إن الإنسان لا بد أن يكون متناسباً مع ظروف الحياة التي يوجد بها أو التي يعيش فيها. فالظروف الجديدة لا بدّ أن تخلق إنساناً جديداً. وليس بممكن أن يصنع الإنسان القديم حياة جديدة، بل ليس بممكن أن يستطيع الإنسان القديم البقاء في ظروف مثل هذه الحياة الجديدة من غير أن ينهزم وينهار.
كل طور من أطوار الحياة يحتاج إلى طور من أطوار الإنسان ـ من أطوار تفكيره ووعيه وطاقاته وأخلاقه. وكلما تعاظمت الحياة تعاظمت الضرورات والمصاعب، وما من شيء يسدّ احتياجاً إلا ويخلق احتياجات، والحدث الجديد يوجِد معه ظروفاً جديدة.
وإنسان الشعوب التي صنعت الحضارة قد أصبح إنساناً جديداً، ومع هذا فما أشدّ نضاله مع نفسه ليكون جديداً أكثر من ذي قبل. إنه يخشى أن يتخلف عن عصره فيعجز عن التكافؤ مع المشاكل والظروف التي يخلقها جيرانه وخصومه حوله. ومع هذا فقد لاحظ الإنسان بفزع مقدار الفرق في البطء والسرعة بين نمو الإنسان في مواهبه كذات، وبين نموه في عمله كآلة. فالفرق بين الإنسان والإنسان في مدى الثلاثمائة عام الأخيرة ليس متناسباً مع الفرق بين الأعمال والأعمال في هذه المدة من التاريخ. وهذا هو الذي جعل الإنسان، مع تطوره العظيم، أضعف من حضارته وأعماله، وجعل مشاكله ومتاعبه أقوى.
والعرب… ماذا ينبغي أن يصنعوا لكي يواجهوا هذا العصر بكل احتمالاته وتبعاته؟ إنهم يشبهون كائناً غريباً بعضه حيّ وبعضه ميت، نصفه متحرك والنصف الآخر ساكن. يريدون أن يجمعوا في أنفسهم بين الإنسان القديم بخصائصه القديمة، وبين الإنسان الجديد بخصائصه الجديدة. يريدون أن يكونوا حياة وموتاً، وأن يبقوا في الظل وفي الشمس!
لقد كان وضع العرب عجيباً محرجاً. فهم لا يقدرون على الانفصال من الماضي أو التنكر له، ولا يقدرون كذلك على أن ينفصلوا من الحياة، والحياة والماضي لا يجتمعان في وعي الزمن. فظلوا معلقين في الجسر المعلق بينهما!
وإذا كانت قوانين الجاذبية هي التي تعوق حركاتنا عن الصعود والانفلات من الأرض، فإن جاذبية التاريخ هي التي تعوق هممنا ومواهبنا عن الصعود إلى قمم الحياة!
إنه من أجل المضي إلى الأهداف الأمامية لا بدّ لنا من وضع أفكارنا وأهوائنا أمامنا، فالذين ينقسمون على أنفسهم لا يمكن أن يوحدوا طاقاتهم في ضربة واحدة، والذين يضعون شهواتهم واحتياجاتهم في جانب، ويضعون تقاليدهم الفكرية والاعتقادية في جانب آخر مضاد، كيف يمكن أن يكونوا؟
إننا قد نتسامح كثيراً مع من ينقدون حياتنا، ولكننا نرفض التسامح مع من ينقدون تاريخنا، وقد ننقد نحن حياتنا وأنفسنا وأساليبنا كلها ثم نصرّ على تنزيه تاريخنا ـ على تنزيه موتنا من النقائص والعيوب. وهذا لأننا نحترم الموت أكثر مما نحترم الحياة. إن أحلامنا دائماً وراءنا. الحياة تجربة، والتجربة حاضر ومستقبل ولا يمكن أن نحيا كما لا يمكن أن نجرب في الماضي، ونحن دائماً نحاول أن نجري تجاربنا فيما قد كان، ونزرع أنفسنا في الفراغ!
وثقافة أي شعب تعدّ مقياساً صحيحاً لنوع تفكيره وحياته. فماذا نجد في ثقافتنا إذا اختبرناها، وما هي موضوعاتها؟ سنجد موضوعات تاريخية، وسنجدها هي طريقاً طويلاً يصلنا بالموتى. إنها تعلّمنا كيف كنا، ولا تعلّمنا كيف ينبغي أن نكون!
ما أكثر الذين كتبوا ويكتبون عن موتانا وموتنا، وما أقلّ من كتبوا ويكتبون عن حياتنا ومستقبلنا!
نحن قوم يعبدون الموت. لا نريد أن نتغير. كل شيء فينا يراد له أن يجيء موتاً متكرراً، طبق موت قد مضى. فالتفكير والشعور والحياة وكل شيء يجب ألا يتغير. فأعداؤنا بالأمس هم أعداء اليوم وأعداء الأبد. وحقدنا يجب أن يوزع كما كانت أحقادنا في التاريخ توزع!
إن مَثَلنا مثل ميتة.. ما أطول هذا الطريق الطويل الموحش المرصوص بجثث الكتب والآراء التي يمر من فوقها جميع الرائدين. لقد كان طريقاً واحداً مرّ فوقه جميع الكتّاب… وكانوا جثثاً تمرّ فوق جثث! (…)
٭ مجلة «العربي»، شباط (فبراير) 1959
فنّ هجاء الركود
في مطلع الستينيات من القرن الماضي اقتحم المفكّر النجدي عبد الله القصيمي (1907 ـ 1996) الحياة الفكرية العربية، وبدا على الفور صوتاً جديداً غير مألوف في نبرته التمردية الشاملة، يستخدم لغة احتجاج حارّة لم يسبق للمعجم العربي أن استولد منها هذا الموشور العريض والمتفجر من مفردات الانشقاق. كذلك لاح أنّ خطابه، هو الذي كان في شبابه وهابياً وسلفياً متزمتاً، يتكيء على طرائق، في المحاججة العقلية والوجدانية، تحررت بدرجات عالية من وطأة المحرّم أياً كان، وانفلتت من أي عقال يلجم قواعد التفكير العربي في المسائل الفلسفية أو الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية أو الفقهية.
وفي تلك الحقبة استهدف القصيمي العقل العربي بكلّ ما كان يتعايش أو يتصارع في جُنُباته من تيارات وأفكار، سلفية كانت أم ثورية، يمينية أم يسارية. وكان لهيب نجد وجزيرة العرب يزيد من سخونة التأملات الحارقة التي بَدَت على حافة التفكير العقلاني لكلّ وجدان، ولامست التحصين الوجداني لكلّ عقل. صدمات أفكاره أخذت تتوالى مع صدور كل كتاب جديد، مغفلاً كالعادة من اسم دار النشر أو مكان الصدور، ومحتوياً ـ ضمن ما يشبه العادة الاستفزازية المزمنة ـ على سلسلة الألغام الناسفة الكبرى، التي تبدأ من سطور الاستهلال على صفحة الغلاف الخارجية. في كتابه «العالم ليس عقلاً»، يقول الاستهلال: «الثوار والقادة والفنانون والمفكرون قوم من المرضى والمتعبين، يعالجون آلامهم بتطبيب الآخرين»، فيبدأ من هجاء الجمهرة ذاتها التي ينتمي إليها القصيمي نفسه. وأما كتابه «العرب ظاهرة صوتية»، وهو العمل الأشهر رغم أنه ليس الأبرز، فقد تصدرته الفقرة التالية: «لا أَضيَع أو أخسَر أو أردأ حظاً ومجداً من كتاب عظيم أو جيد يتكلم اللغة العربية ويكتب بها مخاطباً الإنسان العربي.. إن اللغة العربية لن تكون إلا كفناً غير مجيد أو نظيف لكل فكر أو معنى عظيم أو حرّ أو صادق أو شجاع أو مبدع يكتب بها، أي لو كَتبَ بها.. وهل حَدثَ أن كَتبَ بها؟».
أعماله تنطوي على مقاربات عديدة، متجانسة او متناقضة، متباعدة أو متقارية، تتناول مسائل فقهية ودينية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وفلسفية. وثمة نزعات عدمية وعبثية ومنطقية ووجودية وإيمانية وإلحادية وإرادية. وعلى امتداد الصفحات لا يخطىء القارىء طريقه إلى أفكار المعتزلة والمتصوفة والقرامطة، ثم ديكارت ونيتشه وهيغل وماركس وهايدغر وسارتر… ذلك لأن فكر القصيمي ظلّ يسير على إيقاع متقطّع نَزِق، لا يعبأ بحدود ما يمارسه من تشريح وتطهير، ودون أن يكون التبشير بالخروج والانشقاق مسقوفاً بأيّ خطوط صارمة تفصل بين المنظومات والمقاربات.
لكنّ القصيمي رحل وهو يكابد النزعة الجارفة إلى تجاوز الراكد وتطوير الحركة، والتطلّع العنيد إلى ما هو كامن خلف الحلم وفي الباطن المحرّم من تخوم التفكير. لكأن القصيمي سطّر أقداره بيديه، في كتاباته، وفي مواقفه التي قادته من منفى إلى منفى، وعرّضته لمحاولتَيْ اغتيال، هو الذي اعتبر أن «الحضارة كلها ليست إلا صراعاً بين قادة الجماهير المخادعين وبين المفكرين الذين لا يحسنون فنّ خداع الجماهير». والحقّ أن الرجل لم يتقن قطّ ـ ولم يحاول أصلاً أن يتعلّم ـ فنّ خداع الجماهير، وكان على العكس بارعاً للغاية في جرحها، وخدش ثوابتها، وهجاء ركودها إزاء ضرورة اجتراح التجاوز، ومراوحتها العقلية والوجدانية في مكان لم يكن في نظره مخصصاً مرّة واحدة لجسد الكائن الإنساني المتمرد، ولا لكينونته العبقرية.
نصّ: عبد الله القصيمي