راندال فاولر في «أكثر من عقيدة، عهد ايزنهاور في الشرق الأوسط»: خيارات مهدت لحروب أمريكا الاستباقية في المنطقة

حجم الخط
1

 

دوايت ايزنهاور، رئيس جمهورية الولايات المتحدة لولايتين ما بين عامي 1952 و1960 هل كان أقل انحيازاً لإسرائيل من رؤساء أمريكا الذين سبقوه أو تبعوه؟ وهل كان موقفه الذي أفشل العدوان الإسرائيلي ـ البريطاني ـ الفرنسي على مصر خلال قيادة الرئيس جمال عبد الناصر نابعاً بالفعل من قيم أخلاقية وإيمان بالشرائع الدولية أو نتيجة لعوامل أخرى؟
هذان سؤالان وغيرها يحاول راندال فاولر، الأستاذ في جامعة ماريلاند الأمريكية والمحاضر السابق في جامعة عمّان التطبيقية الإجابة عليهما في كتاب «أكثر من عقيدة، عهد ايزنهاور في الشرق الأوسط» الذي كتب مقدمته استاذه السابق في جامعة بايلور الأمريكية مارتن ميدهيرست.
الأمر الذي يتفق فيه فاولر واستاذه ميدهيرست هو ان خطاب ايزنهاور السياسي ومواقفه قبل وبعد أزمة السويس في عام 1956 مهدا لاحتلال أمريكا الموقع الرئيسي بين دول المعسكر الغربي في الشرق الأوسط في مكان بريطانيا وفرنسا اللتين كانتا الدولتين الاستعماريتين المهيمنتين على دول منطقة الشرق الأوسط بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وبالتالي، فإن فاولر يعتبر ان ايزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس، برغم أنهما اختلفا وتميزا عن الرئيس الأمريكي الذي سبقهما هاري ترومان وبعض الرؤساء والقادة الذين أتوا بعدهما في جرأتهما في تحدي السياسات التوسعية لإسرائيل لأبعد من ذلك مما شمل منع امتداد الشيوعية ونفوذ الاتحاد السوفييتي في المنطقة على حساب أمريكا والدول الغربية والحفاظ بشكل خاص على المصالح الاقتصادية والنفطية للولايات المتحدة والغرب وعدم المساس بها.
يعتبر الكاتب أن وقوف ايزنهاور في وجه الهجوم الذي شنته بريطانيا (بقيادة انتوني ايدن) وفرنسا (بقيادة غي موليه) وإسرائيل (بقيادة ديفيد بن غوريون) على مصر بعد إغلاق الرئيس جمال عبد الناصر الملاحة البحرية عبر قناة السويس وتأميمها في 26 تموز (يوليو) 1956 وإفشاله هذا الهجوم لم يكن فقط بمثابة فصل سياسة أمريكا الخارجية عن سياستي بريطانيا وفرنسا الخارجيتين في الشرق الأوسط بل استبدالهما والحلول مكانهما في هذا المجال. كما ان إرسال ايزنهاور قوات عسكرية أمريكية إلى لبنان في عام 1958 لمنع سقوط النظام بقيادة الرئيس كميل شمعون أمام قوات متحالفة مع نظام الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) بقيادة عبد الناصر، فتح المجال أمام التدخل العسكري الأمريكي الاستباقي في الشرق الأوسط كلما طلبت دولة عربية موالية لأمريكا مثل هذه المساعدة العسكرية. وقد اتخذ ايزنهاور وجون فوستر دالاس هذا القرار تطبيقاً لما سمياه «حلف بغداد» ونتيجة لقلقهما الشديد بعد سقوط النظام الملكي في العراق وحكومة الرئيس نوري السعيد في عام 1958 ومقتل جميع رموز ذلك النظام على أيدي الثوار في بغداد.
ويرى المؤلف ان معظم التدخلات العسكرية الأمريكية المباشرة في منطقة الشرق الأوسط منذ عهد ايزنهاور حتى الساعة ارتكزت على المبادئ التي أرساها ايزنهاور ودالاس بعد أزمتي السويس في عام 1956 والعراق ولبنان في عام 1958.
وينوه الكاتب بشجاعة ايزنهاور على الرغم من انتقاده له على الازدواجية في خطابه السياسي، فيقول ان ايزنهاور اتخذ موقفه في إفشال الهجوم البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي على مصر في عام 1956 الذي كان من المخطط ان يؤدي إلى إسقاط نظام الرئيس عبد الناصر، قبل أيام فقط من الانتخابات الرئاسية الأمريكية للتجديد له كرئيس في ولاية رئاسية ثانية حيث كان خصمه في هذه الانتخابات المنافس الديمقراطي القوي ادلاي ستيفنسون. ولكن، خلافاً لغيره، لم يكترث ايزنهاور للوبيات الداخلية المعادية له ولسياساته الجديدة في أمريكا وخارجها ونجح في الاستمرار كرئيس لولاية ثانية حتى عام 1960. وفي انتقاد المؤلف لخطوات ايزنهاور في أزمة السويس، يقول في الصفحة (132) ان مواقف ايزنهاور ساهمت في ارتفاع شعبية عبد الناصر وشجعته للاتجاه لتصعيد دوره القومي العربي الوحدوي الأهداف في المنطقة برمتها، وبدلاً من ان يصبح حليفاً لأمريكا والغرب اتجه أكثر نحو التسلح من الكتلة الشرقية عبر انفتاحه وتعاونه العسكري مع الاتحاد السوفييتي.
وفي إشارة الكاتب إلى الصراع العقائدي السوفييتي ـ الأمريكي في تلك الحقبة، يقول في الصفحة (109) ان القيادة الشيوعية السوفييتية كانت تحاول استقطاب عبد الناصر والقوميين العرب في المنطقة على جهتها وتحرضهما بقولها ان أمريكا بقيادة ايزنهاور تعتمد الازدواجية حيث تؤيدهم علناً وتتآمر عليهم سراً، وان الحليف الطبيعي والفعلي للقومية العربية هو الاتحاد السوفييتي. وهذا كان أحد العوامل التي دفعت بايزنهاور إلى التدخل لمنع نجاح الهجوم الثلاثي (البريطاني ـ الفرنسي والإسرائيلي) على مصر عام 1956. وهذا أمر لم يفهمه انتوني ايدن، إذ ظن ان نجاح تحالفه مع ايزنهاور ودالاس في عملية إسقاط نظام الرئيس محمد مصدّق في إيران عام 1953 سيتكرر عبر إسقاط جمال عبد الناصر في مصر وفوجئ بعكس ذلك.
ويوضح فاولر في الفصل الثالث بعنوان «عملية اجاكس في إيران» ما سماه اعتماد النظام الأمريكي «رواية تضليل التوجيه» التي تعامل فيها نظام ايزنهاور مع رئيس الحكومة الإيرانية محمد مصدق، والتي ربما تعامل ويتعامل بها رؤساء أمريكيون آخرون بعد ايزنهاور مع قيادات المنطقة. حيث ظن مصدّق ان القيادة الأمريكية كانت بالفعل إلى جانبه بين عامي 1951 و1953 فيما كانت هذه الإدارة تخطط بالتنسيق مع الإدارة البريطانية لإسقاطه بسبب تعامله السلبي مع المؤسسات النفطية الأجنبية البريطانية وتضييقه عليها. وفيما ظن مصدّق ان القيادة الأمريكية استجابت لتحذيراته من أن القوى الشيوعية تتغلغل في إيران ووجود ضرورة لأن تدعمه أمريكا لمنع ذلك، كانت عملية «اجاكس» لإزاحته تتحضر من جانب المخابرات الأمريكية والبريطانية. (ص 56 ـ 57).
وحاولت أمريكا آنذاك إظهار انها تلعب دور الوسيط النزيه بين القيادة المصدقية والبريطانية، فيما كانت قد اتخذت موقفاً إقصائياً سلبيا مسبقاً إزاء مصدق، حسب المؤلف.
هذا الغموض في التعامل مع مصدّق مارسته القيادة الأمريكية في عهد ايزنهاور وفي العهود الرئاسية الأمريكية التي تلته. فحتى بعد أن أرسلت الولايات المتحدة قوات عسكرية لمنع سقوط نظام الرئيس اللبناني كميل شمعون عام 1958 خوفاً من سلسلة من الانقلابات على شاكلة ما حدث في الانقلاب الدموي في العراق ضد العائلة المالكة، فإن جهات مؤيدة لشمعون اعتبرت ان أمريكا تخلت عن الرئيس اللبناني وكانت تدير مفاوضات ضده مع خصومه للحلول مكانه.
ولعل الرئيس عبد الناصر فهم هذه اللعبة وأدرك خطورتها فأبقى خطوطه مفتوحة على سائر الجبهات.
بيد أن المؤلف يعتقد أن ايزنهاور أخطأ في تعامله مع عبد الناصر الاسترضائي ودفعه إلى خطوات تصعيدية أدت إلى هزيمته في حرب 1967. وقد يعتبر البعض هذا الموقف منحازاً من جانب الكاتب ومفتقداً إلى الموضوعية الشاملة.
من أهم إنجازات ايزنهاور، حسب المؤلف، أنه أقنع الشعب الأمريكي والكونغرس بإن منطقة الشرق الأوسط هي منطقة حيوية ورئيسية بالنسبة لمصالح أمريكا، وان على أمريكا اولاً (وليس أي قوة أخرى) ان تلعب الدور الرئيسي في تقرير مصير هذه المنطقة بالتنسيق مع قياداتها ومع منظمة الأمم المتحدة. «عقيدة ايزنهاور» كما سُميت آنذاك شملت الافتراض ان الدول الأوروبية ليس باستطاعتها حماية الشرق الأوسط من الشيوعية وان الدول العربية لا يمكنها حماية نفسها بمفردها وعلى أمريكا مساعدة أي دولة من المنطقة تطلب المساعدة العسكرية. ولكن ايزنهاور تردد كثيراً، قبل اتخاذه القرار بإرسال قوات عسكرية إلى لبنان. بيدَ ان «الجرة كُسرت» بعد ذلك، وأصبحت الإدارات الأمريكية اللاحقة تعتبر انها والأمم المتحدة وجهان لعملة واحدة في مجال التدخل العسكري في دول العالم الثالث حيث تتطلب «الحاجة».
ويعتبر بعض الغربيين ان ايزنهاور كان الرئيس السبّاق في هذا المجال، فيما يعتبره آخرون الرئيس الأمريكي الذي تجرأ على معاملة إسرائيل بطريقة أقل انحيازاً من غيره، هو ووزير خارجيته جون فوستر دالاس، الذي استشهد الكاتب بقول له في احدى المناسبات ان إسرائيل كباقي الدول العربية تسبب المشاكل لأمريكا في بعض الأحيان. وهذا قول لا يجرؤ على النطق به قياديو أمريكا بعد ايزنهاور، على الأقل علنا!
في خطاب لايزنهاور أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة القاه في آب (أغسطس) عام 1958 أي بعد مرور شهر على إرساله قوات عسكرية أمريكية إلى لبنان لمنع سقوط نظام كميل شمعون اللبناني، قال ان أمريكا فعلت ذلك لمنع حدوث وتكرار الاعتداءات على الدول المعرضة للخطر كلبنان والأردن وأنها ستفعل ذلك ثانية إذا اضطرت. وبالتالي، وضع ايزنهاور الأسس لما سمي لاحقاً «الحرب الاستباقية» التي استخدمها الرئيس جورج بوش الابن لتبرير الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وفعل ذلك غيره من الرؤساء قبل وبعد العراق للتدخل في أمكنة أخرى كفيتنام وأفغانستان وغيرهما.
ويفسر المؤلف المواجهة بين النظام المصري والعراقي بقيادة عبد الكريم قاسم بعد انقلاب عام 1958 ان قاسم تقرب جداً من النظام السوفييتي ثم تواجه بعد ذلك مع الشيوعيين في بلده مما رجّح كفة القوميين العرب ضده. (ص 169).
ويعتبر فاولر أن تأثير ايزنهاور ومبادئه لم يكن فقط على الذين تبعوه من رؤساء أمريكا اليمنيين من الحزب الجمهوري بل تأثر بعقيدته حول ضرورة تدخل أمريكا العسكري في حال تعرض مصالحها للخطر رؤساء من الحزب الديمقراطي على شاكلة جيمي كارتر وبيل كلينتون وحتى الرئيس باراك أوباما. فأوباما كان يفاوض حول اتفاقيات سلام ويحضر في الوقت نفسه لهجمات أمريكية عسكرية وينفذ ضربات استباقية جوية بواسطة الطائرات العسكرية من دون طيار على مَنْ يعتبرهم خصوم أمريكا.
وصار رؤساء أمريكا، في نظر المؤلف (في بعض الأحيان) يفتشون عن الخصوم ويضخمون خطورتهم إما لضربهم عسكرياً أو للتهديد بفعل ذلك وهذا، في رأيه، كان أحد أبرز سلبيات عقيدة ايزنهاور.

Randall Fowler; Era in The Middle East :More Than A Doctrine: The Eisenhawer
Potomac Books The University of Nebraska Press, USA 2018
. 233 pages

راندال فاولر في «أكثر من عقيدة، عهد ايزنهاور في الشرق الأوسط»: خيارات مهدت لحروب أمريكا الاستباقية في المنطقة

سمير ناصيف

اشترك في قائمتنا البريدية