بلاش فلسفة!

حجم الخط
3

 

حذار أن تصدق هذا العنوان ـ أيها القارىء العزيز ـ حذار أن تنخدع به؛ فما أزدري في حياتي تعبيراً كما أزدري هذا التعبير، بل ما أعرف شيئاً أخطر على مجتمعنا الجديد وثورتنا من سيادة هذا التعبير: بلاش فلسفة.
حقاً، إننا نلوك هذا التعبير كل يوم. ورغم هذا، فلكل منا فلسفته، ولك انت ايها القارىء العزيز فلسفتك الخاصة أردت هذا أم لم ترد، ذلك أن لكل منا مسلكه في الحياة، إزاء عائلته، إزاء عمله، إزاء مجتمعه، لكل منا نظرته إلى الناس والكون، لكل منا قاعدته التي يزن بها الأمور، وزاويته التي يحكم بها على أحداث الحياة؛ والفلسفة ـ ببساطة ـ ليست إلا هذه النظرة الشاملة، ولعلك قد امتصصت هذه الفلسفة، هذه النظرة الشاملة منذ الدقائق والساعات والأيام الأولى من حياتك، امتصصتها من وضعك الاجتماعي، ومن قراءتك العفوية، ومن خبراتك العلمية، ومن ملابسات عملك وحياتك الخاصة، من السينما والمسرح، من الأحزان والمباهج، من الأصدقاء والخصوم، من الانتصارات والهزائم، من تيار الحياة المتدفق حولك بغير انقطاع، إنك تمتص الفلسفة وتتنفسها وتعيشها كل دقيقة من حياتك بوعي أو بغير وعي. والمشكلة هي.. أي نوع من الفلسفة تتنفسها وتعيشها؟ قد تكون ـ دون أن تدري ـ من أنصار سارتر، أو وليم جيمس، أو برجسون، أو ماركس، أو محيي الدين بن عربي، أو ابن رشد. قد تكون وجودياً مثل الدكتور عبد الرحمن بدوي، أو «جوانياً» مثل الدكتور عثمان أمين، أو «وضعياً منطقياً» مثل الدكتور زكي نجيب محمود، أو «تكاملياً» مثل الدكتور يوسف مراد، أو فرويدياً مثل الدكتور مصطفى زيور، وقد تكون تواكلياً وقد تكون إيجابياً، وقد تكون من أنصار الشطحات الصوفية، أو من أتباع الموضوعية العلمية، وقد تكون رؤياك الفلسفية رؤيا متناقضة، وهي خليط من هنا وهناك وهذا وذاك، لا تجمعهما وحدة واضحة.. وقد تكون.. وقد تكون..
ألست في حاجة إلى أن تقف موقفاً نقدياً واعياً من هذه الفلسفة التي تتنفسها كل يوم؟ وأن تسأل نفسك.. ماذا وراء مسلكي اليومي، ماذا وراء أحكامي المتناثرة التي ألقيها جزافاً هنا وهناك.. ماذا يجمعها.. ماذا يوحدها.. ما قيمتها.. ما حقيقتها؟ هذا الموقف النقدي من نفسك وفكرك.. أنت وأنا والناس جميعاً مطالبون به دائماً؛ إنه ضمان لتجديد الفكر بل لتجديد الحياة نفسها.. وهو انتقال بالفلسفة التي تتنفسها إلى مرحلة الوعي والوضوح والنضوج.
ولكن ماذا وراء «بلاش فلسفة»؟ كيف شاع هذا التعبير؟ الحق أن هناك ما يغذيه دائماً في وجداننا، فما أكثر الفلسفات التي ينبغي أن نقول إزاءها: بلاش فلسفة!
ولكنّ هناك فارقاً كبيراً بين أن نقول بلاش هذه الفلسفة وبين أن نقول بلاش فلسفة أصلاً! نعم بلاش فلسفة إذا كانت الفلسفة ترفاً عقلياً خالصاً، أبعد ما يكون عن الصدق الموضوعي وحياة الناس، بلاش فلسفة إذا كانت الفلسفة تعقيداً لغوياً، وخلافات شكلية، وتهميشاً على التهميش إلى غير حدّ وإلى غير حلّ، بلاش فلسفة حقاً إذا كانت الفلسفة هي التنكر للإنسان، هي العزلة عن الحياة، هي التناقض مع التقدم البشري، هي التعالي على المصير، وهي التغرّب عن مسؤوليات العصر وحقائقه.
من فلسفات كهذه نشأت كلمة «بلاش فلسفة» في حياتنا. إن تراثنا العربي الإسلامي يزخر بأرقى ما وصل إليه الفكر البشري من إضافات فكرية وفلسفية، لقد استطاع وهج الفلسفة العربية الإسلامية أن يضيء أوروبا في عصور الظلام، وأن يفجّر عصراً جديداً للنهضة الفكرية والفلسفية والعلمية والأدبية والفنية في أوروبا، ما كان أروع عالمنا وفيلسوفنا القديم وهو يقطع آلاف الفراسخ ويواجه آلاف العقبات يعاني الفاقة والمحن، ونزوات الحكام وتداول السلطان، دون أن يكلّ أو يملّ عن مواصلة طريق الحقيقة.
ما أعظم ما وصل إليه من حقائق باقية لا في الفلسفة التأملية الخالصة فحسب بل في العلوم التجريبية كذلك، في البصريات والفلك والطب والرياضة والاجتماع. بل كاد أن يطل بأشواقه الفكرية على العقول الالكترونية! أين آثار هذه الفلسفة العريقة في حياتنا المعاصرة، أين امتدادها الحي في ضمائرنا ووجداناتنا وأفكارنا؟ إن ما تبقى منها رغم مياه دجلة، وحملات النهب والإغارة والإهمال والتشتت، كنوز غالية عزيزة، ولكنها مطمورة خلف الدراسات الفقهية، والتهميشات الشكلية والتفسيرات البعيدة عن روح الجديد الدائم فيها. حقاً، هنالك جهود عظيمة موفقة، قام بها المستشرقون وأساتذتنا وعلماؤنا من أبناء شعبنا العربي، من أجل إحياء هذا التراث وتحقيقه ونشره، إلا أنه لم ينل بعد ما يستحقه من تفهم عميق وتفسير حضاري سليم؛ فالحقيقة أن الفلسفة العربية الإسلامية ليست مجرد صدى لفلسفة اليونان والرومان كما يقول البعض، وليست مجرد توفيق بين الدين والفلسفة كما يقول البعض الآخر، وإنما كانت تعبّر عن أشواق عصر، واحتياجات حضارة، وقيم مجتمع جديد، إلى جانب تأثرها بالروافد اليونانية أو الرومانية أو الهندية أو الفارسية، كانت الفلسفة العربية الإسلامية صدى للحياة العربية الإسلامية أساساً، وكانت معركة من معارك هذه الحضارة الجديدة. أين هذه الفلسفة من تاريخنا المعاصر، من بنائنا لحياتنا الجديدة. لم تصبح غذاءً لها ـ وما أقدرها على ذلك ـ بل اصبحت صنواً لكل ما هو مغرب ملغز، لكل ما هو معقد وشكلي ومعزول عن الحياة. فإذا عرضته على الناس كان من حقهم أن يقولوا: بلاش فلسفة!
ما أحوجنا إلى إحياء تراثنا الفلسفي القديم لا بتحقيق النصوص فحسب، بل باكتشاف ما هو جوهري وإنساني وجديد فيها، ما أحوجنا أن يصبح هذا التراث رافداً من روافد فكرنا المعاصر، وغذاء لوجداننا الجديد.

من «معارك فكرية»، 1970

نزيل المعتقلات.. طريد الصحف!

كثيرة هي المفارقات التي اكتنفت حياة الناقد والمفكر اليساري المصري (1922 ـ 2009)؛ ولكنّ لعلّ أبرزها أنه ذاق طعم الاعتقال في معظم سجون مصر، من الواحات إلى قراميدان إلى القلعة وأبو زعبل وليمان طرة، مروراً بالحضرة في الإسكندرية؛ والمفارقة الثانية أنه ضرب رقماً قياسياً في الفصل من الوظائف، في الصحف والمجلات بصفة خاصة: من «الوفد المصري» إلى «الرسالة الجديدة» و»المصور» و»أخبار اليوم»، حيث كانت مواقفه السياسية الناقدة، اليسارية والتقدمية، حتى من داخل «التنظيم الطليعي»، هي السبب المباشر وراء الإقالة.
كذلك كانت شراكته الفكرية مع عبد العظيم أنيس، خاصة في كتابهما المشترك «في الثقافة المصرية»، عنصراً حيوياً في تطوير السجالات المختلفة، في الفكر والثقافة والسياسة والاجتماع؛ وتحديداً من خلال اعتراضهما على أفكار طه حسين حول الأدب، والتي كانت واحدة من أبكر المواجهات بين نقد أدبي ماركسي وآخر جمالي ليبرالي. وأمّا اشتغاله على الموضوعات الفلسفية العويصة، وتيسير شروحاتها، من منطلقات يسارية غالباً؛ فقد كانت أطروحته للماجستير، حول «فلسفة المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية»، ثمّ تطويرها في بحث الدكتوراه حول الضرورة في العلوم الإنسانية؛ تطوّراً جديداً تماماً في منهجيات البحث لدى الماركسيين العرب.
نشر العالم عشرات الأعمال، في الفكر والفلسفة والنقد الأدبي، بينها «ألوان من القصة المصرية»، كتابه الأول الذي صدر سنة 1955 وقدّم له طه حسين؛ و»معارك فكرية»، «الثقافة والثورة»، «تأملات في عالم نجيب محفوظ»، «فلسفة المصادفة»، «هربرث ماركيوز أو فلسفة الطريق المسدود»، «الإنسان موقف»، «الرحلة إلى الآخرين»، «الوجه والقناع في المسرح العربي المعاصر»، «البحث عن أوروبا»، «توفيق الحكيم مفكِّراً فناناً»، «ثلاثية الرفض والهزيمة: دراسة نقدية لثلاث روايات لصنع الله ابراهيم»، «الوعي والوعي الزائف»، «في الفكر العربي المعاصر»، «الماركسيون العرب والوحدة العربية»، «مفاهيم وقضايا إشكالية»، «البنية والدلالة – في الرواية العربية المعاصرة»، «الفكر العربي بين الخصوصية والكونية»، «مواقف نقدية من التراث»، «الإبداع والدلالة: مقاربات نظرية وتطبيقية»، وسواها.

محمود أمين العالم

اشترك في قائمتنا البريدية