خضير فالح الزيدي في «فاليوم عشرة»: سرد ميتا سينمائي وكتابة لمحنة بغداد
هل يمكننا أن نعتبر هذه الرّواية رواية الفيلم أو رواية حكاية الشريط الوثائقي على غرار استخدامنا اليوم لمصطلح حكاية الرّواية وصفا للخطاب الواصف في الرّواية؟ هل يمكننا أن نعدّ هذا السّرد «ميتاسينمائي» ما دامت كل الفصول والصفحات تدور في فلك الإعداد لهذا والطريق التي قادت الرّاوي للمشاركة والمساهمة، وما دامت نهاية كل ّهذه الأيام والمعاناة قد انتهت بالرّواية إلى عرض الشّريط؟
هذا هو التّوجّه الذي أقرأ وفقه هذه الرّواية التي تتنوّع أشكالها السّرديّة وتتداخل بشكل لافت مع الخطاب السينمائي تداخلا يدخل في انفتاح النّصّ الرّوائي على الخطابات المجاورة. فلم تعد علاقة الرواية بالسينما والفنون الأخرى علاقة غريبة.
إنّ الرّواية الجديدة فتحت أبوابها للسرد السينمائي الذي يدخل عوالمها عبر عدسات مختلفة. فلم تعد مركضا للساردين والرّواة لوحدهم بل غدت مفتوحة أيضا للمخرجين ومصوّري الأفلام السينمائية والوثائقية والتقارير التلفزيونية ومنتجي أفلام اليوتيوب وغيرها من الشبكات الاجتماعيّة. ولعلّها بذلك تعيش زمنها وتواكب عصرها أو تنهزم أمام وسائل العصر التي تخترق كل الخطابات الاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة بل تواكب محطات الإعلام المؤثرة في العصر وتعلّق عليها مسهمة أيضا في تفكيك الخطاب الإعلامي المشفّر الذي نشهده اليوم.
يضعنا خضير فليح الزيدي منذ البداية أمام قناة «فرانس 24» وهي التي لها وجود هام في المنطقة العربيّة في السنوات الأخيرة:
«لم يشر المقطع الوحيد من الفيلم الوثائقي الذي عرضته قناة «فرانس24» الفرنسية بشكل واضح إلى خطاب الرّئيس في ذلك اليوم. لقد تطرّق الفيلم بشيء من الإسهاب لشخصيات عامة من الشّارع لأسباب غير معلنة من دون أن يتوغّل في تفسير أو نقل خطاب الرّئيس الذي بثّ عقب الانسحاب في المقابل أفرد مساحة جيدة بغزل واضح لخطبة الخليفة في مسجد المدينة المحتلّة «.
من هذا المقطع تنطلق الرّواية ويتعالق السّردي بأنماط مختلفة من الإعلام البصري فتعترضنا البلاغات الإعلامية التي تسترعي انتباه المواطنين لخطاب الرّئيس والاستجوابات والتقارير الصحافية ومشاهد إعداد وتصوير وعرض فيلم من ذلك عرض الشريط الوثائقي الذي أعدّه سلام الذي جمع بين سارد الرّواية بضمير الأنا ودور المخرج.
يفتح رابط قرص الشريط بصعوبة «اللقطات التّعريفيّة الأولى تثبت فعلا أنّ التّصوير جيّد إلى حدّ كبير يدور باحترافيّة عالية وبكاميرا فائقة الدّقّة خلفها مصوّر ومخرج يختار لقطاته بأكثر من رواية وبثلاث كاميرات فيديويّة…». يبدأ العرض وتتواصل المشاهد «يبدأ المشهد اللاحق بدخول العشرة المبشّرة ببدلاتهم البرتقاليّة يرتدون الأنقبة يتقدمهم المنتحر الأوّل…».
يتعلّق الأمر بعرض لهذا الشريط السينمائي الممنوع الذي يصوّر الحياة داخل العراق زمن سطوة الدّواعش وسيطرتهم على عدد من المدن العراقيّة، وبذلك نفهم أن الفصول التي مرّت كانت خطابا واصفا صور صلة السارد بهذا العالم الفني ولجوئه إليه بعد مغادرته العراق. ونتابع يوميات التصوير وتفاصيل الإعداد وما فيها من صعوبات وملاحقات ومؤامرات وهو ما يحمل بين طياته مسائل ثقافية وإبداعية أخرى.
ولكنّ التّعدّد الأجناسي في الرّواية لا يقتصر على تفاعل الرّوائي والسينمائي، ففي الرّواية أجناس سرديّة أخرى تصنع خطابها ومن أهمّها الأجناس السيرذاتيّة ومن أهمّها أيضا اليوميّات فيبدأ السّرد يوم 10/6/2014 ويستمر حتى 22 تشرين الثاني/نوفمبر فتطغى عليه يوميات المخرج سلام وارتحالاته. نقتطف من هذه اليوميات التي تنوع التنصيص على تاريخها حينا بالإشارة إلى التاريخ وحينا باستعمال ظرف زماني مطلع يوميات 25 اب:
«تجاوزت حاجز السبعين يوما على وجودي القلق في بغداد والحر هو الحر ولا معنى لتفسيره سوى غضب مزدوج ومتناوب بين الطبيعة والله على بلد حبة العدس بينما خنجر الحلم ما زال يداعب رقبتي كل ليلة…».
ينفتح هذا الأسلوب الباب لأساليب أخرى تدخل في إطار السرد الذاتي فتحضر الرّسائل والمذكّرات ويعتمد الكاتب أسلوب التداعي والتّراسل الالكتروني والافتراضي وغير ذلك من الأجناس والخطابات خادما لامبرياليّة هذا الجنس الأدبي، أي الرّواية ومتوغّلا في الكتابة الرّوائيّة الجديدة التي تخرج عن النّموذج وتفتح صفحاتها لكلّ انحراف سرديّ.
قد تبدو الرّواية حبكة مميّزة يمكن اعتبارها خطابا ميتالغويا أو واصفا لهذا الشّريط ولكنّها أيضا كتابة للوجع العراقيّ. فالكاتب يستجمع قواه وأساليبه لكتابة العراق وبغداد في لحظة تاريخيّة قاسية وسوداويّة وهي لحظة السّقوط في أيدي الدّواعش التي عمّقت جراح الإنسان العراقي. لحظة يشتد فيها الألم وتصمت فيها أناشيد بغداد التي ترسمها الذاكرة فيصبح «من العقل أن أصبح مجنونا وأنا أسير في شوارع بغداد الآن» مثلما صدّر خضير روايته.
فجاءت الرّواية نسيجا من السّرد الحزين ورحلة مع شخصيّات تشرّدها بغداد وتكذيبا لوعود السلطات وخطابات الإعلام:
«الحياة في بغداد كلها تشير إلى أن الوضع المتردي مؤقت بطبيعته …كل الإشارات الواردة تشير إلى انه سيتحسن تدريجيا وفق برامج القنوات الفضائية وهذا هو كذب رسمي ومورفين مغذي…».
كتابة جراح مستمرّة ورحلات اغتراب اندلعت منذ حصار التسعينات وتعمقت رويدا رويدا فاستحضرت الرّواية سنوات الهروب إلى عمان ومحطات أخرى. وتوغّلت في هذا الواقع العراقي الكئيب. واقع يقاومه الناس «بالفاليوم» وبالانتحار والموت. واقع صادم تجسده نهاية الشريط الوثائقي الذي أعدته رابطة «كفى» حيث يظهر العقيد في الجيش العراقي السابق مع المنتحرين ويخاطبه السارد:
«ما هذا؟؟؟ لما فعلت ذلك؟ لا تفعلها أرجوك من أجلي أنا من أجل محمد وهدى وزوجتك المسكينة. من أجل المدن التي غادرت الخريطة ترى من سيعيد خريطة البلد العرجاء إلى وضعها…».
«فاليوم عشرة» محتفلة بالكتابة الرّوائيّة الجديدة تنوّع أشكال كتابتها وتفصح عن انخراط كاتبها في الرّواية الجديدة وهي متعالقة أكثر مع الخطاب السينمائي ونعتبرها حكاية ميتسينمائيّة. وهي في الوقت نفسه كتابة محنة…كتابة لعراق اللحظة الكئيبة بتشعباتها وكتابة لحرب الإنسان من أجل الحياة. وهي فضح لزمن الصّورة وللإعلام الجديد وأساليب صياغته وتسفيه لصوره التي يعرضها.
خضير فالح الزيدي: «فاليوم عشرة»
منشورات ضفاف والاختلاف، بيروت ـ الجزائر 2016
232 صفحة.
رياض خليف