دماء الموريسكي

حجم الخط
1

 

(…) لنذكر أولا أن الموريسكي حسب قاموس الأكاديميا الملكية للغة في إسبانيا هو ذلك المسلم الذي بقي في إسبانيا بعد دخول الملكين الكاثوليكيين إيسابيل وفيرناندو إلى غرناطة. واللفظة هي صيغة تصغير لكلمة مورو. وهذه تدل على ساكن ماوريتانيا الرومانية. وتصغيرها يكون على هيئة موريطو وموريطا. فحينما وقع التعرض في بعض الأعمدة الساخرة إلى أميناتو حيدر، كتب أحدهم إن تلك الموريطا لم تجد نصيرا لها إلا في إسبانيا. وبصفة عامة يطلق على المغاربة الذين يملأون اليوم إسبانيا لفظ موروس. وقد وصف شكسبير بطله عطيل بأنه مورو، وحينما ترجم إبراهيم جبرا ذلك العمل إلى العربية وضع كلمة مغربي كمقابل للمورو. وهذه الكلمة التي تشحن أحيانا عند الإسبان بمعنى قدحي، لم تكن لها دائما استعمالات سلبية. ففي الرومانسي الشهير يتغنى الشاعر بابن عمار، «الذي ظهرت يوم مولده علامات كبرى»، وفي الغالب الأعم يطلق لفظ المورو على المسلم من شمال إفريقيا، وغالبا على المغربي، ولكن يصل الأمر إلى وصف مسلم المينداناو في جنوب الفيلبين بأنه مورو.
ولم يحمل لفظ الموريسكو بشحنة سلبية، إلا بعد التبرم من المسلمين الذين بقوا في غرناطة بعد لجوء ملكهم أبي عبد الله إلى فاس مصحوباً بكبار وجهاء بلاطه. واللاحقة «إيسكو» قد تعني التقريب. فالمورو الذي تم إخضاعه تم تمييزه بإضافة اللاحقة إيسكو، لتمييزه بأنه لم يعد مورو بالكامل، بل شيئاً قريباً منه، مثل قولهم نيغريثكو للدلالة على ما هو قريب من السواد.
ومع الأيام تم تحميل اللفظة معاني اقتضتها الحرب النفسية، الهادفة لإشعار المسلم الذي فضل البقاء في غرناطة بأنه «مواطن» من الدرجة الثانية، إذا جاز استعمال كلمة مواطن في حالة تنتمي إلى ذلك الزمن. ومن مظاهر تلك المعاملة الدونية أنه فرض على الموريسكيين أن يتركوا أبواب منازلهم مفتوحة لكي يتأكد أنهم في حالة سوية لا تهدد الأمن. وهذا حدث بعد بعض الوقت من استيلاء المسيحيين على غرناطة. ومع مضي الزمن أخذ المنتصرون يفرضون على المنهزمين أن يبدلوا دينهم وأن يكفوا عن التخاطب باللغة العربية.
ففي كتاب مانويل مارمول إي كارباخال عن حرب غرناطة، نجد مصدراً إسبانياً يذكر كلمة موريسكو كمفهوم واضح الدلالة. وكانت الطبعة الأولى من هذا الكتاب قد صدرت في 1600. وتحدث الكتاب عن حرب غرناطة التي جرت في 1568. أي أنه بعد حوالي قرن من غرناطة كانت كلمة موريسكو قد احتلت مكانها في التداول. ويقول كاربخال في كتابه هذا حينما يذكر بالاستيلاء على غرناطة: إن السكان قد أصبحوا حينذاك مدجنين، وهو يقصد أِنهم أصبحوا في وضع مماثل لما كان عليه مسلمو قشتالة وأراغون من قبلهم. أما حينما تعرض لملكهم أبي عبد الله لدى استسلامه في 1492 فقد وصفه بأنه الملك المورو.
وذكر أيضا أنه بعد سبع سنوات من الاستيلاء المسيحي على غرناطة، كان الملكان الكاثوليكيان قد زارا المدينة واسترعى انتباههما أن السكان كانوا مستمرين في ارتداء ملابسهم التقليدية، وبلغهما أنهم ما زالوا مسلمين، فقررا أن يتم إجبار السكان على تغيير الملابس ولغة التخاطب والديانة والعادات، وعهدا بالمهمة إلى الكاردينال ثيسنيروس. وقبل محاكم التفتيش عمدت السلطات الجديدة إلى تنصير الأعيان والخاصة ليكونوا نموذجا للعامة، ثم الانتقال بعد ذلك إلى السرعة القصوى في عملية الإدماج القسري.. وأخضع لهذا المسلسل كل من المسلمين واليهود.
وعبر ذلك المسلسل تكونت حالة الموريسكي، أي المسيحي الجديد الذي كان مورو ولم يعد مدجناً أي موديخر. وأطلق على المسلمين لفظ الموريسكي وعلى اليهود الذين تنصروا لفظ مارانو أي الخنزير. وانتشرت الظاهرة الموريسيكية في كل من بلنسية ومورسية فضلا عن غرناطة. واستعملت في مسلسل الإدماج كل الأساليب بما في ذلك نقل جزء من الساكنة الموريسكية إلى أقاليم أخرى، وكذا نقل جماعي لسكان من أقاليم شمالية إلى غرناطة وأحوازها، إذ تم نقل غاليسيين مثلا إلى غرناطة.
ولغرس عادات غذائية متطابقة مع ما هو منتشر في الأقاليم المسيحية القديمة، تم إنشاء ورش كبير لتجفيف لحم الخنزير وذلك في موقع تكثر فيه التيارات الهوائية، اختص بإنتاج أحد أفضل أنواع الخامون. وهو موقع يوجد في الطريق ما بين غرناطة ولانخارون. وفي ذلك المكان يوجد نهر صغير يقال إنه في فترة حرب البشرات كان لونه قد تحول إلى أحمر، لكثرة الدماء التي أسالتها تلك الحرب وتدفقت هناك. ومن الأساطير التي تداولها العامة أن تلك الدماء كانت تتخذ مسارين متعاكسين، دماء المسيحيين تتجه شمالا علامة على أنها تذهب إلى فوق لتنتهي في الجنة، بينما دماء الموريسكيين تتجه جنوبا كعلامة على أنها تذهب إلى تحت لتنتهي بطبيعة الحال في جهنم.
وهذه من التمرينات التي شحنت لفظة موريسكي بحمولة معينة كانت مقصودة لذاتها في إطار الحرب النفسية التي وقع شنها على تلك الفئة من الساكنة التي رغم خضوعها للتنصر القسري ظلت السلطة تنظر إلى أفرادها كطابور خامس للعثمانيين، ووقود لأطماع الجيران الجنوبيين في المغرب بوجه خاص. وفي هذا السياق اكتسبت كلمة موريسكي حمولة سلبية تبعث على التحفظ. وتم اشتقاق كثير من الصيغ للكلمة لتصب في ذات المنحى. ومن ذلك أنه في قاموس الأكاديمية الملكية للغة ترد لفظة morisqueta كدلالة على المخاتلة وعلى كل اتفاق ينطوي على خدع (…)

مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، 2011

العلاّمة متعدد الأشغال

جمع العلاّمة المغربي (1936 ـ 2015) بين شخصيات عدّة: المؤرّخ، الذي غاص عميقاً في تاريخ عرب الأندلس والموريسكيين؛ واللغوي، الذي دافع بحرارة عن اللغة العربية في الديار المغاربية، إلى جانب تمرّسه في اللغتين الإسبانية والبرتغالية؛ والمذيع، الذي اختصت برامجه بتعريف المستمعين على موسيقى الشعوب، الرفيعة ولكن المجهولة بالنسبة إلى الكثيرين؛ والصحافي، الذي كتب في الصحافة اليومية، وترأس تحرير صحف، وتولى أمانة النقابة الوطنية للصحافة؛ والأديب، الذي انتُخب أميناً لاتحاد كتّاب المغرب؛ ثمّ الدبلوماسي السفير، والسياسي البرلماني والوزير…
وفي كلّ هذه المشاغل، كان هاجس العربي المساري الأبرز هو استلهام التاريخ والتراث بروح حداثية، ومنهجيات علمية عصرية بقدر ما ترتكز على الأصالة، من جهة أولى؛ والارتقاء بحوار الحضارات، خاصة بين ضفتَيْ المتوسط، وحوليات التلاقي والصراع في شبه الجزيرة الإيبيرية، من جهة ثانية. وفي نعيه، شدّد اتحاد كتّاب المغرب على ما تمتع به الراحل من «حضور كبير ومؤثر في الساحة الثقافية والإعلامية والسياسية والدبلوماسية، طوال عقود من الزمن والنضال والتأليف والعمل الدؤوب، دون كلل أو ملل، مدافعا باستماتة عن القضايا المغربية الكبرى وقضايا الهوية العربية الإسلامية، بمثل دفاعه عن الثقافة والمثقفين، من أجل ترسيخ قيم الوطنية الأصيلة، والثقافة الواعية، المقاومة لكل أشكال التخلف والتفكير البائد».
كان طبيعياً، إذاً، أن تتنوع مؤلفات العربي المساري قياساً بتنوّع مشاغله تلك: «معركتنا.. العربية ضد الاستعمار والصهيونية»، بالاشتراك مع محمد عبد الكريم غلاب وعبد الجبار السحيمي؛ «مع فتح في الأغوار»، «قضية الأرض في نضالنا السياسي منذ الاستقلال»، «صباح الخير للديمقراطية للغد»، «جدل حول العرب»، «المغرب وإسبانيا في آخر مواجهة»، (حول قضية الصحراء)؛ «إسلاميات أدب المهجر»، «المغرب بأصوات متعددة»، «الإسلام في مؤلفات المفكرين العرب في الأمريكتين»، «الاتصال في المغرب، من الفراغ إلى المقدرة»، «المغرب بالجمع»، «المغرب ومحيطه»، في جزءين؛ و»المغرب الافتراضي في الصحافة الجزائرية».

محمد العربي المساري

اشترك في قائمتنا البريدية