تتكاثر هذه الأيام الكتب والدراسات التي تنتقد سياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ومنها ما يعتمد الانحياز وسياسة المحاور الترويجية التي أعتُمدت خلال الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي، من جهة، والشيوعي ـ السوفييتي، من جهة أخرى، ومنها مراجع تحاول اعتماد الموضوعية في مواقفها وتحليلاتها ولكنها قد تقع في مصيدة الانحياز في أكثر من مكان.
ويندرج كتاب «روسيا والفوضى الجديدة في العالم» (Russia and the New World Disorder) لكاتبه الدبلوماسي الاسترالي السابق والأكاديمي والباحث المرموق المختص في الشأن الروسي بوبو لو في المجموعة الثانية. أي أنه يتضمن تحليلا ووقائع ومقترحات عميقة ومفيدة ولكنه في الوقت نفسه قد يبالغ في انتقاد النظام الروسي بقيادة بوتين وتحجيم دوره.
المقاربة الأساسية التي يطرحها الكاتب في القسم الأول من كتابه هي أن بوتين يبالغ في الاعتقاد أن روسيا هي دولة عظمى توازي في أهميتها أمريكا وأنه يجب أن تكون لها حصة في كل قرار دولي رئيسي يُتخذ في العالم أكان ذلك في أوكرانيا أو سوريا أو أي مكان في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، بينما الواقع يشير إلى أنها بالفعل قوة عسكرية يجب أن يُحسب لها الحساب، ولكنها اقتصاديا ليست في هذه القوة الضخمة وهي تعتمد على العالم الحر والصين وأوروبا، وبالتالي عليها الاستمرار في الانفتاح على باقي الدول العالمية القوية اقتصادياً، وإلا ستواجه الأزمات الخطيرة.
الرئيس بوتين ما زال، في رأي المؤلف، يعتبر تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، الذي كان هو أحد أركان جهازه الأمني، كارثة. وما زال يتصرف في بعض الأحيان وكأن روسيا هي الاتحاد السوفييتي، في وقت اتجهت فيه دول كانت تابعة للاتحاد السوفييتي أو كانت تدور في فلكه إلى المعسكر الغربي، وتسعى إلى توثيق علاقاتها الاقتصادية والسياسية معه، وبالتالي، فان روسيا تنتقل من نزاع مع جورجيا إلى صراع مع أوكرانيا إلى تحديات مع بولندا، وحاليا تواجه مشاكل في علاقاتها مع دول أخرى في العالم بينما موسكو تقدم إلى الواجهة العالمية صورة مختلفة، حسب الكاتب.
يؤكد المؤلف أن دول الاتحاد السوفييتي السابق نالت استقلالها الفعلي منذ عشرين عاماً تقريباً، وهي ترغب في الاستمرار في هذه الاستقلالية مع الاحتفاظ بعلاقة طبيعية مع روسيا. وعلى بوتين والقيادة الروسية، في رأيه، أن يدركا هذا الواقع الجديد للعالم، وذلك ليس بتكرار ما فعله الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن أي الانبطاح في أحضان الغرب، ولا في العودة إلى السياسات السوفييتية التي تدّعي أن أمريكا وأوروبا والعالم الغربي في حالة أنهيار وعلينا تحديها. وبالتالي، فان الخطر على روسيا لا يأتي من التعاون الأمريكي والأوروبي مع دول أوروبا الشرقية على شتى الأصعدة (بما في ذلك عسكرياً) ولكن من حالة عدم الاستقرار في الدول المجاورة لروسيا، وانتشار أسلحة الدمار الشامل في دول قد تستخدمها، ولدى منظمات متطرفة.
الفصل الأهم في الكتاب هو الفصل السابع (في القسم الثالث منه) بعنوان «سياسة خارجية جديدة لروسيا». وهنا يطرح الكاتب سؤالين أولهما: لماذا هناك حاجة لتغيير هذه السياسة؟ والثاني، كيف سيتم هذا التغيير؟ وهنا يبالغ بوبو لو في وصف حالة الانحدار التي وصلت إليها روسيا بعد انتهاء الحرب الباردة ويخلط مرحلتي يلتسن وبوتين، فيقول ان «روسيا بعدما كانت القوة العظمى الثانية بعد أمريكا خلال وجود الاتحاد السوفييتي أصبحت بعد سقوطه دولة اقليمية عادية لديها اهتمامات دولية، ولم تعد تهدد العالم كما كانت سابقا وفقدت أهميتها ونفوذها، حتى برغم محاولات بوتين أستعادة هذا النفوذ».
ويضيف أن كل ما نفذته على الأرض من «نجاحات» اقتصر على حربها على جورجيا وضمها منطقة (القرم) في شرق أوكرانيا إلى نفوذها بالقوة، بالأضافة إلى إفشالها، حتى الساعة، المشروع الأمريكي الغربي في سوريا الذي كان ربما شمل تدخلاً عسكريا ضد نظام الرئيس بشار الأسد بحجة استخدامه الأسلحة الكيميائية.
ويعتبر المؤلف أن روسيا ساهمت في إفشال مشاريع إدارة أزمات الشرق الأوسط الخطيرة إذ ترى أن دعمها لنظام بشار الأسد ساهم في زيادة حدّة الحرب في سوريا وأدى دوراً في نشوء «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
كما أن وجود روسيا السياسي والاقتصادي في آسيا محدود نسبياً، برأيه، والاهتمام بالدور الروسي في آسيا سطحي ومنخفض نسبياً. ويشير إلى أن ليس لدى روسيا الكثير من الأصدقاء في العالم، ويقتصر هذا الأمر على دول تطرح الأسئلة حولها وحول قدراتها ومواقفها كفنزويلا ونيكاراغوا وزيمبابوي وبيلاروسيا والسودان وسوريا. ويضيف قائلا انه مع أن روسيا تملك علاقات طبيعية مع الصين والهند، ولكن بالنسبة لهذين العملاقين الاقتصاديين فعلاقتهما بموسكو تحتل مرتبة ثانوية مقارنة مع علاقتهما بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويطرح الأسئلة حول العلاقة الصينية ـ الروسية الاستراتيجية. وفي هذه المواقف نوع من المبالغة.
ونفوذ روسيا العالمي الباقي، برأي المؤلف، كونها احدى الدول الخمس في العالم التي تملك حق «الفيتو» في مجلس الأمن. وهذا الأمر في رأيه لا يريح الكثيرين لأنه يعرقل بعض المبادرات الدولية الهامة.
ونتيجة لكل هذه الأمور يرى الكاتب ضرورة حصول تبديل في سياسة روسيا الخارجية للتكيف مع متطلبات ما يسميه «عالم الفوضى الجديد» بدلا من النظام العالمي الجديد. وهذه السياسة الجديدة يجب أن تكون فعالة وقادرة على تحقيق أهدافها وذلك يشمل التعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين من أجل تأمين سلام واستقرار روسيا والعالم والنمو الاقتصادي الشامل للجميع. وبدلاً من اعتماد سياسة سلبية ضد أي خطوة يتخذها الغرب من المجالين السياسي والعسكري، وفي المشاريع الاقتصادية، على روسيا اعتماد الايجابية لأن السلبية، في رأي الكاتب، هي من شيم الدول الذاهبة نحو الانحدار، والتي تخشى المصير السيئ الذي ينتظرها.
ومن هذا الباب يفسّر بوبو لو المراحل المختلفة في العلاقة الروسية ـ الأمريكية. ويعتبر أن خشية روسيا من توسيع رقعة منظمة «حلف شمالي الأطلسي (الناتو) ونشر الصواريخ يجب أن تواجه بمشاريع ايجابية من الجانب الروسي، كالتعاون في عملية عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل في إيران وكوريا الشمالية وعدم تشجيع حركات التمرد في العراق وأفغانستان والتنسيق بشأن أمن شرقي آسيا. وهذا سيجعل الدورين الروسي والأمريكي في الخط نفسه ويزيد التفاهم.
ويقول في هذا المجال ان مساهمة موسكو عام 2013 في قضية الأسلحة النووية في سوريا اندرجت في هذا المجال الايجابي من التعاون الدولي.
فبعد اقناعها الرئيس الأسد بالتخلي عن الأسلحة الكيميائية، وضع بوتين نفسه في موضع قوي بالنسبة للأمن العالمي والاستقرار الأقليمي.
ولعل أسئلة تطرح حاليا، ولم تتم الأجابة عليها حول كيف سيكون موقف روسيا من الاتفاق النووي الدولي مع ايران؟ وحتى الساعة تبدو التوجهات إيجابية في هذا المجال.
ويطرح الكاتب قضية الطاقة في روسيا مشيرا إلى أن بوتين لم يقم بخيارات صعبة في هذا المجال كفرض أحكام القانون والاصلاحات التي تفيد الدولة وعلاقاتها بجيرانها. فعلى موسكو أن تتصرف كدولة موردة للطاقة للدول الأوروبية والدول المجاورة بطريقة يمكن الاعتماد عليها، وألا تستخدم طاقتها لتهديد هذه الدول وجعلها تحاول العثور على مصادر أخرى للاستيراد في حال قطعت روسيا عنها الطاقة لأسباب سياسية.
والخلاصة أن الكاتب يطرح على روسيا فكرة انشاء علاقات فاعلة مع العالم الغربي في هذه المرحلة السيئة من الفوضى في شتى المجالات التي يمر بها العالم عموماً.
ويشدد بوبو لو على ضرورة ممارسة روسيا دوراً ايجابياً في حل أزمة الحرب الأهلية السورية وفي مواكبة ودعم الاتفاق النووي الدولي مع إيران.
ودور روسيا في رأيه ينحصر في التأثير على عمليتي اتخاذ القرارات في السلطتين السورية والإيرانية، وهذا أمر يصعب عليها فعله والنجاح فيه. ولكن على روسيا أن تظهر المزيد من المرونة، حسب المؤلف، عندما تُطرح المواقف الصعبة. فمثلا، يقترح لو الا تتخذ روسيا موقفاً منحازاً لجهة أو لأخرى في هذا المجال وأن تأخذ في الاعتبار حاجات ومتطلبات الجهات المتنازعة، وبالتالي ستصبح الوسيط النزيه. كما عليها عدم القبول بخروج أي لاعب رئيسي من اللعبة التفاوضية (كتركيا مثلا).
ويشير في هذا المجال إلى أن بوتين كلف بعض الشخصيات التي لها استقلاليتها وخبرتها للاشراف على قضية معالجة الأزمة السورية لأنه أعتبر أنها تمتلك الكفاءة اللازمة لهذا الدور. وبين هؤلاء وزير الخارجية سيرغي لافروف، الذي يثق بوتين به، وبالتالي يعطيه القدرة على أخذ القرارات بنفسه. وكان للافروف الدور الرئيسي في قضية الأسلحة الكيميائية في سوريا وفي اقناع أمريكا بعدم القيام بعمل عسكري متسرع في سوريا، حسب المؤلف.
ويورد المؤلف أسماء شخصيات أساسية في مجال اتخاذ القرارات في روسيا، تحيط بالرئيس بوتين وتملك ثقته وبعضها قلما يسمع بهم في وسائط الإعلام. وهنا تبرز الإفادة الأخرى من قراءة الكتاب.
وأخيراً، من المفيد الإشارة إلى أن الكاتب بوبو لو قدم كتابه في ندوة في لندن مؤخراً وطرح فيها بعض الآراء المفيدة، وبينها أن الرئيس بوتين يعتقد أن ثلاث دول كبرى في العالم تدير شؤون البشرية وهي أمريكا والصين وروسيا. ولكن الكاتب اعتبر أن روسيا تبالغ في تقدير قوتها واعتقادها أن بامكانها تطوير وتقوية مجموعة دول «البريكس» لمصلحتها وعلى حساب دول الـ(G8) كما كان يفعل الاتحاد السوفييتي في فترة علاقته القوية بمجموعة دول عدم الانحياز.
وأشار الكاتب إلى أن دول «البريكس» والعملاقتين الصين والهند تهمها إلى درجة كبيرة علاقتها بأمريكا وأوروبا. وأن الصين أصبحت قوية اقتصادياً إلى درجة أن روسيا بحاجة إليها، أكثر من عكس ذلك.
كما اعتبر أن بعض الدول الصغيرة، ولكن القوية اقتصاديا، أصبحت تحاول ممارسة بعض الاستقلالية عن قرارات الدول الكبرى إلى درجة أكبر من الماضي. وهذا الأمر تجلى في أزمات الشرق الأوسط الأخيرة، وفي تحركات دول الاتحاد السوفييتي السابق المجاورة لروسيا.
Bobo Lo: Russia and the New World Disorder.
Brookings Institution Press, 2015
336 pages
سمير ناصيف