محمد عبد الرحيم
كتب صنع الله إبراهيم روايته الأولى «تلك الرائحة» في العام 1966، وهي الرواية التي أحدثت حالة جديدة في الأدب العربي، من حيث الأسلوب والبناء السردي، والموضوع بطبيعة الحال. والتي لم تصدر في طبعتها الكاملة ــ بعد مصادرتها ــ إلا عام 1986.
وفي العدد الأخير من دورية عالم الكتاب (عدد يوليو/أغسطس 2015) تم نشر رواية بعنوان «67» لصنع الله إبراهيم، وهي الرواية التي كتبها أثناء وجوده في بيروت، وانتهى منها في 19 اب/أغسطس 1968، كما هو مُثبت في النص. مجرّد عام فقط على هزيمة حزيران/يونيو 1967 قد مرّ، ليكتب إبراهيم روايته، وما بين الإحساس بوقوع الفعل ــ تلك الرائحة ــ وتحققه، تأتي رواية «67»، التي تحاول رســـم صــورة لمناخ عام، ما بين شخصيات تشعر دوماً بخوف، وتسعى إلى عزلتها، رغم الصخب الذي تحاول خلقه حولها.
الصخب
يبدأ الراوي افتتاح الرواية بمشهد لحفل رأس السنة في ذلك الوقت، حيث جمع من الأصدقاء يبدون في احتفالهم بمنزل شقيق الراوي، لتبدأ شبكة العلاقات بين الشخصيات، خاصة زوجة الأخ، التي تظل الشخصية المحورية، التي يكاد يبدو الراوي وأفعاله من خلالها، علاقتها المتوترة بزوجها، وإعجاب أحد الأصدقاء بها، وشعورها بمراقبة زوجها، وهي تراقص أحدهم، أو تراقص الراوي نفسه .. «لو عرفتك قبل أن تتزوجي أخي لتزوجتك أنا. قالت: ما كنت سأنظر إليك وقتها لأنك كنت صغيراً. ضممتها إليّ حتى التصق جسدانا، وأسندتُ خدّي إلى خدّها. قلت: ليس الفارق في السن بيننا كبيراً. سنتان فقط. خلال شهور قليلة سأتم الثلاثين، نظرت إلى عينيّ وابتسمت وقالت: ضمني أكثر … وضغطت زوجة أخي يدها فجأة مُحذرة قائلة إن أخي ينظر إلينا». حالة التوتر هذه ستمتد طوال الرواية، خاصة وقد بدأت العلاقة بين الراوي وزوجة أخيه بالتطور السريع، الذي انتهى بهما إلى علاقة حميمة، سواء في منزل أحد أصدقاء الراوي، أو في منزل الأخ أثناء غيبته، والراوي يعيش معهما بالمنزل، وكلما حاول الابتعاد عن هذه العلاقة، يذهب إلى منزل أحد الأصدقاء، لكنه في الوقت نفسه يدعو زوجة أخيه، وهكذا تخلق حالة الخوف والقلق من اكتشاف الأمر حالة منقوصة دوماً من الحب، فلا يكون الهدوء أو التحقق إلا خلسة، لكن حتى تفاصيل جسد الزوجة لم يكن يراها الراوي إلا من خلال صورة غائمة، ربما كان وصفه للتخلص من توتر رغبته ــ سياسة الاعتماد على النفس، كما ذكرها صنع الله إبراهيم في رواية، واصفاً حالة البطل ــ كان وصفها أكثر يقيناً من جسد لم ينكشف له عارياً إلا في المرّة الأخيرة من لقائهما. ورغم تحقق الراوي معها، إلا أنه في علاقاته الأخرى يبدو غير ذلك تماماً، ويبدو فشله مع صديقته التي أتاحت له خريطتها عدا صدرها .. «وعندما حاولتُ أن ألمس صدرها رفضت، لكنها تركتني أعبث بكل مكان آخر في جسدها. وقالت إنها طوع أمري لو شئت أن أجعل منها امرأة. وكنتُ مشدوداً، لكني لم أتمكن منها … وحاولت مرّة أخرى لكني لم أكن قوياً بما فيه الكفاية. وحاولت من جديد أن أنتهي بأي شكل، ففشلت أيضاً». فثيمة الجنس هنا والعلاقة التي كان يريدها الراوي أن تتحقق وكأنها المأمن من كل ما يحيطه، مجرّد التلامسات المتبادلة وزوجة الأخ، سواء في المخبأ هرباً من الغارات، أو في البلكون لحظة الصمت والسكون التام والخوف الدائم. مع ملاحظة أن الكتاب الوحيد الذي أكمل الراوي قراءته هو كتاب عن «غوغان» ليبدو مدى العالم الحِسي الذي يلجأ إليه الراوي، فرسومات غوغان وفراره بدوره من عالمه إلى عالم آخر لم يزل يحيا وفق قوانينه الطبيعية، يعد مظهراً آخر لرفض واقع الراوي ومحاولته الانعزال عنه وتجنبه قدر الإمكان.
الواقع
هناك دوماً حالة من الشك في ما يحدث، والإحساس بحالة من كشف الزيف ولو عَرَضاً، ودون وعي، ولا يأتي ذلك إلا من خلال الفن، وتمثل الأمر بخلاف العلاقات المبتورة وما شابه في حالة الفنان التشكيلي صديق الراوي «كامل»، الذي يأتي ذكره في بداية الرواية بزيارة إلى معرضه والتعليق على لوحاته، فيشهد الراوي ذلك بنفسه .. «لم يكن بصالة العرض أحد غير كامل نفسه جالساً أمام دفتر كبير، أُعد لتدوَّن به مُلاحظات الزائرين، وكانت لوحاته تغطي عدة جدران وكلها عن السد العالي. وبعضها كان اسكتشات صغيرة للنيل والآلات وهي تنتزع الصخر من الجبل ولمبنى محطة الكهرباء الضخم. توقفت أمام لوحة كبيرة لم تكن بها غير خيوط ملونة كخصلة شعر هائلة تقترب من بعضها في أحد الأمكنة، وتكاد تتلامس ثم تتباعد فجأة وهي في حالة تموّج وحركة طول الوقت». وقرب نهاية الرواية تتحدد أكثر حالة الفنان التشكيلي، وهنا يكتفي الراوي بخبر المعرض الأخير من خلال صديق مُشترك، ليكون الحدث بعد هزيمة يونيو .. «قال إنه ذهب اليوم إلى معرض كامل الجديد، وإنه كان في سيناء أيام العدوان، وعاد من هناك إلى مستشفى للأمراض العصبية. وإن لوحاته الجديدة مختلفة تماماً، وكلها عبارة عن خطوط لأشباح عظيمة تتلوى. وقال إنها من الناحية الفنية إمتداد للخطوط التي ظهرت في بعض لوحاته عن السد العالي». هذه هي النتيجة أو الحقيقة التي تجسّدت عبر اللوحات، هناك إرهاصات بها رغم اللوحات الضخمة للآلات والأحجار، لكن المخلوقات أو الأشباح الأضخم التهمتها في النهاية.
الموت
ما بين الصحو وتناول الطعام والتحضير للنزول إلى الجريدة، حيث يعمل الراوي، وزحام الباصات، ومحاولاته التي تأتي كيفما اتفق في اصطياد فتاة أو امرأة يتلمّسها في رحمة الزحام وفضله، وقراءة الصحف، وتناول الشاي والقهوة، والسير في الشارع والأماكن الشهيرة بوسط المدينة، هذا الوصف التفصيلي يوحي بالرتابة والآلية، فلا شيء يحدث، رغم ترقب الجميع لمأساة لابد وأن تقع. هناك حالة من الانفصال التام ما بين الشخصيات والأحداث، فالراوي رغم استيقاظه منفزعاً على صوت القنابل ــ حيث يسكن قريباً من المطار ــ يستمع إلى الإذاعة، ويُعد طعام إفطاره في هدوء شديد، وكأنه في عالم آخر. كذلك باقي الشخصيات .. مَن تريد الزواج، وآخر تجاوز الخمسين ولم يزل بمفرده، وآخر يفر من البيت الذي أصبح كالمورستان، وامرأة مريضة تنتظر لحظة موتها ومع ذلك تخشى وحدة انتظارها .. «كلكم ذاهبون ولن يبقى أحد بجواري. وقالت إن هذه قصة حياتها، فقد قضتها جالسة تشهد الآخرين وهم يذهبون إلى السجن أو الخارج أو الحياة الأخرى». هناك حالة دائمة من الشعور بالموت، رغم المظاهر الفارغة من المعنى، حالة تكرار دائم للأحدث وأفعال وأقوال الشخصيات، الدائرة نفسها، وانتظار مَن يسقط وكأنه فقط توقف مكانه، فسيتم تذكّره والحديث عنه من خلال الآخرين، كما يتحدث الآخرون عن بعضهم البعض. ويُشير الراوي إلى مشهد يراه في التلفزيون يؤكد هذه الحالة، وكأنه يستكمل سخريته المريرة، ولو حتى من خلال فيلم تلفزيوني .. «أشعلتُ سيجارة جديدة، وجلستُ على مقعد أمام التلفزيون. كان هناك فيلم لوالت ديزني عن حيوان اللمنك والانتحار الجماعي الذي يمارسه. ففي كل سنة يزحــف إلى حافة الجبل ويُلقي بنفسه إلى المــحـــيــط تاركاً بقية منه تتناسل وتحفظ النوع لتتكرر المأساة في العالم التالي».
الأسلوب الروائي
اعتمد الكاتب حالة التشوّش التي كانت سائدة في ذلك الوقت، ما بين البيانات الكاذبة والحقيقة التي ظهرت في النهاية على شكل عدد كبير من الشخصيات التي يُقابلها الراوي، مواقف مُشتَتَة، وآراء وآمال مختلفة ومتضاربة، وكأن كل شخصية تحيا في عالمها الخاص، رغم الصخب البادي على حواراتها ووجهات نظرها. ويُقابل هذا حالة الرتابة وسرد العادي من الحياة، دون بلاغة أو تضخيم للفعل اليومي، أفعال لا تتأكد إلا من خلال تكرارها، ولا تفضي إلى شيء، تماماً كالحالة السياسية وقت كتابة نص الرواية. من ناحية أخرى نجد التفكير العقلي الشديد في حالة السرد، هناك انتقاء وترتيب، وانتفاء الحِس التلقائي في الكتابة، إذا ما تمت المقارنة بـ «تلك الرائحة». تطغى الحرفة هنا أكثر والمنطقية التي وصلت في بعض الأحيان إلى جفاف السرد، وبالتالي حالة من الملل ــ بعيداً عن التكرار الفني ــ والمفارقة أن البناء الروائي في تلك الرائحة أكثر تعقيداً من هذه الرواية، فالحالة الشعورية وقتها هي التي خلقت هذا البناء، دون الاجتهاد العقلي في الترتيب والانتقاء، ففي حالة رواية «67» يبدو التخطيط المُسبق للكتابة، لا من خلال حالة الكتابة نفسها. ولا نعتبر هذه الرواية كجزء ثان لرواية تلك الرائحة، ولكن ربما لقرب توقيت كتابة الروايتين، أو هكذا ظن البعض، وجعل النص الحالي هو جزء مُتمم للرواية الأولى، وهو في النهاية أمر متروك لانطباع القارئ، وعلى الأخص المُتابع لأعمال صنع الله إبراهيم. و»67» في النهاية توثيق هام لرؤية الكاتب عما حدث في تلك الفترة.