لعل أبرز ما تثيره هذه المجموعة القصصية سؤال الكتابة بصفتها مفتاح حياة، فالأخبار تنقل يومياً للمشاهدين طرائق حياة في الحب والحرب والطعام والرفاهية، غير أنه في بقعة ما من هذا العالم، عُمَان، من لا يزال يعتقد أن الكتابة يمكن أن تكون طريق حياة، يكسر أطواق العزلة، ليدوّن مشاهد من حياته وحياة من يشاركهم الزمان والمكان، إذ لا يريد لتراكم الأيام أن يمحوها. وبين المحو والكتابة تولد سرديات مجموعة عزيزة الطائي القصصية، إذ تحبو نحو هدف الوجود بقسم من أدوات القصة القصيرة جداً، مازجة بين خصوصية التجربة، ومتطلبات الفن، وهكذا خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، تحاول أن تتهجى طريقها السردي.
الرجل المؤجَّل
يتكسر «يقين» السرد في الكثير من نصوص هذه المجموعة بالرجل، فأوهام الانتظار خبا بريقها، والرجل الذي يأتي لم يعد موجوداً، والحلم بالرجل الكامل بات متهشماً بفعل تجارب شخصيات القصص الذاتية وتجارب الآخرين. من هنا تحضر مقولات دريدا في هذه النصوص، إذ ثمة رجلٌ مُرْجأ الدلالة والحضور، ذبلت زهورُ انتظاره منذ زمن طويل، وبات لا يغني عن جوع، لكنه قادر على تأجيل النهاية، أقرب ما يكون إلى دواء «كيماوي» يتناوله مصاب بمرض مستعص، وثمة اتفاق مبطن بين أهل المريض والمريض والدواء، الكل يعرف الحقيقة، والكل ساكت عنها. لكن هذا الرجل من جهة أخرى يمكن أن يقي من عُري العزلة والوحدة، فترة من الزمن، هذا ما يقوله نص «ضياع» مثلاً: «أعلم أنك ظل زائل، لكن سأرتدي حبك ليستر جسدي».
ثمة سردٌ أقرب إلى اليقين بأن الاتفاق على صناعة الوهم، تشارك فيه كل الأطراف، بما فيها لغة «الذكورة» التي تركت بصماتها عليها، وبلغة عبدالله الغذامي فإن المرأة قد جاءت أخيراً إلى «الوجود اللغوي من حيث ممارستها للكتابة، فإنها تقف أمام أسئلة حادة عن الدور الذي يمكنها أن تصطنعه لنفسها في لغة ليست من صنعها، وليست من إنتاجها، وليست المرأة فيها سوى مادة لغوية، قرر الرجل أبعادها ومراميها وموحياتها». ليست اللغة أداة تعبير فحسب، بل هي كذلك طريقة تفكير، ورؤية، وبناء على ذلك؛ فمن الطبيعي أن يولد نص قصصي في هذه المجموعة عنوانه «ارتباك» حيث يحدث أن تقف امرأة أمام المرآة، تتأمل وجهها، وتمرر أصابعها على حواف جسدها، لتصل إلى يقين بأنها «زائد شحمي من حروف ترهل ما يضيفه الذكر وهو يحيك ألفاظه».
لم تصل شخصيات القصص النسوية في هذه المجموعة إلى «اليقين» بعدم انتظار الرجل، قبل أن تمر بمخاض طويل، ظنت فيه المرأة أن الرجل «قادم»، لكنه لا يأتي، أو يأتي في الوقت المتأخر، يغدر ويغيب ويمارس كل ما يقوم به الرجال: فهو في نص «كبرياء» يأتي متأخراً، وفي نص «فخ» يغيب دون عودة، وفي نص «غياب» يفاجئها بأخرى، وفي نص «دمعة» تضطر للقول له بكل وضوح: أكرهك! وفي نص «انتظار» تصل إلى نتيجة صادمة: «صعبٌ أن ترهن عمراً لحساب رجل»، وفي نص «تيه» يفترسها ظله فتشهر مسدسها في وجهه، وفي نص «حيرة» تبحث عن جسده المتعتق بالذكرى. لذلك لا تهتم كثيراً برأيه حين يجعل اللغة مائعة، استجابة منه إلى القول الشائع: «الأنثى تعشق بأذنيها»، فتجيبه المرأة بعد أن عرفته من تجاربها السابقة على لسان إحدى شخصيات المجموعة: «لم أكن قبيحة ولا جميلة. وليست لي علاقة بنسب المقاييس». وكانت شخصية أخرى قد كسرت الوهم تجاه الرجل منذ زمان طويل، فقد أدركت «أنها نصف هامشي في حياته». لذلك لا تتردد شخصية الراوية في إحدى القصص بأن تسم إحدى الشخصيات بأنها «كانت عاشقة رديئة. تقول: لا، وتضمر كلمة نعم».
وهكذا تطحن «رحا» الرجل الكثير من نصوص هذه المجموعة بحضورها الإشكالي، فيتساءل القارئ، تأسيساً على ديالكتيك هيغل: هل ترى الذات ذاتها ووجدها في الآخر، الذي قدم كل مافيه الأذى للذات، التي لم تفقد الأمل منه؟ فأن تكون «آخر» ديالكتيكياً يعني أنه في لحظة ما سيستعيد وعيه، ويعترف بالآخر على أنه ندٌّ، لكن هل يمكن أن يحدث ذلك دون حاضنة اجتماعية؟ دون نسق يفرز مثل هذا الوعي؟
سياقات تأكل أبناءها
تكترث هذه المجموعة القصصية بعدد من الهموم الاجتماعية، ربما إيماناً منها أن التحرر الفردي الذي تطالب به معظم شخصيات القصص النسوية «خاصة»، لا يمكن أن يكون بالصورة المتوخاة، فيما لو بقي المجتمع مأسوراً من قبل سلطات أعلى: اجتماعية ودينية واقتصادية. ويبقى السؤال الرئيسي: كيف يتحول الوعي النسوي إلى وعي إنساني؟ خاصة وأن الرجل في مواطن كثيرة يعاني مثل ما تعانيه المرأة، مما ينعكس على حالات الوعي والوعي المضاد التي تغدو مسيرة للحياة، فالحرية لا تحتاجها المرأة فحسب، بل كذلك الرجل، الذي حاول التخلص من تلك البيئة الحاضنة المقيدة كما يبدو من شكواه في نص عنوانه «نحر»: «سرقوا رغيفي، ناولوني منه كسرة. أبعدوني..همشوني…دمروني…»، وفي الوقت نفسه ثمة من لا يعترف بالظلم الذي يقع على الآخرين قبل أن يتجرع جوانب منه، كما يبدو في نص «متزحلق»، الذي يتناول شخصية لا تشعر بحالات المظلومين، غير أنها تبدأ بالإحساس بالألم «حين نام مع الضحايا على سرير واحد».
لذلك يظهر الكثير من الرجال في «وجوه أخرى»، غير تلك الوجوه التي يقدمها عالم الحب، بمعنى آخر: إن الرجل، بعيداً عن العلاقة مع المرأة، أهل للثقة ويعتمد عليه، فهو يعاني ويتعب، ويقدم الكثير لكي تبقى الحياة مستمرة بصورة أفضل للعائلة والمجتمع، أما حين يتم الحديث عن علاقته بالأنثى؛ فيغدو للكلام طعم آخر، أهم سماته المرارة. فالرجل في نص «راية» مثلاً، يدفع روحه ثمناً لحرية مجتمعه: «كانت الأحلام الناقصة منتشرة على قارعة الطريق. أوقفوه بتهمة التحريض… ذات صباح وقف أمام بوابة المدرسة، ورفع رايته صائحاً». ويعاني الرجل السجين من واقع فرض عليه، حيث دخل السجن على أمل الخلاص لمجتمعه من ظلم عانى منه، وهو يدرك أن «أرضية السجن حفر نتنة، والنوافذ حائط نائم. وتلك الحفر كانت قبوراً على شكل ثقوب».
رموز تبحث عن دلالة
تستحضر قصص هذه المجموعة عدداً من العناصر الأخرى لتعمر بناءها القصصي، فلا يغيب عن كثير منها الرمز متمثلاً بدلالات الحيوانات، سواء بالدلالات المألوفة أو بدلالات تكتنزها بعض نصوص هذه المجموعة. فنجد مبارزة الخرفان والثيران مثلاً، والخفافيش التي تتواطأ مع العفاريت، والفراشات المتحولة إلى ذبابات تمتص رحيق الأزهار، والعصفور الذي يلتقي عصفورة تنشد الحرية غير أنها تفقد ريشها، وكذلك نعثر على القطة التي تشتكي يومياً من الفئران حتى أقنعت إحدى الشخصيات القصصية أنها فأرة وديعة أليفة، لكنها في الوقت الحاسم «تخربشها». وفي نص عنوانه «محْلْ» يجري حوار بين ديك ودجاجات بصفتهما حاملين لدلالات أخرى، حيث يقول الديك للدجاج: «الأرض محزومة بنشيج، فاشربوا الدمع. الدجاج: إنه المحل الساحق الذي سيهلك الحرث والنسل. الديك: لتكن دموعكم تملأ سفح المكان». أما علاقة الحمار والثعلب والعنكبوت السامة فتبدأ بالزحف، وهولاكو يظهر في مقبرة الخفافيش متسائلاً: «كأنه لم يمت قط، ولم يرحل كلب، ألم تتعظوا بعد؟».
وكذلك يجد المتلقي في بعض النصوص إطلالات تاريخية ومحاولات توظيف في سياق السرد القصصي لكل من المأمون وبيت الحكمة، ونابليون الذي تحدث عن معارك التاريخ التي تدور في الظلام الدامس، وصلاح الدين الذي يُسأل عن أسرار الهزيمة والانتصار.
أما في نص «فراغ» فيكون الحضور التناصي شعرياً عبر استحضار كل من الشنفرى وتأبط شراً: «جاب الشنفرى الفيافي وبرفقته تأبط شراً، رأى كائنات ممسوخة القوام، فقال: اليوم عرف أهلي أني على قيد الحياة، قال تأبط شراً: الراحلة تنتقم منك. قال الشنفرى: صدأ يعلو حنجرتي. صاحت الكائنات: حتى لا تصبح صعلوكاً بعد كل مشهد للقتلة. إصرخ بصوت حاد في الفراغ كأنك تتقيأ».
أخيراً، بدا أن الكثير من القصص في هذه المجموعة قد افتقدت للإدهاش الذي ينتظره القارئ من الفن عامة، ولعل السبب الرئيس يكمن في حرص القاصة على نشر كل ما كتبته، ربما لخصوصية بعضه. غير أن القاص من جهة أخرى يمكن أن يقصقص الكثير مما كتبه، وينظر إليه بعين الموضوعية الفنية، بخاصة إذا كان القاص ناقداً. كذلك فقد وقعت الكثير من النصوص ضحية زاوية رؤية محددة، فالعين القصصية لا تنظر إلى المشهد نظرة توثيقية، بل من الممكن لها أن تبحث عن زاوية مختلفة لتقديمه، وإلا عليها أن تترك ذلك جانباً، وهو ما ينتظره المتلقي في مجموعات قادمة.
عزيزة الطائي: «ظلال العزلة ـ قصص قصيرة جداً».
دار فضاءات، عمّان 2014.
192 صفحة.
أحمد جاسم الحسين