أمر في غاية الأهمية أن تلتفت الرواية العربية، الآن، إلى أزمنة العنف التي راحت تعصف بالعالم العربي، محولة ربيعه إلى خريف رمادي، عنف القوى الظلامية وهي تدير آلة القتل اليومي. ولعل رواية اللبناني جبور الدويهي «حي الأميركان»، خير دليل على ذلك، هي وغيرها من الروايات العربية التي ما انفكت تظهر في كل من مصر والعراق وسوريا ولبنان واليمن والمغرب العربي عموماً.
تكرس رواية «حي الأميركان» الطابع العنفي السائد في طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني، مستعيدة تاريخ هذه المدينة الناعمة، شبيهة الإسكندرية التي تعايشت فيها قوميات وأديان ومذاهب مختلفة على نحو متكافل، دون الالتفات إلى هوية الآخر الإثنية، في ظل التسامح الديني والتسامي الأخلاقي والصفاء الروحي لجميع الطوائف والأقوام، وهي تتحرك فوق أرضية رغداء ورخية.
لكن ما أن طلّ الاحتلال الأمريكي على العراق، وكان قد مُهّد له بحصاره قبل سقوط النظام العراقي بسنوات، ثم وقوع أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر حتى بدأت بوادر الحرب المعلنة تظهر بين التيارات الأصولية وأمريكا.
في ظل هذا الوضع الأمني الخطير في المنطقة، يمكن اعتبار رواية الدويهي الجديدة «حي الأميركان» عملا تؤرقه ظاهرة العنف في مجتمع الأصوليات الطرابلسي، عاكسة نبض الشارع، وما يشهده من تراجع فكري، بعد رحيل الأفكار اليسارية والعلمانية عنه، ولكن ذلك لا يمنع من وجود شريحة اجتماعية واسعة من الجيل السابق الذي تربى وسط بحبوحة التعايش القديم، تحمل الأفكار الليبرالية ذاتها، وتنافح عنها وتُعلي من شأنها مهما واجهته من خطوب ومحن.
تتوغل الرواية تدريجياً في العالم الطرابلسي المتشابك في نسيجه الاجتماعي والطبقي والفكري، ساعية إلى نبش تاريخ آل العزّام عبر شخصيات فاعلة في محيطها العام، كاشفة عن عالم تلك العائلة الثرية والمتنفذة والناشطة عبر تسلسلها العائلي ومشاركتها التاريخية في إدارة دفة الحكم اللبناني، مبتدئة بسنوات مجدها، من خلال حكم الجد لرئاسة وزارتها وانتهاء بتدهورها الحالي، حيث لم يتبق منها سوى النُصْب الماثل قرب ساحة «الساعة».
الشخصيات الأخرى التي تقتسم الأفق العام للرواية، هي العائلات الفقيرة التي ارتبطت بخدمة آل العزام، وهم عائلة المحسن وزوجته التي ورثت المهنة من والدتها التي كانت الحاضنة والمسؤولة الأساسية عن كل أركان البيت الكبير، الذي لم يبق فيه من تلك العائلة الكبيرة سوى عبد الكريم آل العزام، العائد من باريس عقب دراسته هناك، كونه أحد أولاد الذوات الذين يتحتّم عليهم التعلم في الخارج، بقياس وحسابات ذلك الزمان الغابر، الزمان الذي يصفّي أيضاً حساباته الوجودية مع البشر والكائنات.
عبد الكريم العزام العائد من باريس، لم يبق له في الحياة سوى الذكرى، إذ بَدَتْ طعماً يقوّي به الذاكرة، في مدينته التي أضحت تفقد طابعها البحري ولدونة العيش ونعومة السكنى، لتتحول إلى ساحة للاصطراع الطائفي والمذهبي، اصطراع مصحوب بالاشتجار السياسي والفكري المتمثل بالاحتراب اليومي بين أهليها الذين انقسموا على أنفسهم أحزاباً وشيعاً وقبائل.
مقابل عبد الكريم الذي بقي من عائلة العزام، بقي من الطرف المقابل الذي خدم هذه العائلة، انتصار وزوجها محسن وإسماعيل الولد البكر لانتصار، التي توّلت العمل وأدارته وخدمته بعد غياب والدتها ورحيلها عن الدنيا.
الراوي هنا يتحدث بصيغة الغائب تارة، والمتكلم تارة أخرى، حسب الدور المرسوم للشخصيات التي ستظهر وترافق حياة عبد الكريم ومراحل عيش محسن وانتصار، وهي شخصيات بشكل عام غير محورية، بل تأتي وقت ظروفها لتقوِّم المعمار الروائي والبناء الهرمي الذي اتسمت به الرواية.
شخصية اسماعيل التي يكشفها الراوي، هي بلا شخصية، أي ضائعة وتائهة، ولم تستطع ترجمة حلمها إلى فعل حقيقي، وقد بات كما كان والده بلا هدف ومستقبل وعائشا هكذا، عالة على زوجته انتصار أو على الحياة برمتها.
لغة الرواية سلسة وبسيطة، وغير عميقة، أو بليغة، كما عرفناها في روايته السابقة «شريد المنازل»، لكنها من جهة أخرى تحمل توترها الدرامي، وبعدها السايكولوجي الذي كشف الصراع الباطني لدى الشخصية المحورية البارزة في العمل، ألا وهو اسماعيل، ابن «حي الأميركان»، ووضع حياته الخاصة في مدار الضوء الدائم المسلط من قبل الراوي ومسباره، في تحليل دوافعه وأفعاله ومراميه، وما تحاول أن تصبو اليه. هذه الشخصية التي ستتحول في نهاية الرواية إلى بطل، مدافع عن البلدان التي وقعت تحت الاحتلال، فلا يجد وهو في حالة من انعدام التوازن، الا الجماعات الإسلامية التي ستلبي له هدفه العشوائي والسريع، فينخرط رويداً رويداً في تلك الجماعات الجاهزة، لتتلقف الشاب العشريني، الساعي إلى هدف ما، والذي ينتوي أن يحقق شخصيته وطموحه ومشروعه الوجودي بأي ثمن كان، وأية طريقة، دون تبحّر في المآل، فالعقل لدى هكذا جماعات محجّب، والرؤى مكمّمة، وبعد النظر منعدم ومسحوق بالأفكار المتطرفة التي تعطي للدين الإسلامي السمح والمعروف بتعايشه مع بقية الأديان، مفهوما مغايراً ومختلفا، أقله عدم الإيمان بدين الآخر، ونشر رسالة التكفير بظواهرالتقدم والحضارة والمدنية. ولما يجد إسماعيل الفتى غير المتعلم، والذي يقع ضحية الاعتداء الجنسي من جانب عبد الكريم المثقف العائد من باريس والثري، الخالي من الهموم الدنيوية، ما خلا ملذاتها، حيث يسقط الفتى اسماعيل في ليلة ما، ليلة مغرية، مجبولة بالخمرة والأحاديث عن الغرب، يسقط بسهولة، دون أن يعي ذلك، أو يفهم معنى السقوط الرجولي في معنى الرذيلة، لكنه يمضي في طريقه ويعد ذلك مجرد ليلة شبه حالمة وغير حقيقية، يمضي إلى الجماعة الدينية ليبشر بمشروعها الجهادي، وكان قبلها «يُمضّي الليل ساهراً على الأدراج مع العصابة، جالساً في وضعية تشبه وضعية والده الذي كان يطوي ساقيه أمامه ويطوقهما بيديه، يتشاتم مع رفاقه، أو يخططون لأفعال غير محمودة» .
وحين تأتيه فرصته التاريخية، يجنح اسماعيل لالتقاطها بسرعة، في فورة الانتخابات النيابية، تلك التي تمتلئ فيها ساحات وجدران طرابلس بصور الناخبين، الملونة والكبيرة، والتي تكون في أشكال وهيئات مختلفة للناخبين، لكن أحد المشايخ العائدين من باكستان لم يدع الناخبين يهنأون بصورهم ونرجسياتهم المطلة في الشوارع، فيدعو عبر خطبه الكثيرة إلى تحريم نشر الصور التي لا يقبل بها الدين الإسلامي، مردّداً خطبه النارية بين الشباب الذين هم بسن اسماعيل، هذا الذي لم يجد بدّاً إلا في المسارعة إلى تمزيق الصور ليلاً وتشويه هيئتها بالأصباغ. وكان نجاح اسماعيل في هذا المضمار الأول، وكان الأكثر اندفاعاً في تنفيذ ذلك التحريم. بالطبع الشيخ لن يدع عمله يمر دون مكافأة مادية، ولكي تغطي والدته انتصار هذا العمل الممنوع وغير المشروع من قبل الشرطة والدولة تقوم بإخفائه في منزل آل العزام، ليصبح اسماعيل بين ليلة وضحاها في «حي الأميركان» شخصاً قادراً على القيام بأفعال كبيرة، حتى لو لم يقم بها.
بعد ذلك يشاع الأمر، فيسمع به ياسين الشامي، الخباز وصانع الفطائر، وياسين رجل متشدّد دينياً ويقوم بأعمال خارج دائرة القانون، أبرزها تجنيد شباب من أجل الجهاد والذهاب إلى العراق لمقاتلة الامريكان، فيسعى ياسين إليه، ويشغّله في المخبز، ليدرّبه عبره على القيام ببعض الأعمال التمهيدية الخاصة بالمشاريع الإسلامية كالترويج للجهاد والجماعة.
إذاً يتغير اسماعيل كلياً، نبرة صوته تتغيّر، نظره يصبح خفيضاً تجاه المرأة، يصبح نظيفاً ويهتم بفراشه ونظافته، يصلي الفجر، ويصبح لديه مال، يعين بقسط منه أبيه المفلس دائماً. ويساعد والدته لشراء الطعام والأغراض اللازمة للأسرة.
حين يأمن إليه ياسين الشامي، ويراه قد أصبح جاهزاً لتأدية المهمات الصعبة، يرسله إلى العراق، لينخرط ضمن المجموعات الإرهابية التي تقوم بعمليات التخريب والتفجير، فيصل بعد رحلة شاقة ومعتمة في شاحنة للخضار إلى العراق، قاطعين الطريق الصحراوية، ومعه ثلاثة أشخاص آخرين، جزائري وصومالي ولبناني من أصول فلسطينية. في الموصل سيتم تكليفهم، أبو عبد الصومالي يتم تكليفه بتفجير نفسه في عرس للأكراد الفيلية في طوز عركون قرب خانقين، والجزائري يشتبك مع قوة اسبانية ويقتل في الحال، وحاتم أبو اللبن يقع في قبضة الأمريكان، ليعتقل ويدلي بشهادته في سجن أبي غريب، ثم يقوم بإعطاء التفاصيل الكاملة عن كل واحد من أفراد المجموعة، الذين استشهدوا، حتى من ضمنهم صديقه اسماعيل الذي تعاطى الجنس معه في حاوية الخضار، ظناً منه بأنه قد قتل في إحدى العمليات، ولكن المخابرات الأمريكية بعد الحصول على تفاصيل حياة اسماعيل تكتشف انه لم يزل على قيد الحياة، وأن العملية التي أوكلت اليه لتنفيذها في «المحمودية « لم ينفذها، فيعود إلى لبنان خلسة ويصل إلى طرابلس، ويرى في الليل صوره على الحيطان وقد أصبح بطلاً، يذهب إلى بيت العزام، ويختفي هناك مرة أخرى، وعبر عبد الكريم العزام الذي يتفاجأ بوجوده، يصل الخبر إلى والدته التي ستطير من فرحتها وتتجدد حياتها لدى سماعها الخبر.
بدا الراوي وهو يسرد هذه المغامرات غير مقنع في طريقة هروب اسماعيل، والواسطة التي استقلها من هناك، وتبرير ما حدث له وللأشخاص الذين صادفهم في طريق العودة إلى لبنان. ثم يبدو أن الراوي لا يعرف أن ثمة حدودا بين سوريا والعراق، والا لماذا تسافر العائلة اللبنانية التي نقلت اسماعيل إلى الأردن، ثم سوريا، ثم لبنان. فثمة ثلاث نقاط عبور بين العراق وسوريا، كذلك حكاية عبد الكريم وتعرفه إلى راقصة الأوبرا في باريس لم تكن موفقة، وبدت ملفقة وسريعة. أما خطؤه الأبرز، وأقصد هنا الروائي بشكل عام، فقد تجلى في نسب بيت شهير للجواهري إلى شاعر حلبي، وغيرها من الهنات التي لا تقلل، بلا شك، من المستوى الرفيع لهذا العمل الروائي .
جبور الدويهي: «حي الأميركان».
دار الساقي، بيروت 2014
160 ص.
هاشم شفيق