يزعم بعض من لا يعلمون حقيقة جهاد الشعب الليبي عن وطنه وحريته أن استقلال ليبيا كان منحة من هيئة الأمم المتحدة.
ومعنى هذا أن الشعب الليبي لم يقدم من التضحية ما يستحق به الاستقلال. وسنعرض ـ في كلمات قليلة ـ بعض أعماله، في ثوراته على الحكم التركي، وفي حروبه مع الطليان، لنعلم القليل مما ضحى به، للحصول على الحرية ودفع الظلم.
منذ ثلاثمائة سنة والليبيون في صراع مرير مع الترك للتخلص من ظلمهم واستبدادهم، وفساد حكمهم.
وقد ثار عليهم الليبيون أكثر من ثلاثين سنة في فترات من الزمن متتابعة، قام بها رؤساء القبائل في كل من طرابلس وبرقة. وما كان السكوت عن الثورة في بعض الأحيان إلا انتظاراً للفرص والظروف المواتية.
واستمر الترك في حكمهم الفاسد: فوضى في الحكم، وسلب الأموال بالضرائب الفادحة، والغصب، وعدم الاهتمام بالإصلاح، ففشى في الشعب الجهل لعدم [وجود] المدارس، وتمكن فيه الفقر لقلة التجارة والزراعة، وانعدمت الصناعة، وكثرت فيه الأمراض لقلة الأطباء، واصبح في حالة دونها كل ما يتصوره الانسان من حالات البؤس.
وجاء الاحتلال الإيطالي في اكتوبر سنة 1911 وقد هيأت له تركيا جميع الوسائل التي تسهل عليه احتلال ليبيا. فسحبت جيوشها وسلاحها، وبقي الشعب في فقره، وجهله، ومرضه، وقلة وسائل دفاعه. بقي وحده أمام الحقيقة الرهيبة: جيوش جرارة، وأساطيل مدمرة، وطائرات تدك القرى والمدن بقنابلها.
فهل قصّر الشعب في الدفاع عن وطنه؟ وهل قعد به فقره وجهله عن القيام في وجه العدو الغاصب؟ كلا. بل هبّ هبة رجل واحد من حدود مصر إلى حدود تونس، برجاله، ونسائه، ودافع بالعصي، والسيوف، البنادق، وأكل الحشيش، والبلح الشيص، وافترش الأرض، والتحف السماء، ووقف أمام العدو في خط واحد، يبتديء من قصر بوكماش غرباً، وينتهي في بردى سليمان شرقاُ.
وشكّل إدارات تقوم على شؤون المجاهدين. وبقي الطليان ثلاث عشرة سنة لم يتجاوزوا ما احتلوه مسافة رمي المدفع.
وفي سنة 1913 وصلوا إلى فزان وثار عليهم المجاهدون في نوفمبر سنة 1914 وأجلوهم عن فزان، وركبوا أقفيتهم في الصحراء فلا تمرّ بمكان فيها إلا وجدت فيه جثثاً من قتلى الإيطاليين، وانكمشوا في الساحل كما كانوا.
واستمرت حربنا مع الإيطاليين نحو عشرين سنة، والإيطاليون يرمون في لهبها بما لديهم من جيوش جرارة، وأساطيل مدمرة، وطائرات مهلكة، والليبيون أمامهم وجهاً لوجه، يديرون شؤونهم المدنية والعسكرية وحدهم، منقطعين عن جميع العالم، ليس لهم مورد من المال إلا ما تنتجه سواعدهم، وليس لهم من العتاد الحربي إلا ما يغنمونه من عدوهم.
وبمناسبة تسمية كتابنا «جهاد الأبطال»، أحببت أن أقول كلمة في الأبطال. وقد ظهر لي مما درست من أنواع البطولة أن الأبطال ثلاثة:
1 ـ رجل تتوالى عليه الكوارث والنكبات فترغمه على إعداد نفسه لمواجهتها بما يدفعها عنه، لا يبالي طريق الموت أو غيره متى كان ذلك موصلاً إلى الدفاع عن نفسه. وقد يكون في طبيعة هذا الرجل الرضا بما يتيسر له من طرق الحياة، ولكن قسوة الحياة هي التي جعلت منه أسداً غاضباً، وجعلت من اطمئنانه إلى الحياة اطمئناناً إلى الموت لا يدانيه في أبشع صورة متى ما أحسّ بضيم أو هوان.
2 ـ ورجل نشأ منذ نعومة اظفاره في بيئة لها أعداء كثيرون، تقاتل هذا، وتغزو ذاك، وتتعرض لكل من تطالبه بثأر لتثأر منه، كما تحذر كل من يطالبها بثأر لتدفع عن نفسها الشرّ، وهكذا دواليك، صراع مستمر، وكفاح لا ينقطع، وكل هذا يقع على مرأى منه ومسمع، فيقع نظره على الجريح تثجّ دماؤه، وعلى عضو مبتور، ورأس مهشم، وعلى قتيل هنا وقتلى هناك، ويرى جماعات تجمعت لإنقاذ فضيلة أو دفع رذيلة، وتصاحبه هذه المناظر من طفولته إلى كهولته، ويباشر منها في أطوار حياته ما تمكنه مباشرته، فتنطبع في نفسه هذه الصور على مختلف أشكالها، فيعتاد اقتحام المهالك، وتصبح البطولة سجية له. وأكثر ما يكون هذا في القبائل البدوية. وقد يكون هذا في الجيوش الدولية، فيصبح الجندي بطلاً بعد أن قضى شطراً من حياته وادعاً، وذلك بتأثير ما أحاطته به البيئة من آلات القتل، وما صاحبه من النصر في معامع الحروب.
3 ـ ورجل غُرس في نفسه النزوع إلى المعالي فهو دائب البحث عنها، فأينما عنّت له من طريق القلم أو السيف دفع بنفسه إليها، لا يبالي تخطفته السيوف أو أثخنته الجراح. وهو لا يرى فيما يعترضه دونها صعاب إلا ما يحفز همته ليقتحم عليها معاقلها، ولا يبالي أوقع على الموت أو وقع الموت عليه. قد يحتاج هذا النوع إلى كبح جماح النفس إلى البغي والاعتداء وإلى رياضتها على ما تقتضيه الفضيلة ومكارم الأخلاق.
ونحن واجدون في أبطال طرابلس من تكونت بطولته على نحو من هذه النماذج الثلاثة. وقد وجدوا في الحرب الطرابلسية ميداناً لإبراز ما اضفته عليهم بيئات العز والنفوس الكبيرة، فكانوا في طليعة من أدّوا للوطن واجبه. وقد وجب لهم علينا تخليد الذكر، والاعتراف بالجميل.
من «جهاد الأبطال في طرابلس الغرب»، 1950
شيخ المعارضين
قارىء تصنيف الأبطال كما استخلصه، في النصّ أعلاه، الشيخ (1890 ـ 1986)، يحار في البُعد النفسي للأصناف الثلاثة؛ خاصة حين تأتي من شيخ انشغل بالتاريخ واللغة والفقه، في ليبيا مطالع القرن الماضي، وفي أزمنة لم تكن مقولات علم النفس قد بلغت رجال الدين العرب تحديداً. بيد أنّ الحيرة سرعان ما تتبدد، تدريجياً، مع الفصول المتعاقبة من الكتاب الذي احتوى ذلك التصنيف؛ فيتضح أنّ الشيخ أحد كبار النماذج على تلك الشريحة المبكرة من إنتلجنسيا عربية مسلمة، وطنية ومستنيرة وإصلاحية، هي التي صارت مادة تحليلية مفضّلة في ذلك الحقل التنظيري والتطبيقي الهامّ الذي سُمّي «دراسات ما بعد الاستعمار»، وكان إدوارد سعيد أحد كبار روّاده.
والشيخ الزاوي استحق، بجدارة، لقب «شيخ المعارضين»؛ لأنه شارك في المقاومة ضدّ العثمانيين، والاستعمار الإيطالي، والتواطؤ البريطاني؛ كما جاهر بالعداء لسياسات إدريس السنوسي، وأنماط الفساد التي انساق إليها بعض السنوسيين؛ وحين حاول معمر القذافي استمالته بتعيينه في منصب مفتي ليبيا، تحوّلت دار الإفتاء على يديه إلى مصدر معارضة دؤوبة، خاصة لأفكار القذافي حول القرآن والحديث والفقه، فتكالبت عليه أجهزة السلطة ووسائل إعلامها وأزلامها، فاستقال من الإفتاء سنة 1983. ولعلّ دراسة الزاوي في الازهر، ثمّ إقامته الطويلة في مصر، على دفعتين (فصلت بينهما عودته إلى طرابلس، سنة 1919، للمشاركة في الكفاح ضدّ الاستعمار)؛ قد شحذت في نفسه حسّ المعارضة ذاك، كما طوّرت أدواته في التحليل والكتابة والسجال، فتعددت موضوعاته، وتنوّعت الحقول التي خاض فيها وتألق. ومن المفارقات أنّ الزاوي، هذا المناضل العنيد ضدّ الاستعمار الإيطالي، حُرم من العودة إلى وطنه ليبيا بعد الاستقلال، وذلك بسبب مواقفه المعارضة لحكّام وساسة البلد في طور ما بعد الاستعمار. وهكذا تغرّب الشيخ، بين مصر والسعودية، باحثاً عن لقمة العيش وحرّية التعبير، متخذاً لنفسه مسافة نقدية عن السلطة، تكفي لكي يقول رأيه بشجاعة وكرامة.
لافت، إلى هذا، أنّ الشيخ الزاوي وضع بعض مؤلفاته باسماء مستعارة، مثل «عمر المختار»، لأنه احتوى على نقد لاذع للسنوسيين، وتسبب في خلاف شديد معهم؛ و»نبذة عن أعمال إيطاليا في طرابلس الغرب»، الذي صدر في القاهرة. وبين أبرز أعماله في التحقيق اللغوي والأدبي: «ترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير وأساس البلاغة»، و»مختار القاموس: مرتب على طريقة مختار الصحاح والمصباح المنير»، و»الكشكول»، لبهاء الدين العاملي، و»النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير الجزري، وديوان «البهلول الليبي»، وسواها.
الطاهر أحمد الزاوي