين، من الجاهلية، ثم صدر الإسلام/ مروراً بالعصور الأموي والعباسي والأندلسي، صدر له عام 2003 «شاعرات العربية»، و»الديوان الأخير»، ونشرا بعد غيابه عن عالمنا.
ها أننا بتنا نستعيد شعراء رحلوا عنا وكادوا يكونون منسيّين لولا متابعة بعض المعنيين والشغوفين بالشعر الكلاسيكي العربي، ولا سيما المتميّز منه، ذاك الذي يحفز على استرداد من غابوا، ليكونوا بيننا من جديد.
جوزف نجيم: الأعمال الشعرية الكاملة
دار نلسن، بيروت 2015
414 صفحة.
هاشم شفيق