حزن الجماد

حجم الخط
2

 

تحرّك القطار صباحاً في محطة بيروت وهو يهدر ويزمجر ويقذف دخانًا كثيفاً أثقل الهواء وترامى على صفحة الأمواج فعكر صفاءها. وما فتئ زئيره الهائل كزئير الأسود يتردد في جوانب الفضاء حتى كاد الصدى منه ينتهي إلى أخربة بعلبك هامساً: «لقد سبقتُ الآخرين لأهزأ بك، يا أشباح البلى، أهزأ بك في نقمتي على أناسٍ يستخدمونني أنا إحدى آيات الاختراع الحديث ليزوروك ـ أنت رمال الليالي الغاديات وبقايا الأيام الخوالي».
وما لبث أن أسرع القطار في سيره ملتوياُ بين الأشجار، وكأن سخطه هدأ تحت قبلات نسيم الجبال فخفّ زئيره، وتدرج متسلقاً أكتاف لبنان، يترك محطة ويمرّ بأخرى حتى وقف في محطة صوفر، وهي أعلى نقطة فوق وادي حمانا، ذلك
الوادي الذي قال فيه لامرتين إنه ّ أجمل أودية العالم القديم. هناك تتطوى التلال كالأقمشة الحريرية وتمتد مداعبة أطراف الجبال المحاذية، تتناسق بينها دوائر أظلتها الأشجار، وتتخللها القرى ذوات المساكن البيضاء متوجة بالقرميد الأحمر. وهناك، هناك على الشاطئ البعيد، ربضت الآكام كأسود تحمي بحراً بسط لديها زرقته الفسيحة وارتفع عند الأفق كمن يستمد ِّ من الجو نعمةً ما. هذا وبيروت تستوي على شفة البحر استواء المليكة على عرشها.
ثم أخذ القطار ينحدر إلى سهول البقاع وقد قامت على جانبيها سلسلتا جبال لبنان وأنتي لبنان كما تحدق أسوار الدهر بمروج الأبدية. وبعد السير في السهل نحو ثلاث ساعات تراءى لنا في عصارى النهار طيف مدينة «باعال» يحيط بها نطاق سندسي من شجر الفاكهة والحور الرجراج، وتتعالى فوق المنازل منها والحدائق أعمدةُ هيكل الشمس بقدودها الهيفاء. أعمدة ستة هي كل ما سلم في وسط ذلك التهدّم، وكأنها من أبعاد وحشتها تنادي المسافر قائلة: «تعال انظر إليَّ أيهذا المارّ، فهل عرفت حزنًا أشد من حزني؟».

٭ ٭ ٭

دخلت أمشي الهويناء بين الأعمدة المطروحة على الحضيض كالعمالقة ورؤوس الأسود المتعانقة في تهشمها عناقاً أبدياً، بين آثار شعب لاحق تختلط بآثار شعب سابق، والتراب يتراكم في كل مكان متجمعاً في الأفاريز المرضضة والنقوش المحفرة. مشيت في عالم مشوّه من البدائع الفنية دهشة كيف سطا الزمانةعليها، كأنها غابة هاجمتها الزوابع فكسّرت منها الأشجار، واقتلعت الأصول، وتركت الأغصان ملقاة على حضيض الهواء.
أين من هذه الضخامة والمتانة قصور عصرنا وصروحه! إنها لتخال ألاعيب صبية شيدت في ساعة فراغ ولهو، فيها الحصى تقوم مقام الحجارة والأشبار منها توازي الأميال.
لقد تألبت الشعوب على هذا الهيكل فهاجمت جدران مجده وخرّبت معالمه. وحوّل المسيحيون جانباً منه إلى كنيسة فشادوا المذابح على قوائم معابد الأصنام. ثم انقلبت الكنيسة وما يحيط بها قلعة إسلامية حتى فاجأتها الزلازل فتخلجت منها الأسس وانهارت الجدران، ودكت ذلك العزّ إغارات الطبيعة بعد أن طغت عليها يد الإنسان.
لكن آثار المجد في بعلبك ظاهرة باقية. والنفس العصرية تقف مترددة بين الهزوء والاحترام أمام معابد آلهة خرافية تضحكنا الآن أسماؤها، وتتعاقب عليها مشاعر جمة من خوف وشفقة وإعجاب وسخرية لتتغلب عليها عاطفة تضم في رحابها قوى النفس جميعاً، وهي الشعور بعمق السرّ العظيم، سرّ البقاء رغم الفناء…
وهناك على مرتفع هيكل الشمس تقف أعمدة ستة حاملةً إفريزاً كأنه تاج مكسّر تنحني تحته رؤوسها على وهدة عزّها المتفتت. وما انحناء تلك الأعمدة إلا رثاءٌ وتأبين، بل هو التأبين الوحيد اللائق بهيكل بعلبك…
وثلوج لبنان التي تجهل أي خطبٍ جرى، تنظر من علٍ إلــى حـزن الجـمـاد الدهري وتودّ أن تفهم علّة انهيار الجدران والأعمدة والأبراج، وأنى لها أن تفهم…

٭ ٭ ٭

ألا كسّروا باليأس الأقلام، وأزيلوا المداد عن الطروس، وأسكتوا الشفاه المتكلمة، وألجموا الأيدي عن التحبير والكتابة!
رائحة الأكفان تفوح لدى هذا التهدم الشامل وتتكشف معاني القبور، وينتشر في الهواء عطر المجامر وتُعقد غيوم البخور، وتعود الأيادي القديمة إلى نحر تلك الضحايا والقرابين على أنصاب لاشتها يد الدهور.
كسّروا الأقلام ومزقوا الطروس؛ إنما هذا موقف لا تأبين فيه بغير حزن الجماد ولوعة النفوس.
أحزن الجماد، لا زلتَ للأفئدة مفطراً ما طرحت عبرُ الزمان الجبابرة على حضيض الهوان! ألوعة النفوس، لا زلت لاذعة ما بُترت سلسلة الآجال واعتلت حركة القلوب! أآثار الحياة، لا زلت عالية كآمال المنى وسواد العيون ما ذوت الآمال بالمتأمل وما بيّض سوادِ الموت سواد العيون! أأعمدة بعلبك، لا زلت مهشمة، صامتة، منحنية، كئيبة ما سعى دبيب المنى في زوايا المهج وتمايلت أشباح الآلام والأوجاع طيّ القلوب والصدور!
إذا هزأ الدهر بهذه الجدران المنيعة، فماذا أنتم من الدهر منتظرون؟ إذا مرّت قدم الدهر على هذه المتانة الحصينة فهرستها هرساً، فماذا تعني بعد ذلك حركة قصبتكم الضئيلة ونقش طروسكم البالية؟ أين من المسافة موضعها، وما هو من
الخلود نصيبها؟
ضموا إلى شفاهكم الأقلام وإلى قلوبكم الطروس، دعوها تنطق يأسا وحبٍّا باسم قلعة بعلبك. ثم حطّموها وإن عزّت، ومزّقوها وإن كانت شطراً من الأرواح.
الزمان يتابع المسير فويلٌ لتربة تدوسها قدمه! هناك تزلزل الزلازل، وتهدم السدود، وتطغى البحار، وهناك يشعر الإنسان بأنه ُ عبد لحظات الأقدار وأنه لا يعرف من أسرار الأرض غير اسوداد الليل وابيضاض النهار…

أواخر 1911، «سوانح فتاة»

«الآنسة» الرائدة

«ندوة الثلاثاء»، التي أنشأتها، في القاهرة مطالع القرن الماضي، الأديبة اللبنانية ـ الفلسطينية ـ السورية (1886 ـ 1954)؛ كانت ملتقى نجوم العصر ذاك، في الأدب والفكر والسياسة: أحمد شوقي، طه حسين، عباس محمود العقاد، خليل مطران، مصطفى صادق الرافعي، أحمد لطفي السيد، شبلي شميل، مصطفى عبدالرازق، يعقوب صروف، أنطون الجميل… وإذا كان قلبها قد ظلّ مشدوداً إلى جبران خليل جبران (عبر رسائل العشق وحده، إذْ لم يلتقيا أبداً)؛ فإنها بادلت العقاد مشاعر حبّ لا تخفى: «عرفت شعورك وعرفت لماذا لا تميل إلى جبران خليل جبران… لا تحسب أنني أتهمك بالغيرة من جبران، فهو في نيويورك لم يرني ولعله لن يراني». آخرون، كثر كما يتوجب القول، خفقت قلوبهم في حضرة هذه «الآنسة»، الأديبة والمثقفة والعصرية، التي احتلت موقعاً بارزاً على صعيد كتابة المرأة العربية، رغم أنها رحلت في سنّ مبكرة، وعاشت في آخر عمرها مأساة شخصية فاجعة حين تآمرت عليها أسرتها واستخرجت حكماً بالحجر عليها في مصحّ عقلي في لبنان.
ولدت ماري الياس زيادة في الناصرة، فلسطين، لأب لبناني وأمّ سورية فلسطينية المولد، فجمعت في نشأتها ثالوث المشرق العربي؛ قبل أن ترتحل إلى القاهرة، فتدرس الأدب العربي والتاريخ الإسلامي في جامعتها، وتغتني شخصيتها بأبعاد مصرية، ثقافية وإنسانية، في مرحلة حبلى بالمتغيرات على أصعدة الأدب والفكر والسياسة في مصر والعالم العربي بأسره. مقالاتها، في صحف ودوريات مصرية مثل «الأهرام» و»المقطم» و»الهلال» و»الزهور» و»المحروسة» و»المقتطف»، تناولت قضايا متنوعة في الأدب والنقد والتاريخ والعمران والفنون والحضارة؛ جُمعت، على امتداد أزمنة متباعدة، في مؤلفات مثل «باحثة البادية»، غاية الحياة»، كلمات وإشارات»، «الصحائف»، بين الجزر والمدّ»، «ظلمات وأشعة»، «سوانح فتاة»، «رجوع الموجة»، و»ابتسامات ودموع»؛ فضلاً عن مجموعة شعرية أولى، صدرت بالفرنسية سنة 1910، باسم مستعار.
عن هذه «الآنسة» الرائدة كتب الدكتور زكي مبارك: «ميّ هذه شخصية صحيحة النسب إلى حوّاء. هي شخصية نسائية في كل شيء. قلبها قلب امرأة، وعواطفها عواطف امرأة، وأسلوبها في الكتابة والخطابة والحديث أسلوب فتاة خلوب، تعرف كيف تغزو الصدور والقلوب، هي فتاة مخضرم جمعت بين الشمائل المصرية والشامية، واطلعت على آداب كثيرة لأمم مختلفة، وعرفت كيف كان يفكر العرب وكيف يفكر المصريون والفرنسيون والإنكليز والألمان».

مي زيادة

اشترك في قائمتنا البريدية