المسرح والمناسك

حجم الخط
0

 

لم يحفظ لنا التاريخ شيئاً عن وجود شيء من الدراما عند العرب في وثنيتهم الجاهلية، ولعل مردّ ذلك إلى أن الوثنية العربية لم تكن وثنية أصيلة، إذ هي في الواقع صورة مشوهة من دين قائم على التوحيد هو دين إبراهيم وإسماعيل، ولذلك لم تتكون لها تقاليد عميقة كما كان الشأن لدى وثنيات أخرى.
فهذه مناسك الحجّ مثلاً يمكن أن تعدّ صورة من صور الدراما لتمثيل ذكريات إبراهيم الخليل وسيرة زوجته هاجر أم إسماعيل. وقد كان العرب في الجاهلية يقومون بهذه الشعائر من قديم. ثم أقرها الإسلام بعد ذلك على أنها مناسك لحجّ بيت الله الحرام.
على أننا نلحظ وجوه اختلاف بين هذه المناسك وبين الطقوس الدينية التمثيلية عند الشعوب الأخرى، فبينما كانت هذه الطقوس يقوم بتمثيلها جماعة من الناس، نرى هذه المناسك يقوم بها جميع أفراد الأمة العربية. أي أنهم لا يشهدون طائفة منهم تقوم بتمثيل هذه الذكريات بينما الباقون يتفرجون عليهم كما هو الشأن عند الشعوب الأخرى. وكذلك لا توزع الأدوار المختلفة بين أفراد تلك الطائفة كل واحد منهم يقوم بدور معين، بل تقوم الأمة كلها بالتمثيل ويقوم كل فرد فيها بتمثيل الأدوار المختلفة كلها، فالسعي بين الصفا والمروة مثلاً هو تخليد لذكرى هاجر أمّ إسماعيل إذ كانت تتردد بينها باحثة عن الماء لتروي عطشها وعطش ابنها. فهذا دور من أدوار هذه الدراما، وهو لا يُسند إلى امرأة تقوم به مثلاً، بل يقوم به مع سائر الأدوار الأخرى الرجال والنساء جميعاً، وهكذا في بقية الأدوار التي نسميها مناسك الحجّ.
ولا شك أن هذه الظاهرة التي لا نعرف لها نظيراً عند الأمم الأخرى مرجعها إلى هذا الدين القيم، دين التوحيد الذي يجعل التقديس لله وحده ولا يعترف بتقديس من سواه من الأشخاص. ولذلك تعذر عند العرب وجود التمثيل بمعناه المعروف لدى الأمم التي تدين بتعدد الآلهة وتقديسها وإسناد الصفات البشرية إليها، إذ كان معظم هؤلاء الآلهة في الأصل من البشر ممن كانوا ملوكاً عظاماً لهم، أو أبطالاً في تاريخهم، فلما ماتوا اتخذوهم آلهة وعبدوهم.
وإذا لم يوجد المسرح عند العرب في جاهليتهم، فأحرى ألا يوجد لديهم بعد الإسلام الذي قضى على تلك الوثنية العربية وأعاد إليها دين التوحيد كأصفى وأنقى ما يكون التوحيد.
وقد أشرنا فيما سبق إلى أن تقديس الأشخاص من مظاهر الوثنية، والإسلام ينهى عن ذلك نهياً مشدداً، وإلى أن نشأة الدراما في ظل المعابد الوثنية كانت تقوم على تقديس من كانوا ملوكاً وأبطالاً ثم ألّهوهم بعد وفاتهم. ونضيف إلى ذلك الآن أن مما يؤيد هذا الذي ذهبنا إليه أن نوعاً من الدراما قد نشأ عند مسلمي الشيعة من الفرس لما يدينون به من تقديس أشخاص من أهل البيت كالحسين بن علي رضي الله عنهما مثلاً، فقد اتخذوا من مأساته الدامية بكربلاء نواة لمسرحية يمثلونها كل عام فيبكون وينوحون.
غير أن هذه المسرحية بقيت كما هي لم تتطور ولم تنفصل عندهم عن الشعائر الدينية، ولعل السبب في ذلك أن هذا التطور يقتضي زمناً طويلاً، وأن اتصالنا اليوم بأدب الغرب وما عرفناه من فنه المسرحي يحول دون تطور هذا المسرح الشيعي، إذ يكون أسهل عليهم أن يحتذوا نماذج الغرب في التمثيل لو أرادوا ذلك، فمثله كمثل الصناعات اليدوية التي كانت قائمة في الشرق لم تلبث أن ماتت حين ظهرت النهضة الصناعية في الغرب.
حقاً كان بعض الوعاظ يعمدون إلى أسلوب التمثيل في وعظهم، كما روى عن ذلك الصوفي الذي كان يخرج إلى ظاهر بغداد فيلتف حوله الناس فيكلف أتباعه بأن يمثل أحدهم أبا بكر الصديق وآخر عمر بن الخطاب، وهكذا بقية الصحابة والخلفاء، فيثني هو عليهم ويشيد بأعمالهم أو يحاكمهم ويقضي فيهم قضاءه. ولكن هذا التمثيل كان في حدود ضيقة فلم يكن له أي شأن يذكر، ولا نحسب أن نستطرد إلى ذكر خيال الظل والأراجوز وانتشارهما في أيام الأيوبيين والمماليك، فبالرغم من وجود الظواهر التمثيلية في هذين الفنين، فإنهما لا يدخلان في باب التمثيل المسرحي الذي نتحدث عنه.
ونحن نريد أن نخلص من هذا كله إلى مناقشة فكرة طالما رددها بعض الكتّاب والباحثين، من أن الفن المسرحي لا يُرجى أن يزدهر عندنا في الشرق العربي كما ازدهر في البلاد الأخرى لعدم استناده إلى جذور دينية عميقة، كما هو الحال في تلك البلاد التي نشأ فيها المسرح منبثقاً من الشعائر الدينية، ثم تطوّر مع الأيام حتى استقلّ فناً علمانياً كما يقولون. وعندي أن هذه الفكرة بعيدة عن الحقيقة، فالفن المسرحي إن كان انبثق قديماً من الطقوس الدينية عند بعض الشعوب، فقد انفصل عنها من وقت بعيد وأصبح فناً مستقلاً بأصوله وقواعده. وقد تناول من الموضوعات التي لا صلة لها البتة بالدين أكثر من الموضوعات الدينية التي كانت أصل نشوئه، فلم تعد لهذه الحقيقة التاريخية أية أهمية بالنسبة لحاضر الفن المسرحي ومستقبله.

عن «فنّ المسرحية من خلال تجاربي الشخصية»، 1984

رائد يماني في أرض الكنانة

يظن الكثيرون أنّ المسرحي والأديب اليمني الرائد علي أحمد باكثير (1910ـ1969) مصري الجنسية، وذلك بسبب دراسته الجامعية في القاهرة، وزواجه من سيدة مصرية، وإقامته الطويلة في أرض الكنانة؛ وصدور معظم أعماله المسرحية، وتمثيلها، هنا؛ واحتكاكه بالحياة الأدبية وأبرز الشخصيات الثقافية المصرية (عباس محمود العقاد، توفيق الحكيم، عبد القادر المازني، نجيب محفوظ)؛ وانتمائه، بالفعل إلى المشهد المصري، لدرجة أنه تقاسم مع نجيب محفوظ جائزة الدولة التقديرية الأولى.
ومع ذلك فإنّ باكثير لم يولد في اليمن، بل في حزيرة سوروبايا الأندونيسية، لأبوين حضرميين، عادا به إلى بلدة سيئون، في حضرموت، وهو في سنّ العاشرة، حيث درس علوم الفقه واللغة على أيدي كبار علماء البلد. في سنة 1934 وصل باكثير إلى القاهرة، فدرس الأدب الإنكليزي في جامعتها، وتكشفت مواهبه المسرحية مبكرة حين ترجم مسرحية شكسبير الشهيرة «روميو وجولييت»، ولكنه نقلها في صيغة الشعر المرسل، حسب تعبيره؛ وبعد سنتين أنجز مسرحيته «أخناتون ونفرتيتي»، في صيغة الشعر الحرّ هذه المرّة، فكان بذلك أحد أبكر روّاد هذا الشكل في الكتابة المسرحية ذلك دفع الدكتور عبد العزيز المقالح، في كتابه «باكثير رائد التحديث في الشعر العربي المعاصر» إلى احتساب باكثير في صفّ كبار روّاد حركة التحديث التي ستسفر عن ترسيخ شكل «الشعر الحر»، أو شعر التفعيلة كما سيُعرف بعدئذ.
كتب باكثير «ملحمة عمر»، عن سيرة الخليفة عمر بن الخطاب، في 18 جزءاً، استغرقت سنوات 1961ـ1963؛ ويعتبرها البعض ثاني أطول عمل مسرحي في تاريخ هذا الفنّ، بعد «سلالات حاكمة»، مسرحية الإنكليزي توماس هاردي عن حروب نابليون، وتقع في 19 فصلاً و131 مشهداً. كما كتب عشرات المسرحيات الأخرى، في موضوعات اجتماعية وتاريخية، وأخرى تتناول الشخوص والأساطير، العربية والأجنبية (من أوزيريس والشيماء وجحا وهاروت وماروت، إلى أوديب وفاوست وشايلوك…). وكان جسوراً في الاجتهاد وإعادة تأويل ما هو مستقرّ وراسخ، كما في مسرحيته «سرّ شهرزاد»، 1953، التي تقلب حكاية ألف ليلة وليلة بما يُنصف شخص شهرزاد، والمرأة عموماً.
ورغم أنه قدّم الكثير في سبيل تطوير النصّ المسرحي العربي الحديث، ورحل وهو قامة مسرحية وأدبية عالية، فإنّ باكثير لم ينل الحدّ الأدنى من حقه في الدراسة والتثمين، وتعريف الأجيال العربية المعاصرة على فنّه وميادين ريادته.

نصّ: علي أحمد باكثير

اشترك في قائمتنا البريدية