رسائل الأدب

حجم الخط
1

 

الناس يتساءلون في كل مكان عن غايات الأدب ووظائفه، ويختلفون حول هذه الغايات والوظائف، بل ويقتتلون. فمنهم من يقول ان الأدب كغيره من الفنون نوع من الترف الذي لم يعد له مجال في الحياة القائمة على العلم والانتاج، ومنهم من يرى أن الأدب ضرورة من ضرورات الحياة، وأنه يشبع في حياة الناس حاجات ملحة لا تقل خطورة عن غيرها من الحاجات المادية وغير المادية، بل ومنهم من يرى أن من واجب الأدب أن يساهم في تنظيم الإنتاج العام وتنمية وتحقيق العدالة في توزيع ثرواته، وذلك باعتبار أنه الوسيلة الأولى لرياضة أهم أداة من ادوات الغنتاج والاستهلاك، وهي الإنسان.
ولا تقف المعركة الدائرة حول غايات الأدب ووظائفه عند ضرورته أو عدم ضرورته، بل تمتد إلى الاختلاف حول الغايات التي يمكن أن يسعى إليها، فيتساءلون هل يجب أن يكون الأدب ذاتياً أم موضوعياً، وهل يجب أن يكون فردياً أم اجتماعياً، وهل يجب أن يكون أدب جمال أم أدب حياة، وهل يكون أدب عاطفة وانفعال أم أدب عقل وتفكير، ثم هل يجب أن يحمل رسالة أخلاقية تهذيبية أم يكتفي برسالته الجمالية. هل يحسن أن يكون أدب شرح وتفسير وعرض وإيضاح، أم أدب دعوة وهداية وإرشاد وتوجيه. وأخيراً، هل يحسن أن يكون أدب هروب وحياد أم أدب رأي والتزتم.
كل هذه اتجاهات تتصارع في مجال الأدب في العالم العربي وغيره من العوالم في العصر الحاضر، فما بالنا لو عدنا إلى التاريخ لنحاول استعراض الغايات التي كان يهدف إليها الأدب وغيره من الفنون في تاريخ الإنسانية الطويل، الذي يمتد من الرجل البدائي حتى الرجل المتحضر المعاصر، حيث نرى الآداب والفنون تختلط في نشأتها الأولى بالسحر ومعتقدات الإنسان البدائي، ثم تنتهي من السحر إلى الدين، حيث نرى فنوناً أدبية خطيرة تولد في كنف الدين، وفي خدمة طقوسه وشعائره ومعتقداته، على نحو ما نشأ فن المسرح في عبادة ديونيزوس إله الكرم والخمر عند اليونان. ونشأ ما يشبه هذا الفن قبل ذلك في عبادة إيزيس وأوزيريس عند قدماء المصريين. ثم نجد الأدب ينتقل إلى خدمة المجتمع، فيعتبر سجلاً تاريخياً لأحداثه الكبرى، حتى قيل إنه السجل الاول لحياة شعب كالشعب العربي، وذلك مع مزاوجته عندئذ بين التعبير عن حياة المجتمع وأحداثه الكبرى، والتعبير عن حياة الفرد وبعض خواطره أو عواطفه أو مشاهداته.
ثم تعقدت الأمور بنمو التفكير البشري وتناوله لمختلف مناحي النشاط الإنساني بالتحليل والتوجيه. فلم يعد الأدب ينمو ويتطور بطريقة تلقائية تمليها ملابسات الحياة وحاجات الفرد والمجتمع، بل تدّخل التفكير الفلسفي، وأخذ يستنبط للأدب والفن غايات جديدة، وإن يكن قد ابتدأ على يد أرسطو باستقراء تلك الغايات من الأدب الذي سبق انشاؤه بطريقة تلقائية، وحاول أن يظهر غايات أو وظائف خفية كانت مستقرة في ذلك الأدب وكانت تعمل عملها في النفوس على نحو لاشعوري. ثم جاء هذا الفيلسوف الجبار، فحاول أن يظهر إلى عالم الوعي والادراك تلك الغايات والوظائف الخفية الفعالة، ويفسر بفضلها استراحة الناس لهذا الأدب أو الفن وإقبالهم عليه (…)
والواقع أن الغايات التي اتخذت هدفاً للادب في كل مذهب كثيراً ما حددت على أساس فن خاص من فنون الأدب، كان محور تفكير واهتمام دعاة ذلك المذهب. فالرومانسية مثلاً عندما تقول بأن الأدب تعبير عن الذات الفردية إنما ينصرف تفكيرها إلى الشعر الغنائي بنوع خاص، وذلك لأنه الفن الأدبي الذي يستطيع تحقيق هذه الغاية، بينما يقصر عن ذلك فن آخر كفن القصة أو المسرح، الذي لا مفر له من أن يكون موضوعياً، فالذاتي لا يمكن أن تدخله إلا لماماً أو بطريق غير مباشر، أو في ثوب التنكير. وعندما نهضت مذاهب أخرى تحارب الذاتية وتدعو للموضوعية كانت دعوتها منصرفة بالضرورة إلى الفن الأدبي الذي ظهرت فيه الذاتية وطغت عليه، وهو فن الشعر الغنائي.
والمعركة التي دارت ولا تزال تدور بين الذاتية والموضوعية يريد الكثير من المفكرين التسليم بأساس التعارض فيها بالنسبة إلى للشعر الغنائي، لأنهم يرون أن هذا الفن لا يمكن أن يتحدث عنهما حديث العلم وكما هما في العالم الخارجي، وإنما يتحدث عنهما كما ينعكسان في النفس البشرية ويتلونان بألـوان تلك النفس، وإلا خرج الحديث عن مجال الأدب.
أما الخلاف القائم بين القيمة الجمالية للأدب والقيمة النفعية أو الحيوية، فهو أيضاً لا يستند إلى تعارض اساسي، وذلك لأن الإنسانية قد أجمعت منذ الأزل حتى اليوم على أنه لا يمكن اعتبار كل كلام أدباً. فالعلم ليس أدباً. والتفكير المجرد ليس أدباً، وإنما يتميز الأدب عن غيره من الكلام أو التفكير بخاصة أساسية هي قيمته الجمالية التي تنبعث من خصائص اسلوبه، وبانعدام هذه القيمة بنعدم الأدب وإنما يدور الخلاف حول استطاعة الأدب الاكتفاء بقيمته الجمالية دون القيم النفعية الأخرى أو عدم استطاعته.

الأقسام الختامية من «الأدب ومذاهبه»، 1957

متعدد المناهج

في مصر، أواسط خمسينيات القرن الماضي، قرر محمود عباس العقاد أن قصائد «الشعر الحر»، التي أخذت تصله عبر المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، ليست شعراً؛ فاعتاد تحويلها إلى لجنة النثر، للاختصاص! ولعلّ النزاع الأبكر حول هذا الموقف، وكان يومئذ الأكثر جدية وإثارة لسخط العقاد، جاء من (1907 ـ 1965)، الناقد المصري الصاعد بقوّة، والذي كرّس شخصيته في المشهد النقدي المصري، إلى جانب أعلام كبار من أمثال طه حسين وإبراهيم عبد القادر المازني ومحمد حسين هيكل والعقاد نفسه. والإنصاف يقتضي التذكير بأنّ شريك مندور الوحيد في التفكير والمنهج، وكذلك في حلبة مواجهة هؤلاء الكبار المكرسين، كان لويس عوض.
ومع ذلك، لم يكن ثمة تناقض في أنّ طه حسين كان هو الذي رشّح مندور لبعثة دراسية إلى فرنسا، حيث عاد ابن قرية كفر مندور من باريس إلى القاهرة، أوخر الثلاثينيات، حاملاً ثلاث شهادات دفعة واحدة: بكالوريوس في اللغات والآداب الكلاسيكية، دبلوم من معهد الأصوات اللغوية، ودبلوم في الاقتصاد والتشريع المالي. وفي الجامعة المصرية، تحت إشراف الدكتور أحمد أمين، أنجز مندور أطروحة دكتوراه حول «النقد المنهجي عن العرب». ولسوف تتطوّر طرائقه في دراسة الأدب وتحليل النصوص عبر ثلاثة مراحل: إحياء التراث النقدي العربي القديم (الآمدي والجرجاني بصفة خاصة)، مع الاستئناس بالمدارس النقدية الغربية المعاصرة، والتشديد على البُعد الجمالي، خاصة في دراسة الشعر؛ وتطوير «المنهج الفقهي» الذي يعتمد على معطيات فقه اللغة، الذي «يبتديء بالنظر اللغوي لينتهي إلى الذوق الأدبي»، كما كتب؛ وثالثاً، المنهج الإيديولوجي، الذي أتاح لمندور أن يقدّم أفكار الفلسفتين الاشتراكية والوجودية، وإمكانية توظيفها في دراسة الآداب.
وكان العمل في الصحافة، وخاصة الحزبية منها، ضمن مطبوعات «الوفد» تحديداً؛ هو الجانب الآخر البارز في شخصية مندور. ولقد حدث، سنة 1946، أنّ رئيس الوزراء اسماعيل صدقي أغلق جريدة «الوفد المصري»، التي كان مندور يتولى تحريرها، إلى جانب «أخبار اليوم»؛ كما اعتُقل مندور، طيلة 46 يوماً، واتُهم بالشيوعية، ثمّ حاولت سلطات صدقي شراءه عن طريق تعيينه سفيراً لمصر في سويسرا، فرفض دون تردد. ومن جانب آخر، ما تزال الآراء تتضارب حول عدائه، أو ولائه، أو اكتفائه بالصمت، إزاء حركة الضباط الأحرار في مصر، 23 تموز (يوليو) 1952.
كتب مندور، وترجم إلى العربية، عشرات الأعمال؛ بينها «في الميزان الجديد»، «نماذج بشرية»، «في الأدب والنقد»، «مسرحيات شوقي»، «خليل مطران»، «ابراهيم المازني»، «جولة في العالم الاشتراكي»، «الأدب ومذاهبه»، «قضايا جديدة في أدبنا الحديث»، «الثقافة وأجهزتها»، «مسرح توفيق الحكيم»، «النقد والنقاد المعاصرون»، «الأدب وفنونه»، «الكلاسيكية والأصول الفنية للدراما». وفي الترجمة: «الشعر المصري بعد شوقي»، «فن الشعر»، «المسرح النثري»، «دفاع عن الأدب»، «من الحكيم القديم الى المواطن الحديث»، «منهج البحث في الأدب واللغة»، «تاريخ اعلان حقوق الانسان».

محمد مندور

اشترك في قائمتنا البريدية