قرأت هذه «الرسالة» فذهبت أُفكِّر في ترجمة الأدب من لغة إلى لغة كيف ينبغي أن تكون؟ أنجعلها حرفية دقيقة بغير نظر إلى ما بين اللغات من فرق في الذوق، وطريقــــة تأليف الكلام «على معــــاني النحو» كما يقول الجرجاني، وما بين أبنائها من اختلاف في أساليب التفكــــير والتناول؟ إن الأمانة تقتضي هذا، ولكن الأمانة لا تهون في كل حال، ولا سيما إذا عَظُم الاختلاف بين لغتين كالعربية والإنكليزية، وبعدت مسافة الزمن بين العصر الذي ننقل منه والعصر الذي ننقل إليه، فكان لهذا أثره حتى في الأجيال المتعاقبة من أمة واحدة، فما ظنُّك بأمتين، غربــــية حديثة، وشرقية قديمـــة؟ أم نتصرف كما تصرف فتزجرلد حــــين نقل «رباعيات الخيام» من الفارسية إلى الإنكلــــيزية فطرح الثوب وتحفظ بالروح ونظــــم معانيها شعرًا إنكليزياً سلساً يطيب وروده على الأذن ولا تنفر منه أذواق قومه؟
وليس لي علم بالفارسية، غير أني قرأت ترجمات عربية شتى لهذه الرباعيات عن الفارسية، بعضها منثور والبعض منظوم، قيل في وصفها إنها حرفية، وأنا أُفضِّل ترجمة فتزجرلد ولا أعدل بها شيئًا، لأنها شعر استطاع قائله ـ ولا أقول مترجمه ـ أن يكسبه جمالاً ويجعل له سحراً، ولكن هذه لا تُعدُّ ترجمة بالمعنى الصحيح، وأصدق ما يقال فيها – في رأيي – إن فتزجرلد استوحى معانيها من الخيام، ولم يتقيد بالأصل، بل أرسل نفسه وهو ينظمها على سجيته وسجية قومه.
ويقول بيتسE. S. B. Bates في كتابه «دراسات في الترجمة» ما معناه أن الترجمة الأدبية لا ينبغي أن تقتصر على أداء المعنى فحسب، بل يجب أيضاً أن تنقل روحه إلى القارئ، وأن لا تكون في ثوبها المستعار أقل روعة أو جمالاً أو قوة منها في ثوبها الأصلي. ويذهب تتلر A. F. Tytler إلى أن الترجمة ينبغي أولًا أن تكون دقيقة الأداء للمعاني التي في الأصل، وثانياً أن يكون للأسلوب وطريقة الأداء الطابع نفسه الذي للأصــــل، وثالثاً أن يكون للترجمة كل ما للأصل من ســـهولة التأليف وسلاسة الإنشــــاء، ولكنه يجيز بعض التصرف في الشعر؛ لأن روح الشعر ألطف من أن يحتمل الالتزام الدقيق للأصل، وأخلق به أن «يتبخــــر» إذا بالغ المــــترجم بالتقيد.
وأحسب أن من العسير فرض قانون يلتزمه كل مترجم في كل حال، أو وضع قاعدة لا يتزحزح عنها مقدار شعرة، ولكن من المُسلَّم فيما أرى أن الأمانة شرط لا مَعدَى عنه، وليست الأمانة أن تؤدي المعنى وحده، بل ينبغي كذلك أن تحرص على «شخصية» الكاتب، وإذا قلت الشخصية فقد قلت الأسلوب، وطريقة تناول الموضوع وعرضه، والنهج الخاص في تأليف الكلام، فإن المعنى الواحد يكتبه رجلان، فيكون بينهما تفاوت، ويوجهه كلٌّ منهما وجهته وينظر له من ناحية غير صاحبه، ويخلطه في نفسه بغير ما يخلطه ذاك، ويزاوج بينه وبين ما عنده، ويولد من هذا التزاوج آخر قد يجيء مختلفاً جداً على الرغم من التشابه العام، كما يتشابه الشقيقان، وهما بعدُ اثنان متميزان.
٭ ٭ ٭
و»رسالة الغفران» التي ساقتنا إلى هذا الحديث، هي – كما يعرف القارئ – لأبي العلاء المعري، وسبب كتابتها أن ابن القارح حُمِّل رسالة إليه، فأضاعها، فكتب إليه يعتذر، وتكلف في اعتذاره أن يُظهر علمه وفضله وأدبه، فرد عليه أبو العلاء برسالة الغفران، وقابل ما تكلف من العلم بمثله فأغرقه في بحر من علمه بالأدب ونقده الشعر، وأحاط ذلك بإطار من الفكاهة، وتخيل ابن القارح في الجنة يطوف بها ويرى ويسمع إلى آخر ذلك.
كان الأستاذ كامل الكيلاني قد نشر «مختصراً» لهذه الرسالة، احتفظ فيه بإطار القصة، ولم يستَبقِ من غيرها إلا ما لا غنى عنه للسياق، فيسر قراءتها للقارئ العادي الذي لا يعنيه التوفر على الدرس والتحصيل.
وقد نقل المستر ج. براكنبري هذا المختصر إلى اللغة الإنكليزية نقلًا حرفياً في الأغلب، ولم ينبه إلى أن هذه ترجمة المختصر لا الأصل، فالقارئ الإنكليزي الذي لا يعرف ذلك قد يذهب إلى رأي في المعري لا مسوِّغ له في الحقيقة؛ لأن ما حُذِف من العناصر الأدبية واللغوية في المختصر كثير والباقي لا يكفي للتعريف بما قصد إليه أبو العلاء. (…)
وما أظن إلا أن القارئ قد أدرك أنَّا كنا نؤثر أن يترجم النص الكامل للرسالة لا المختصر، وإن كنا لا يسعنا إلا أن نعترف بأن النص الكامل كان خليقاً أن يُنفِّر القارئ الإنكليزي ويتعبه، ولكن التعب الحاصل على الحالين، فإن المختصر نفسه لا يوائم ذوق الغربي، ولا يجري على ما أَلِفَ، ولما كان الغرض من الترجمة أن يطلع الإنكليز على مثال من الأدب العربي، فقد كان الإنصاف يقتضي أن يُعرَض على أصله وحقيقته، غير مبتور أو منقوص، وليس الحذف من عمل المستر براكنبري، فما عدا أنْ نقل المختصر المنشور بأمانة ودقة، فلا لوم عليه، وإنه لمشكور على مجهوده الذي لا نشك في أنه سيفوز من قومه بحقه من التقدير.
عن مجلة «المقتطف»،
نيسان (أبريل) 1944
مشرحة السخرية
في مقتبل حياته الجامعية كان الأديب المصري إبراهيم عبد القادر المازني (1890 ـ 1949) قد فرّ من دراسة الطبّ لارتياعه من مشاهد تشريح الجسم البشري؛ لكنه صرف بقية عمره وهو يشرّح نصوص الآخرين، أدباً وترجمات، ولا يخرج من خصومة حتى يدخل في أخرى. وتلك كانت معارك أدبية طاحنة، خاضها المازني ضد أعدائه وأصدقائه، سواء بسواء، وشملت أمثال أحمد شوقي وطه حسين وعباس محمود العقاد ومصطفى صادق الرافعي وخليل مطران وعبد الرحمن شكري وأحمد زكي أبو شادي وعلي محمود طه… فضيلة تلك المعارك، الأهمّ ربما، أنها أتاحت للمازني أن يُعلي قيم التجديد والتحديث، بل الحداثة في معانيها العصرية والمستنيرة، ضدّ التقليد والجمود والنزعات المحافظة التي كانت تعشش في الحياة الأدبية المصرية، والعربية، عموماً.
فضيلة ثانية هي حسّ النقد الذاتي، إذْ لم يوفّر المازني ذاته في جوانب عديدة، لعل أشدّها جرأة كانت كشف مظاهر الاختلال في علاقته بأسرته؛ وهذه ـ في تلك الأزمان، على وجه التحديد ـ كانت سمة نادرة ومحـــرجـــة وأقرب إلى المحرّم. وأمّا السمة الأسلوبية الأبرز فقد كانت نـــبرة السخرية العالية من الخصوم، والتهكم الشديد على أقوالهم وأفعالهم وشخوصهم، بلغت أحياناً درجة مفرطة وتجريحية.
وكان ولع المازني بالترجمة قد أعطى حصيلة غنية من النصوص، في الشعر والنثر؛ حتى أنّ العقاد منحه شهادة عزيزة المنال: «لم أعرف فيما عرفت من ترجمات للنظم والنثر أديباً واحداً يفوق المازني في الترجمة من لغة إلى لغة شعراً ونثراً». وبالطبع، كان ذلك الولع قد مكّن المازني من عشرات المؤلفات في الأدب والنقد والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، فصار أحد أكثر كتّاب عصره اطلاعاً على ثقافات الأمم، وبات بالتالي أكثر قدرة على تطوير آرائه الحداثية، وكذلك مقارعة خصومه! وأمّا في الشعر فإنه كان، إلى جانب العقاد وشكري، أحد كبار مؤسسي مدرسة الديوان؛ فدعا إلى التجديد، ومارسه عملياً في قصائد كثيرة، وتجاسر على اللعب بعمود الشعر، وكسر رتابة القافية، ودافع عن «الشعر المرسل»، وانتهج موضوعات فلسفية لم تكن مألوفة في أغراض الشعر يومذاك، وأدخل في شعره تضمينات واقتباسات من الآداب الغربية؛ ثمّ اتخذ، سنة 1917، قراراً دراماتيكياً هو التوقف نهائياً عن كتابة الشعر، والانصراف إلى النثر وحده.
أعمال المازني كثيرة، لعلّ أشهرها «حصاد الهشيم» و»صندوق الدنيا»، في المقالة؛ و»خيوط العنكبوت»، «إبراهيم الكاتب»، «عود على بدء»، «في الطريق»، «إبراهيم الثاني»، «قصة حياة»، «سحر الحبّ»، «الشاعر المحتضر»، «كأس النسيان»، في النثر والشعر.
نصّ: إبراهيم عبد القادر المازني