دمشق – «القدس العربي»: في أكبر عملية نزوح منذ بدء الحرب في سوريا سجلت تقديرات الأمم المتحدة أعداد السوريين الذين تركوا بيوتهم وصلت إلى 330 ألف نازح أصبحوا محاصرين بين نار الحرب وصواريخ النظام السوري والطائرات الروسية شمالاً والحدود الأردنية المقفلة جنوباً.
تزامناً عقدت لجنة التفاوض المسؤولة عن المنطقة الجنوبية في سوريا، الجولة الثالثة من المباحثات مع ضباط روس في بلدة بصرى الشام بحضور الإعلامية «كنانة حويجة» ابنة مدير مخابرات القوى الجوية السورية الاسبق إبراهيم حويجة للرد على بنود الاتفاق التي قدمها الجانب الروسي خلال الجولة السابقة.
مقتل 45 من النظام
العميد إبراهيم الجباوي، المتحدث باسم غرفة «العمليات المركزية في الجنوب»، التابعة للجيش السوري الحر، أوضح لـ «القدس العربي» أن جلسة المباحثات التي عقدت مساء امس الثلاثاء هي لحسم ملف المنطقة الجنوبية بالكامل بعد ان نجحت المعارضة في فرض شروطها في توسيع صلاحياتها وضم أعضاء جدد ممثلين عن محافظة القنيطرة إلى اللجنة المفاوضة لحسم مستقبل المنطقة الجنوبية كلها.
مضيفاً ان ذلك تم على عكس الرغبة الروسية التي كانت تسعى حثيثاً إلى تقسيم المنطقة إلى ثلاثة اقسام، ليكون التفاوض مع ممثلين عن كل قسم منها على حدة. وقال الجباوي «ان غرفة العمليات المركزية في الجنوب سوف تستمر في المفاوضات مع الجانب الروسي، بعد تشكيل لجنة تفاوض موسعة تمثل الجنوب بشكل كامل، لتهيئة الظروف من اجل الوصول إلى حل سياسي نهائي، يفضي إلى حل يحفظ دماء الأبرياء، ويضمن سلامة الأهالي والمقاتلين».
وحسب المصدر فإن أعضاء اللجنة هم «قاسم النجم، مهران الضبا، مصعب بردان، أبو عمر الزغلول، أبو حمزة العودة، أبو منذر الدهني، بشار القادري، بشار الزعبي، بشار فارس، محمد شرارة، أبو خالد الخالدي، جهاد مسالمة».
توغل إسرائيلي
وأفادت مصادر مطلعة من درعا جنوبي غرب سوريا لـ «القدس العربي»، بحضور قائد فصيل شباب السنة احمد العودة المسؤول عن تسليم السلاح الثقيل في بلدة بصرى الشام إلى الروس، في الاجتماع، فيما تغيب عنها أبرز القيادات العسكرية المعارضة، قائد فوج الهندسة والصواريخ أدهم الكراد الذي ناب عنه في المباحثات القيادي أبو منذر الدهني.
ميدانياً، أعلنت غرفة «العمليات المركزية» عن مقتل 45 جندياً من قوات النظام في كمين محكم على جبهة تل السمن في محيط مدينة طفس في ريف درعا الغربي حيث تمكن مقاتلو المعارضة من تدمير دبابة وعربة شيلكا، وذلك بعد محاولة القوات المهاجمة التقدم من مدينة داعل المقابلة لمدينة طفس عبر محورين رئيسيين «طريق التابلين شرقي طفس وتل السمن في الجهة الشمالية منها» وسط تمهيد مدفعي مكثف وقصف من المقاتلات الحربية السورية والروسية وراجمات الصواريخ.
وتواصل كتائب الجيش الحر في ريف درعا الشرقي صد هجمات التحالف البري والجوي الذي شكله النظام السوري بين قواته والميليشيات الطائفية المدعومة من قبل إيران برا، باسناد جوي من المقاتلات الحربية الروسية، حيث تشهد بلدة صيدا، هجوماً موسعاً دون أن تتمكن القوات المتحالفة من تحقيق أي تقدم.
على جهة أخرى ذكرت صحيفة «يني شفق» التركية، أن «إسرائيل» تسعى إلى إقامة منطقة عازلة بمساحة 40 كم في القسم الجنوبي الغربي من الأراضي السورية، مما سيمهد لها الطريق للتوغل داخل المناطق المحاذية لمرتفعات الجولان المحتل، وذلك في اعقاب اعلان كل من المملكة الأردنية والكيان الإسرائيلي أنهما لن يفتحا الحدود أمام اللاجئين السوريين الفارين من المعارك.
330 ألف نازح
وحث مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين الأردن أمس الثلاثاء على فتح حدوده أمام السوريين الذين يحاولون الفرار من الصراع المتصاعد في منطقة درعا جنوب غربي البلاد.
وقالت ليز ثروسل المتحدثة باسم في إفادة صحافية «ندعو الحكومة الأردنية لإبقاء حدودها مفتوحة كما ندعو الدول الأخرى في المنطقة لتكثيف الجهود واستقبال المدنيين الفارين». بينما أكد الجيش الأردني على أن الحدود مقفلة أمام النازحين من درعا.
وفي آخر تقدير لها أفادت تقديرات أممية بأن عدد النازحين الفارين يتراوح بين 270 ألفاً و330 ألفاً. وقالت ثروسل، في مؤتمر صحافي بجنيف، إن الوضع في درعا «يزداد سوءاً بسبب التصعيد».
وقالت المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، بيتينا لوشر، إن عدد المدنيين النازحين في درعا يتراوح بين 270 ألفا و330 ألفا، وفق التقديرات. ولفتت إلى أن برنامج الأغذية تمكن من تقديم دعم غذائي عاجل لنحو 200 ألف نازح فقط في المنطقة، واصفة عملية النزوح في درعا بالأكبر في سوريا منذ بدء الحرب فيه.
كما صرح أندريه ماهيسيتش المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن بأن عدد الأشخاص الذين اضطروا للفرار من منازلهم في جنوب غربي سوريا نتيجة تصاعد القتال منذ أسبوعين ارتفع إلى 270 ألف شخص، وهو ما يتطابق مع تصريحات محمد الحواري المتحدث باسم المفوضية في الأردن الذي قال لرويترز إن أحدث أرقام لدى المنظمة الدولية تفيد بأن «عدد النازحين في الجـنوب السـوري تعـدى 270 ألفا».
الناشط السياسي السوري درويش خليفة يرى أن تفوق سلاح الجو الروسي على إمكانيات التشكيلات العسكرية للمعارضة، دائماً يجعل الكفة تميل لصالحه، ولكن تمسك ابناء حوران بأرضهم يجعلهم يصمدون ويكبدون النظام وحلفاءه المزيد من الخسائر البشريّة، والتي تضعف النظام وتؤثر في نفسيات عناصره، وهذا ما يجعل الروس يدخلون في ماراثون مفاوضات ولساعات طويلة مع لجنة المفاوضـات في حـوران.
وقال «خليفة» لـ «القدس العربي»: فرصة ابناء الجنوب السوري اليوم، تتمحور في كسب الوقت إلى حين اللقاء المرتقب بين ترامب وبوتين، فإن نجحت المعارضة بإفشال حملة سقوط المعبر إلى حين اللقاء، سيكون هنالك تحول دولي.
مضيفاً «في حال تم الاتفاق على وقف إطلاق نار فنحن على امل تدخل الدول المعنية في اتفاق خفض التصعيد، والضغط على الروس من أجل الحفاظ عليه (الاتفاق) وعلى ارواح سبعمائة الف سوري، ثلثهم اصبح على الحدود الأردنية، وثلث آخر اتجه نحو ريف القنيطرة المحرر».
التركيبة العشائرية في حوران، وفق خليفة، ترتكز على عقلية صلبة لا تحتمل المهادنة الا في حال كانت القوة العسكرية المستخدمة مدمرة وغير آبهة بأرواح المدنيين العزل، فهذا قد يضعف المفاوضين، وبالتالي نذهب باتجاه سيناريو التهجير المتبع في سوريا منذ كانون الأول/ديسمبر 2016 في حلب الشرقية مروراً بالغوطة وحمص والقلمون لاحقاً وباقي المناطق التي كانت تخضع لسيطرة فصائل الثورة.
وبينما يرى البعض ان مآلات الجنوب باتت محسومة بتسليم المنطقة إلى الروس، مع نشر حواجز مشتركة للشرطة العسكرية الروسية وأجهزة الأمن التابعة للنظام، يقول آخرون ان «ما أثبته مقاتلو درعا من صمود قد بدأ يؤثر على مواقف الدول التي أعطت ضوءًا أخضر لروسيا والأسد باجتياح وتدمير درعا، وهذا ما يتضح من إعادة طاولة المباحثات إلى العمل، ولكن ذلك يبقى مرهونا بثبات القوى المدنية والعسكرية في درعا والقنيطرة على موقفهم، وإظهار وحدتهم واتفاقهم على عدم قبول الشروط الروسية».