جوناثان باول في «التحدث مع الإرهابيين»: دروس التاريخ حول فنون التفاوض الشاقة

حجم الخط
1

 

صدر في الأسابيع الماضية كتاب لجوناثان باول، مستشار رئاسة الحكومة البريطانية في فترات مختلفة، أهمها فترة تحقيق «اتفاقية الجمعة العظيمة» في ايرلندا الشمالية خلال قيادة توني بلير لبريطانيا ما بين عامي 1997 و 2007، وما زال يقدم نصائحه لرئيس الحكومة البريطاني ديفيد كاميرون خصوصًا في شؤون الإرهاب والتفاوض. كما يدير مؤسسة خاصة في هذا الشأن (انترميدييت). عنوان الكتاب هو: «التحدث مع الإرهابيين: كيف ننهي النزاعات المسلحة» وقد أهداه باول الى ضحايا الإرهاب في العالم، وهم كثيرون هذه الايام، آملاً ان تنخفض أعدادهم في المستقبل بعد ان يتعلم العالم دروسا من التاريخ ومن الماضي القريب والحاضر.
ومع أن باول يتناول تفاصيل دقيقة، ربما تُذكر للمرة الأولى، عن مفاوضات سرية وغير سرية، جرت مع قادة المقاومات المسلحة في أمكنة مختلفة من العالم، فسنركز هنا على ما أدرجه في الكتاب عن المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، وخصوصا مفاوضات أوسلو في تسعينيات القرن الماضي. الفصل الأول مكرس لموضوع: «لماذا يجب ان نتحدث الى الإرهابيين؟» والفصول الأخرى تتناول الأمور التي يجب فعلها، وتلك التي يجب تجنبها كي تنجح المفاوضات. وفي هذه الفصول يتطرق الى شؤون دقيقة يمكن وصفها بـ»التقنية» التي في الامكان ان يمارسها من يقوم بعمليات تفاوض في هذه المرحلة من التاريخ ويرغب في نجاحها. ويستشهد خلال ذلك بكبار المفاوضين الناجحين في العالم من رؤساء ووزراء ومبعوثين دوليين ومستشارين.
ويستهل الفصل الأول بقوله ان جميع حكومات العالم تصرّ على انها لن تفاوض الإرهابيين ولكنها تفعل ذلك في نهاية الأمر! ويشير الى أنه بعد خروجه من دوره كمستشار لبلير في عام 2007 استمر في اعلانه ضرورة التفاوض مع حماس وحركة طالبان وحتى القاعدة. وفوجىء كثيرون من المسؤولين بهذه الآراء، إلا انه بعد سنوات قليلة، تفاوضت «منظمة حلف شمالي الاطلسي» (الناتو) مع طالبان، كما تحدثت (وإن بشكل غير مباشر) الدول الغربية واسرائيل مع حماس، كما اقترحت مديرة الاستخبارات البريطانية السابقة إليزا مانينغهام بولر على الحكومة فتح قنوات اتصال للتفاوض مع القاعدة.
ويؤكد باول انه لا يرغب في اهانة القيادات التي ترفض التفاوض مع من تعتبرهم ارهابيين إلا انه يرى ان على هذه القيادات ان تتعلم دروسا من الماضي، وألاّ تتأخر في القيام بهذه المفاوضات لأن ذلك سيؤدي الى ازهاق المزيد من الأرواح. ويقول انه تعلم من خبرته في مفاوضات ايرلندا الشمالية انه لا يوجد أي نزاع مهما كان دمويًا لا يمكن حلّه بواسطة المفاوضات. ولكن هذا لا يعني، حسب قوله، ان القالب نفسه الذي استُخدم في ايرلندا الشمالية يجب استخدامه في الأماكن الاخرى، فلكل تفاوض خصوصياته وحساسياته، وبعض المفاوضات تستغرق وقتا طويلا لتنجح، ومنها ما لا ينجح بشكل كامل أو قد يخفق لمرحلة ثم يُستأنف لاحقًا، وقد لا ينجح ابدًا.
كما يستشهد بأقوال قادة كالراحل ياسر عرفات في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 حيث أوضح ان :»كل من يدافع عن قضية محقة ويناضل في سبيل الحرية وتحرير أرضه من الغزاة لا يمكن وصفه بالإرهابي». وبالتالي، فباول حاول وضع قدميه في حذاء من حاورهم من قادة الثورات والمنظمات ولعله بسبب ذلك نجح في ايرلندا الشمالية، وقد ينجح في أماكن أخرى. ويحدّد نتيجة لذلك خلفية استخدامه لتعبير «الإرهابيين» وتعريفه لهذا المفهوم قائلاً: «في هذا الكتاب عندما أتحدث عن الإرهابيين أعني بهم المجموعات المسلّحة غير المنتمية الى دولة ولكن لديهم دعمًا شعبيًا ويستخدمون العنف كوسيلة تصيب في أحيان مدنيين أبرياء وفي أحيان اخرى عسكريين من خصومهم وذلك لتحقيق غاياتهم السياسية. وهذا لا يعني أنني اؤيد مثل هذه الأعمال، وخصوصًا تلك التي يذهب ضحيتها عدد كبير من الأبرياء».
كما يشير الى مناسبة سابقة في سوريا حاول فيها النظام القضاء على جماعة اعتبرها ارهابية، بالقوة فقط، وذلك في عام 1982 في حماة حيث قتل النظام عشرات الآلاف من الخصوم، وظن انه نجح في ازالتهم كليًا من الوجود. إلا انهم عادوا وظهروا ثانية بعد ثلاثين عاما، وذلك لأن النظام لم يعالج المشكلة الرئيسية مع خصومه بواسطة التفاوض.
وهو يعتبر ان اسرائيل، تحت قيادة اسحق رابين، أدركت في مطلع التسعينيات ضرورة البدء بمفاوضات غير مباشرة مع القيادة الفلسطينية وقامت بذلك في اوسلو. وكانت المفاوضات سرّية وقادها اكاديميان اسرائيليان كانا ينسّقان مع يوسي بيلين وشمعون بيريز ورابين. وان سبب السرية البالغة آنذاك كان المعارضة الشديدة من جانب القادة الاسرائيليين الليكوديين على شاكلة ارييل شارون وبنيامين نتنياهو الذين كانوا يسعون لإفشال هذه المفاوضات مع الجانب الفلسطيني بقيادة ابوالعلاء، لو اتيح لهم ذلك.
ومع ان المفاوضات السرية هذه التي قادها عن الجانب الاسرائيلي البروفسور يائير هيرشفيلد كانت قد انطلقت بمساعدة وسطاء نرويجيين قبل ذلك بأشهر عديدة فقد أُعلن عن نتائجها في عام 1993 عندما ظهر علنًا قادة اسرائيل واعترفوا بوجودها علما بان اسحق رابين كان قد صرّح سابقًا بانه لن يتفاوض مع «منظمة التحرير الفلسطينية». وهكذا، ففي رأي باول، كانت السرية ضرورية جدًا في المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية. ولعل هذا المطلوب إذا تَقَّرر اجراء مفاوضات جدّية جديدة في هذه المرحلة، كما اقترح خبراء من الجانبين مؤخرًا، برغم أن الامور أصعب الآن في ظل القيادة الاسرائيلية الحالية.
ويقول الكاتب ان الاسرائيليين في مفاوضات اوسلو ادركوا انهم إذا لم يحصلوا على موافقة الرئيس ياسر عرفات شخصيًا على المفاوضات فانه سيجد سبيلا لعرقلتها، وبالتالي وافقوا على دوره الرئيسي فيها. وهذا أمر من المفيد ايضا إدراكه بالنسبة الى دور حماس في أي مفاوضات مقبلة.
ويؤكد أن من شروط التحادث والتفاوض المباشر ليس فقط معالجة القضايا العالقة، بل معاملة قادة المنظمات «الثورية» بمساواة واحترام كأبناء إنسانية واحدة جامعة وتجاوز التصنيف النمطي الذي تحاول جهات وضعهم فيه وكأنهم وحوش وليسوا بشرًا، ولكن من دون المبالغة في الصداقة ونسيان القضايا الأساسية ومعالجتها بجدّية وحزم.
ويشير الى انه خلق مثل هذا التفاعل الشخصي مع قادة الجيش الجمهوري الايرلندي جيري آدامز ومارتن ماكغينيس مما جعلهما يثقان فيه وفي انه لن يخدعهما. وهذا، برأيه، أمر أساسي في المفاوضات، ويضيف ان المفاوض المخضرم الأخضر الابراهيمي يوافقه الرأي في هذا المجال.
وفي أحد مقاطع الفصل الثالث يقول: «ان سياسة خلق الانقسام بين الخصوم للسيطرة (فرِّق تَسُدْ)، التي استخدمتها وتستخدمها اسرائيل في تعاملها مع فتح وحماس، تفشل في معظم الأحيان وتخلق اعداءً جددً للحكومة التي تمارسها. فالهدف يجب ان يكون تطوير دور المعتدلين من جميع الفئات التي يتم التفاوض معها، وفي كل منظمة ثورية هناك معتدلون ومتشددون متطرفون. ويجب توفير الذخيرة السياسية للمعتدلين عبر انجاحهم في تحقيق الأهداف الايجابية».
ويلحظ خطأ آخر ترتكبه بعض الحكومات إذ انها تمتنع عن التفاوض مع خصومها الثوريين إلا بعد ان تحقق هزيمة عسكرية ضدهم. وهذا، في رأيه، ما آمن به رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق آرييل شارون في التعامل مع المنظمات الفلسطينية وبعض قادة المحافظين الجدد في أمريكا في التعامل العسكري مع طالبان في افغانستان. والمشكلة، في رأيه ان منظمات المقاومة تُعرّف وتصور الهزيمة والانتصار بشكل مختلف عن الحكومات. فاذا صمدت مقاومة ضد هجوم اسرائيلي، فهي تعتبر نفسها انتصرت، كما ان طالبان تخسر الكثير من رجالها ولا تتوقف عن المقاومة.
وخطأ آخر ارتكبته، حسب باول، حكومة شمعون بيريز الاسرائيلية عندما قالت انها ستتفاوض مع حماس إذا فازت الأخيرة في الانتخابات الفلسطينية لعام 2006. وعندما فعلت حماس ذلك، تراجعت الحكومة الاسرائيلية عن موقفها وفعلت العكس.
ويعتبر باول ان دور الدول الكبرى، أو أي وسيط فاعل في المفاوضات ما بين حكومات ومنظمات ثورية، اساسي. ويقول في هذا المجال في الفصل الخامس: «ان دور قيادة الولايات المتحدة في السلام في الشرق الأوسط أساسي، وخصوصا عندما تتمكن أمريكا أو غيرها من تبديل الأوضاع على الأرض اقتصاديًا وأمنيًا، ولكن بانصاف بين الجانبين». ولكن في بعض الأحيان يتجاوز دور الوسيط جدارًا يجب ألا يتجاوزه ويصبح لاعبًا مؤيدًا لجانب على حساب الآخر. وهذا ينطبق على دور الأمم المتحدة أو أي منظمة أقليمية أو دولة كبرى. وبالتالي، فان النرويج كانت الدولة الأمثل كوسيطة في اتفاقات أوسلو حسب المؤلف.
وهو يشدد على أهمية التوقيت في اختيار المرحلة المناسبة لإجراء التفاوض بين الحكومات والمنظمات الثورية. ويخصّص الفصل السادس من كتابه لهذا الموضوع. فانتهاء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي وامريكا وحلفائها ساهم برأيه الى حدّ كبير في امكان انطلاق المفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين في اوسلو في مطلع التسعينيات، وفي افريقيا الجنوبية بين المواطنين السود والبيض العنصريين.
غير ان باول يعتبر أن أهم العوامل المؤدية الى نجاح أي مفاوضات هو عامل وجود قادة سياسيين فاعلين ويملكون الشجاعة والشعبية لاتخاذ القرارات المصيرية. ويرى بأن القائد الجنوب افريقي نلسون مانديلا يظل أبرز هؤلاء القادة.
وينتقد باول مواقف الإدارة الأمريكية الحالية في مجال تعاملها مع حكومة نتنياهو بحيث طالبت بتجميد الاستيطان، وتراجعت عنه، وينتقد مطالبتها باعتراف حماس باسرائيل من دون أي مردود. ويرى ان وضع الشروط المسبقة على أي طرف يفشل أي مفاوضات مستقبلية.
ومن الأمور الهامة جدًا، حسب باول، عدم التأثر بأي عمليات ارهابية قد تقوم بها أطراف ثالثة لا ترغب في نجاح المفاوضات ومن ثم اتخاذ القرارات المتسرعة بالانسحاب أو التجميد لأن ذلك يحقق هدف منفذي العمليات. وكما حدث في اتفاقيات اوسلو، يقول باول، لو لم يتم اغتيال اسحق رابين ولو لم يفز، بعد ذلك، بنيامين نتنياهو في الانتخابات الاسرائيلية لعام 1996، لربما طُورت اتفاقيات اوسلو ونُفذت بشكل يُرضي جميع الأطراف. فنتنياهو، منذ البداية، وقف في وجه اتفاقيات اوسلو لانها برأيه تسلب حق اسرائيل التاريخي في أرض اسرائيل وبالدولة القومية اليهودية. ولو أوقفت الحكومات الاسرائيلية عملية الاستيطان لكانت الأمور مختلفة حاليا.
وبالتالي، فان سياسات شارون ونتنياهو، حسب المؤلف، ربما قضت على اتفاقية أوسلو، ولكن ليس في استطاعة أحد ان يقضي على الرغبة في التفاوض والحوار للتوصل الى الحلول العادلة في اي مكان في العالم، الآن وفي المستقبل.

Talking to Terrorists: How to End Armed Conflicts
by Jonathan Powell
Bodley Head, London 2014
416 pages.

سمير ناصيف

اشترك في قائمتنا البريدية