رواية جهاد أبو حشيش «بيمان، درب الليمون»: أوطان آتية في حكاية عشق فلسطينية ـ كردية

حجم الخط
0

 

تغري الرواية العديد من الكتاب من مجالات مختلفة وأحيانا بعيدة عن الأدب وميادينه، لكن الملاحظ أن الشاعر الذي تمرس على كتابة المجاز واستأنس وحشة الاستعارات وجرب الوقوف على الحدود القصوى للفكرة والرؤية، حيث يرى ما لا يرى، يرى الوجوه الخفية للكلمات والأشياء عندما يكتب الرواية فإنه يرحل إليها محملا بكل تلك العوالم، فتتحول جميع الضمائر وكل الأصوات عنده إلى»كتابة الذات»، لأن السارد يتصيد اللحظات الحميمة والأكثر إنسانية ويغدق عليها من خياله الواسع ومشاعره الفياضة ويكسي المعاني ماء الاستعارة والمجاز والكناية. يصدق هذا الكلام على رواية «بيمان، درب الليمون «للشاعر والروائي جهاد أبو حشيش.
يفتتح الكاتب روايته بتاريخ موشوم في ذاكرة كل عربي، وفي تاريخ المرحلة التاريخية العربية الحديثة؛ العام1967الذي يؤرخ به ثقافيا وسياسيا للهزيمة التي أعقبت النكبة، لكن الكاتب اختار هذا المؤشر الزماني غير اللساني للتدليل على مسار سردي خاص يتصل بخروجه وأسرته من فلسطين نحو التيه أو التشرد ثم الإقامة في عمان في الأردن، والتدليل على مسار البحث والسفر الداخلي من أجل الوطن الآخر، الوطن الذي يطمئن فيه الإنسان ويتنامى ويتعدد، أي:الحب.
هكذا تكون أول جملة في الخطاب السردي قوية، وموحية في شاعريتها، إن لم تكن «إخبارية» في دلالتها، حيث يقول السارد:»بيمان، الوطن علة العاشق، مثلما الدرب علة الأقدام، تتعب الطرق ولا يتعب العشاق. في هذه العبارة الافتتاحية لا يخاطب السارد المتلقين، بل يخاطب(ينادي)المحبوبة التي فقدها في دروب النضال، وعسر المرحلة، ومحنة المصير، والتباس المغامرة، ومن ثمة تكون لحظة انطلاق الخطاب السردي زمانيا متأخرة عن لحظة انطلاق وتكون القصة، والفرق أن الخطاب يفتتح على لحظة فقد فيها جمال الشخصية المحورية حبيبته وزوجته الكردية بيمان، وتعني باللغة العربية»العهد»، يقول الكاتب في الهامش الأول:»بيمان: اسم علم مؤنث كردي، معناه: العهد».
هذا الاختلاف بين بداية الخطاب، الصيغة السردية، وبين القصة، مادة الحكي، مهم في تحديد الجنس الأدبي، فالخطاب وإن جاء في عمومه بضمير المتكلم إلا أنه لم يتمحور حول شخصية واحدة، وقد منح الكاتب كل شخصية فرصة الحديث وسرد جزء من حياتها أو من حياة شخصية مرافقة ومصاحبة لها، ولذلك فالجنس الذي ينتمي إليه الخطاب السردي ليس «السيرةالذاتية» ولا»السيرة الغيرية» إنما هو «كتابة الذات». الفرق بين «كتابة الذات» والسيرة الذاتية يكمن في الوقوف على الفرق بين الإيهام بالواقع والحقيقة المطلقة، لأن المتكلم في السيرة الذاتية يكون مطلق المعرفة ويقيني المعرفة أيضا، لأنه مصدر الخبر ومنبع السرد؛ أي أنه السارد والكاتب الموضوعي والشخصية الروائية، وهو ما جعل من خطابات السيرةالذاتية والغيرية خطابا تعليميا درجة التخيل فيه والإبداع «صفر»، بما يعني أن ما يدونه المتكلم في السيرة ليس سوى وقائع وأحداث جرت في الواقع العيني والمادي حقيقة ويمكن التأكد منها، وهي هنا لا تختلف عن خطاب التاريخ الذي يؤرخ فيه المؤرخ للوقائع والأحداث التي زامنها وعاصرها وكان شاهد عيان عليها، ويمثلهُ المحور الأول للرواية ذو المؤشرات غير اللسانية الواردة لاحقا، بينما «كتابة الذات» فهي خطاب يقوم على الوقائع والأحداث التي يمكن أن تكون في عمومها أو في جزء منها غير لسانية وقد حدثت بالفعل، كما أشرنا إلى ذلك، لكن طريقة صياغتها- وهنا يتحقق معنى السرد، لأن السرد يعني فيما يعنيه؛ الطريقة التي يروي بها السارد الوقائع والأحداث والطريقة التي ينظم بها السارد المتواليات السردية في خطاب منسجم أو غير منسجم بحسب رؤيته وموقعه كمتكلم وكسارد أو كشخصية أيضا- تختلف، ومرتكز اختلافها عنصرا التخيل والإبداع.
يقوم الخطاب السردي في رواية «بيمان، درب الليمون»على المحورين معا، الواردين أعلاه، المحورالأول الخاص بالوقائع الحقيقية والعينية وتمثلها الأسماء غير اللسانية للأمكنة (فلسطين، بيروت- لبنان، الدار البيضاء- المغرب، تونس، فرنسا، كوباني- كردستان، إسطنبول- تركيا) مثلا، والتواريخ العامة كالأعوام1967، 1981، 1982، حيث يرسم هذا المحور الخط الخاص بالتأريخ للقضية أو لمراحل تطور الشخصية المحورية جمال المناضل والشاعر الفلسطيني. أما المحور الثاني وهو المهيمن والذي يمثل الخصائص المميزة لكتابة الذات في شقها التخيلي والإبداعي يقوم على وقائع لسانية، وموضوعه «قصة حب ونضال» إنسانية نشأت في المعسكر ببيروت قبل الترحيل والتشريد الثاني بين مناضليْن كانا يتدربان وينجزان في آن واحد عمليات ومهمات عسكرية ضد عدو(مغتصب لحقوق كل منهما، وهما شخصية جمال المناضل الفلسطيني وبيمان المناضلة الكردية، وفي هذا المحور يجمع الكاتب بين وضعية شعبين يراها متشابهة، وهما الشعب الفلسطيني الذي وجد نفسه مطرودا من وطنه الأصلي فلسطين ومشردا بين دول العالم العربي والعالم يبحث عن استقرار فقده وحق ضاع منه، والشعب الكردي الذي وجد نفسه مضطهدا ومقسما بين عدد من الدول، وهما معا يعانيان من وضعية واحدة؛ الخذلان والتشرد والنضال من أجل تحقيق الأحلام، وحقوقهما الإنسانية المشروعة التي أصبحت مجرد أحلام، يقول السارد: «في الطريق إلى بيروت كنت أحمل وطنا واحدا داخلي اسمه فلسطين وقد منحته اسما عشته عمري كله وعاشني أعرف طعمه ولونه وأحس نبضه وأحيا له. في بيروت بين الرصاصة والتراب ورائحة الليمون التائه في بلاد تفتش عن أسمائها، كان مقدرا لي أن أحمل وطنا آخر اسمه بيمان، وطنا تناهشته أطماع التجار والغوغاء فسرقت منه هويته، بحثت عن التراب الرخو فيه لتشوهه مثلما فعلت في فلسطين، وحاولت مرارا وتكرارا أن تغتال ملامحه، لكنه أصر أن ينبت لهم من كل ألم عاشته أم لتحسس ملامح أبنائها الجبلية وتغني لهم عن كردستانهم الباقية جنبا إلى جنب مع فلسطينهم». ص 121.
قصةالحب «بين جمال وبيمان ستسفرعن بنت تكبر في الغياب والمحنة، لكنها رمز الأمل والاستمرار ستحمل اسم نسرين، لكنها على مستوى اللغة ستفجر لغة شاعرية رفيعة وتؤدي إلى تدفق سرديٍّ آسرٍ وحميمٍ، مما يؤكد رأي بيمان في حبيبها الفلسطيني المناضل والشاعر، حين تقول:»لو لم يكن معنا قبل قليل لقلت إن رجلا بكل هذه الرهافة لا يمكن أن يلمس سلاحا عمره كله». إلا أن أهم ما يدل على البعد الفني والجمالي وأثر اللغة الشعرية في لغة السرد هو قدرة الكاتب على المزاوجة في دمج منسجم ومتكامل ومتداخل بين المرأة والوطن، تداخل لا يكاد القارئ يميز بين الحدود الفاصلة بين كل واحد منهما، وهنا مختصر لهذه الظاهرة السردية:»هل قدري أن أظل أركض لألمس طيف الوطن ولا ألمسه فأجسده فيكما كي أجدني وحيدا في نهاية المطاف؟ وحدها زينب ستتعرف على ملامحك في داخلي، لأن الأوطان الخالصة تشم رائحة طريقها في ملامح بعضها البعض، وترتاح لملمس النعناع على أصابع العشاق، سأبكيك على أصابعها كما حجبت ولم أجدك، ووحدها ستقرأني وستدرك ما بي، لكنها ستبتسم وتربت على كتفي لتقول لي «أيها الشقي، أما كان يكفيك وطن واحد أم تراها الأوطان تتشابه يا جمال وتتوحد حين تجد قلبا مثل ماء الينابيع فتعشش فيه لتتنفس الحرية». ص 122.
جهاد أبو حشيش:
«بيمان، درب الليمون»
فضاءات، عمّان 2014
180 صفحة

محمد معتصم

اشترك في قائمتنا البريدية