جايسون بيرك في «الخطر الجديد» خلافات الظواهري مع البغدادي: «القاعدة» أم «الدولة»؟

حجم الخط
0

 

يتوقع الصحافي البريطاني جايسون بيرك، الاختصاصي في شؤون الحركات الإسلامية المسلحة ومراسل صحيفة «الغارديان» الانكليزية في جنوب آسيا، في كتابه الصادر حديثاً بعنوان «الخطر الجديد» أن تستمر منظمة «القاعدة»، برغم خلافاتها مع مجموعة «الدولة الإسلامية»، بمحاولة القيام بعمليات عسكرية ضخمة بالغة التأثير في أماكن مختلفة من العالم، على شاكلة عملية 11 ايلول/سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يعتقد بيرك أن القاعدة «ستركن إلى التعاون مع منظمات راديكالية مسلحة متعاونة معها ومنتشرة في سائر أنحاء العالم بما في ذلك أوروبا وأمريكا والعالم الغربي وآسيا».
مثل هذه المنظمات، حسب المؤلف تركز حاليا على عمليات في مناطقها ولكن «القاعدة»، المنظمة الأم، قد تتعاون مع منظمات على شاكلة «القاعدة في الجزيرة العربية». بيد أن هذه المنظمة حاليا تركز على دورها في اليمن وهي لم تتجاوز كلياً أغتيال قائدها ناصر الوحيشي في ضربة عسكرية جوية أمريكية في حزيران /يونيو هذا العام. أما الحليف الآخر لمنظمة «القاعدة» الأم: «جبهة النصرة» المتواجدة في سوريا وبعض مناطق لبنان، يقول بيرك أنها منشغلة في صراعها مع غريمتها في هاتين الدولتين «منظمة الدولة الإسلامية ولولا ذلك لربما قامت بمثل هذه المهمة. وهذا الأمر ينطبق على منظمة «الشباب» في الصومال وصراعاتها مع خصومها. اذن، يستنتج بيرك أن «القاعدة» عليها أن تعثر على حليف لها يساهم في تنفيذ عملية ضخمة على شاكلة عملية 9/11 في أمريكا بين المنظمات المتعاونة معها في جنوب آسيا. بيد أن «براغماتية» قيادات «منظمة الدولة الإسلامية» تدفعهم إلى تأجيل مثل هذه العمليات خارج المنطقة الإسلامية لأن ذلك قد يدفع الدول الغربية (أمريكا وأوروبا) إلى تعزيز عملياتها العسكرية ضدها في سوريا والعراق بينما هي في مجال بناء دولة إسلامية في المناطق التي أحتلتها. كما أن مثل هذه العمليات الخارجية قد تحوّل تركيزها عن معركتها مع الشيعة في سوريا والعراق. ولكن الأمر، حسب بيرك يتوقف على استراتيجية قائد منظمة الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي ومعاونوه من القيادات العسكرية البعثية السابقة في العراق، في عهد الرئيس صدام حسين. وهؤلاء أكثر براغماتية من البغدادي. وقد تتغير المواقف إذا تم اغتيال البغدادي، في مجال العمليات الخارجية، وفي دور منظمة الدولة في سوريا والعراق.
ويؤكد بيرك في كتابه أنه كلما زادت حدة الصراعات الدينية والطائفية في المنطقة فان منظمة الدولة ستكتسب قوة أكثر. أي يوافقها أن تكون الأمور بيضاء أو سوداء وتسعى إلى ضرب المواقف «الرمادية» المرطبة للأجواء عموماً، والتي يقول الكاتب أنها السبيل إلى حل النزاعات المتزايدة في المنطقة.
ويشير بيرك إلى أنه كلما أحرزت الجهات الداعمة للنظامين السوري والعراقي وحلفائهما تقدماً عسكريا فان «تنظيم الدولة الإسلامية» يحقق إنجازات عسكرية في مناطق سنّية في البلدين يجد فيها بيئة حاضنة. فبعد خسارة تكريت، وتقدم خصوم الدولة الإسلامية عادت المنظمة واحتلت مدينة الرمادي في العراق ومدينة تدمر في سوريا. وطالما استمر الانقسام الطائفي والاثني الذي تشجعه الدول الخارجية والاقليمية فأن «تنظيم الدولة الإسلامية» سيستمر باحتلال الموصل والمناطق التي يحتلها في سوريا.
وقبل أن تقرر «منظمة الدولة الإسلامية» أرسال عناصرها لتنفيذ عمليات في الغرب عليها أن تؤسس خلايا مدربة هناك. وهذا أمر تفوقت فيه «القاعدة» الأم عليها. وبالتالي، يعتقد بيرك أن العناصر التي حاربت مع «الدولة الإسلامية» وعادت إلى بلدانها الأوروبية وقررت إنشاء خلايا سرية مسلحة، قد تقوم بعمليات في الخارج بمبادرة مستقلة منها وليس بقرار من «الدولة الإسلامية». ولهذا السبب تخشى الدول الأوروبية وأمريكا هذه المجموعات وتشن ضدها حملات صحافية وأمنية، وتربطها بقضية المهاجرين من سوريا والشرق الأوسط إلى أوروبا مضخمة أعداد من تسميهم «إرهابيين أندسوا بينهم، أو تحولوا إلى مبشرين للقيم التي تعتنقها الدولة الإسلامية».
ويعتقد بيرك ان الهجمات الضخمة كهجوم 11/9 يتطلب تعاوناً أوثق بين المنظمتين الأكثر قوة وبروزاً في ساحة العمل الإسلامي المسلح، وهما ما زالتا مختلفتين. وفي الفصول الأولى من الكتاب، يفسر بيرك بالتفصيل أسباب الخلافات استنادا إلى مقابلات أجراها مع قادة الجانبين ومع اختصاصيين في هذا المجال، ومن معلوماته وأبحاثه الخاصة.
في الفصل الثالث من الكتاب يتطرق إلى هذا الموضوع مشيراً إلى دور الزرقاوي (أحمد فاضل الخلايلة) الذي بدأ نشاطاته العسكرية المسلحة في مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.
ومنذ أن تحولت منظمة الزرقاوي إلى منظمة القاعدة في العراق بدأت بالقيام بعمليات تفجيرية ضد مواقع عراقية شيعية في عامي 2004 و2005. واستخدم الزرقاوي وسائل الإعلام بشكل أكثر تطوراً من بن لادن ونجح في استقطاب الأنظار نحوه. وبدأ الزرقاوي يخطف الاهتمام من المنظمة الأم (القاعدة) التي كانت في موقع دفاعي أثناء صعود نجمه عام 2005. وحاول ونائبه أيمن الظواهري ضبط الزرقاوي، كما يحاول حاليا الظواهري ضبط «الدولة الإسلامية» وقادتها ولكنهما لم ينجحا. وأغضب الزرقاوي بعض القبائل في المناطق التي تواجدت منظمته فيها فيما كان هو يحاول توسيع نفوذها.
واستمر في ضرب المقامات الشيعية (تفجير مسجد العسكري في سامراء) والتجمعات الشيعية وساهم في نشوء حرب أهلية سنّية شيعية في العراق تفاقمت إلى ما هي عليه الآن. ويعتبر بيرك أن تسلم نوري المالكي المنصب الأول في العراق عام 2006، ساهم في تصعيد الطائفية وتخويف الأقلية السنية مما أفاد توجهات الزرقاوي. ولكن الزرقاوي لم يعش طويلا لتنفيذ مشروعه إذ قتل بواسطة طائرة عسكرية أمريكية في حزيران/يونيو 2006.
وتسلم من بعده توجهه ابراهيم عوض ابراهيم، الذي أصبح قائداً للدولة الإسلامية تحت لقب الخليفة أبو بكر البغدادي. وهو رجل عسكري وضالع في الشؤون الدينية معاً وأسس مجموعته بعد سقوط نظام صدام حسين وأضاف إلى ايديولوجيتها المناهضة للاحتلال الأمريكي الدعوة إلى الجهاد الإسلامي المنبثق من التعاليم والارشادات والقيم الإسلامية خلال الفتح الإسلامي. وقد تأثر بحركته عدد من قيادات القبائل. وألقت السلطات الأمريكية القبض عليه وهو في الـ 32 من عمره وسجنته في «كامب بوكا» قرب البصرة.
وبعد سنة خرج من السجن واحتل منصبا في مجلس الشريعة للدولة الإسلامية التي أصبح قائدها فيما بعد. وبالتالي، أصبحت المنظمة تضم الضباط والعناصر البعثية المدربة تدريبا عسكرياً جيداً خلال فترة حكم الرئيس صدام حسين وتوجهاً ايديولوجيا إسلامياً بثه البغدادي.
ويقول بيرك ان الهجوم على الموصل من جانب «تنظيم الدولة الإسلامية» ما كان نجح لولا هذا التعاون البعثي العسكري والايديولوجي السنّي والبيئة الحاضنة هناك، خصوصا أن الضباط البعثيين كانوا تحت قيادة نائب الرئيس العراقي السابق عزة ابراهيم الدوري وأن السكان كانوا في حالة غضب شديد ازاء سياسات نوري المالكي ومعاملته السيئة للسنّة العراقيين عموما. ويفسر بيرك نجاح «تنظيم الدولة الإسلامية» في بعض المناطق السنية في سوريا بالمنطق نفسه الذي استخدمه في تفسير امتدادهم في المناطق السنّية في العراق.
وكل هذه الانجازات للدولة الإسلامية، حسب الكاتب، دفعت «القاعدة الأم» بقيادة الظواهري إلى الشعور بالتهميش. فساهمت في إنشاء «جبهة النصرة» ودعم قادتها في سوريا وتحولت المنظمتان إلى ندّين كل جهة منهما تعتبر أنها خليفة قيم وايديولوجيا اسامة بن لادن وتمثل امتدادا لمشروعه لإنشاء الدولة الإسلامية وطرد الهيمنة والنفوذ الاستعماري والعسكري الأجنبي من العالم الإسلامي.
وبدأت الخلافات بين «الدولة الإسلامية» و«النصرة» عندما رفضت الأخيرة تنفيذ أوامر أصدرها البغدادي لها. كما تفاقمت الخلافات بينهما حول أي جهة ستتولى إدارة وحكم محافظة الرقة في سوريا، فيما كان الظواهري وحلفاؤه يشجعون قادة النصرة ويتعاملون معهم وكأنهم ممثليهم الحقيقيين في سوريا. وفي مراسلة مباشرة، طلب الظواهري من البغدادي، حسب الكتاب، التركيز على نشاطاته في العراق، وترك سوريا للنصرة، فردّ عليه البغدادي رداً قاسياً بلغة إشارت إلى أنه يرفض سلطته عليه ثم قام بهجوم ضد «البصرة». وفي صيف 2013 أصبحت الرقة بيد «تنظيم الدولة الإسلامية» فيما تحولت «النصرة» إلى إحدى المجموعات المسلحة المنقسمة على بعضها الآخر في سوريا.
وكانت «الدولة الإسلامية»، حسب المؤلف، حريصة على عدم إغضاب قادة القبائل (عدم إرتكاب أخطاء الزرقاوي) والإستفادة من الخيرات الطبيعية للمناطق التي تحتلها (البترول وغيره). وساهم توسع الدولة إلى سوريا في تنشيط عملياتها في العراق، حسب الكتاب.
وفي شباط/فبراير2014 أعلنت «القاعدة الأم» تخليها رسمياً عن «الدولة الإسلامية» فردّ البغدادي، حسب بيرك بإرسال إنتحاري اغتال ممثل الظواهري الشخصي في سوريا مثيراً التساؤلات والشكوك حول هيبة الظواهري وقيادته. وبالتالي قطع البغدادي وتنظيمه شوطاً جديداً في مشروعه لخلافة بن لادن وقيادة الإسلام الجهادي المسلح.
وقد تجنب الكاتب استخدام تعبير «الإرهاب» خلال الكتاب مؤكداً أنه تعبير يختلف كثيرون حوله، ولكن الأهم فيه أن هدفه هو ترويع الخصوم واحباطهم لكي يتخلوا عن مشاريع مقاومة قاتلي الأبرياء والمدنيين، هذه المقاومة التي قد تمنع تحقيق مشاريعهم السياسية.

The New Threat From Islamic Militancy
The Bodley Head Ltd (2015)
304 pages

سمير ناصيف

اشترك في قائمتنا البريدية