علاء الأسواني: «جمهورية كأنّ»
في روايته «جمهورية كأنَّ»، يروي علاء الأسواني عن القاهرة وأحداث يناير التي كانت منطلقا لما سمّي فيما بعد بالربيع العربي، هذا الربيع الذي تجاوز مصر وتكشَّف عن حروب مدمّرة في أكثر من بلد عربي. لكن الأسواني يحكي فقط عن مصر وتحديدا عن القاهرة والثورة التي انتهت إلى فشلها، وكأنَّ السرد الذي استهدف، في هذه الرواية، إراءة غير المرئي، وقراءة النوايا المضمرة وبواطن العلاقات، هو الذي يبرر الكتابة ويدعو إلى ابتداع وسائلها ليحكي عن حكاية شهدها أو تابع أحداثها معظمُنا، وليرتقي من ثمّ بهذه الأحداث، من واقعها التاريخي المباشر إلى سردها الفنّي المعبِّر عن أكثر من حقيقة توصَّل إليها الراوي/ الكاتب من منظوره لهذه الأحداث، واستدعت من ثمَّ تقنيّات بناء عالمها.
تمثّل الشخصيّة مكوّناً رئيساً من مكوِّنات عالم هذه الرواية، لا بصفتها الفرديّة، بل بصفتها تمثلّ شريحةً من شرائح مجتمع القاهرة التي قام بعضها بالثورة وساندها، وعمل بعضُها الآخر، ومن مواقع مختلفة، ضدَّها. يضجُّ عالم هذه الرواية بشخصيّاتها المتنوّعة التي تحملنا، نحن القراء، على متابعتها في مسارات حياتها وأفعالها وتعبيراتها لتتكشَّف لنا عن موقعها في المجتمع، وموقفها من الثورة.
بدايةً، تطالعنا الرواية بشخصيّة اللواء أحمد علواني الذي يفضّل أن يناديه الناس «يا حاج» أو «الحاج»، متديِّن يتفرَّج على أفلام البورنو، فعلٌ مكروه ولكن ليس من الكبائر، كما يقول. هذا «الحاج» لا تهمّه الأخلاق بل إرضاء الرئيس، هكذا ودون وجه حقّ أو محاكمة، يأمر بتعذيب «عربي السيد شوشه» المناصر للثورة، كما بتعرية زوجته حتى انكشاف ثدياها، ومن ثمّ التغزل بهما.
مقابل شخصيّة اللواء، تبرز في الرواية شخصيّة «أشرف ويصا» المسيحي القبطي، المتّسمة بالجرأة والصدق وقول الحقائق التي توصَّل إليها. يعلن أشرف، بصفته هو الذي سيوقّع «هذا الكتاب»، بأنّه سيكشف لقراّئه «كميّة الأكاذيب التي نعيش فيها» (ص 31)، ويعرِّف بنفسه بصدق، وجرأة: كومبارس فاشل وحشاش، يجاهر بحبّه للخادمة إكرام، فزوجته ماجدة عدلي «هي جلادتي التي تولّت تعذيبي على مدى ربع قرن» (32). يناصر أشرف الثوّار بحضوره معهم في الميدان، بفتح شقّته للقاءاتهم وبتقديم المال.
يتوسّل كاتبُ «جمهوريّة كأنّ» أكثر من تقنيّة سرديّة بهدف الحرص على واقعيّة المحكي. لكن واقعيّة سرده تتمّيز عن واقعيّة محفوظ، كما عن الايهام البرختي. من هذه التقنيّات الرسائل المتبادلة بين أسماء ومازن التي نتعرّف فيها بشخصيتيْهما، كما بواقع الثورة وموقفهما منها:
مازن ناشط سياسي، يعمل مهندسا في مصنع «بيلّليني» للإسمنت، أي مصنع «الشرق» قبل أن تبيعه الحكومة المصريّة للشركة الإيطاليّة «بيلّليني». مثقف ينتمي إلى عائلة مناضلة، يدافع عن حقوق العمّال، «عن كرامة وطن»، كما يقول ل أسماء. أسماء هي أيضاً مناضلة تشارك في حركة كفاية، وتنتمي، مثل مازن، إلى الطبقة الوسطى، لكنّها وعلى خلاف شقيقتها، متحررة، ترفض، هي المسلمة، أن ترتدي الحجاب.
يترك الراوي مجالاً كافياً لتحكي الشخصيّات عن نفسها ولنتعرّف، نحن القراء، على هويّتها الاجتماعيّة وموقفها من الثورة. هكذا مثلاً نقرأ قول الشيخ شامل: «يا إخواني، إذا سمحت قدرتكم الماليّة وصحتكم، أنصحكم بتعدّد الزوجات لأنه وقاية من الحرام، وستر لبنات المسلمين» (ص 49). ثم يتحدث عن الحجاب باعتباره فرضاً على كل مسلمة بلغت المحيض بإجماع الفقهاء، ليصل إلى القول بأنَّ العلمانيّين متآمرون على أمّتنا، وهم عملاء لليهود… (ص 51).
يشكّل الحوار بين الشخصيّات وسيلة أخرى تعرّفنا بالشخصيّات، بواقعها وحقيقة موقفها من الثورة سلباً أو إيجاباً. حوار مازن مع العمال من موقع المساندة للثورة، الحوارات التلفزيونيّة التي تجريها نورهان. نورهان الأنثى الانتهازيّة، المزواجة، التي ترتدي الحجاب لترضي الشيخ شامل وتكتسب، كمسلمة، مصداقيّة اتجاه الجمهور في برنامجها الحواري مع ضيوف ترشّحهم أجهزة الأمن، وتقدّمهم نورهان بصفتهم «أكبر العقول في مصر، وكلّهم أجمعوا على أن ما يسمّونه ثورة ما هي إلاّ مؤامرة حقيرة لتدمير بلدنا»، مؤامرة «خططت لها المخابرات الأمريكيّة مع المخابرات الإسرائيليّة، الموسّاد» (ص 374). أحد الذين جيء بهم يقول معترفاً: «أنا وكلّ شباب التحرير قبضنا أموالاً من جهات أجنبية» (ص 375). ليست «جمهوريّة كأنّ» رواية واقعيّة بالمعنى الكلاسيكي للواقعيّة، ذلك أن بنية هذه الرواية لا تنبني بسردٍ ينمو بها نمواً دراميّا، بل هي تنبني بوسائل تكشف عن دراميّة الثورة التي هي دراميّة الواقع المعيش. ثمّة سلطة تناهض، منذ البداية، الثورة لإجهاض بطولتها، تمارس التضليل عن طريق الإعلام الذي تسيطر عليه، وتتعامل بعنف مع الثوار المتظاهرين، تأمر بإطلاق الرصاص عليهم، يصابون بالمئات، شباب بينهم أطفال، يستشهد خالد، يحول اللواء دون محاكمة الضابط القاتل، يمنع ابنته دانية من أن تدلي بشهادتها وقد رأت هذا الضابط يصوّب على خالد. يعرّي العسكر الإناث، وبينهن أسماء، للكشف عن حقيقة عذريّتهّن، ويُتركن هكذا مباحات لأنظار المارة.
هكذا تُحقّق السلطة هدفَها: يتراجع التأييد للثورة والمشاركة في التظاهر. تخشى الأمّهات على بناتها من الفضيحة، تعاني أسماء صدمة التعرّي… ويتخذ كلُّ شيء، كما تقول، طابع الشبيه: فالثورة كأنها الثورة، والذين «يمارسون طقوس الدين يبدون كأنَّهم متديّنون»، «كلّ شيء في مصر يبدو كأنّه حقيقي»، و»المصريّون يعيشون في جمهوريّة كأنّ». (ص 510).
أعتقد أن فنيّة الكشف/الإضاءة من منظور الكاتب الراوي لواقع الثورة، يشكل أهميّة هذه الرواية ومتعة قراءتها.
علاء الأسواني: «جمهورية كأنّ»
دار الآداب، بيروت 2018
519 صفحة.
يمنى العيد