راينر ماريا ريلكه: «مذكرات مالته لوريدز بريغه»
مع رواية «مذكرات مالته لوريدز بريغه» الوحيدة للشاعر الألماني العظيم راينر ماريا ريلكه (1875 ــ 1926)، والمترجمة إلى العربية، بتألق وشاعرية وجرأة، لأول مرة بعد صدورها عام 1910؛ قد يكتشف شعراء وروائيون ومثقفون لم يقرأوا هذه الرواية من قبل، أنهم كانوا متأثرين بها في كتاباتهم ورؤاهم! ليس في نهجهم اتّباع أسلوب تيار الوعي في كتابة الرواية الحديثة فحسب، حيث تعتبر هذه الرواية رائدة في ذلك، بل أيضاً في طرق معالجة القضايا الكبرى التي تؤرق الإنسان، مثل الوجود والخوف والموت والحب، وطرق السرد في بناء الشخصيات المعقدة؛ مثل الملــوك والجــنرالات والقديسين والشعراء.
فقارئ هذه الرواية الذي صَدَم وعيه طنين «الذباب» لجان بول سارتر، وشَحَذ ذهنه سحر حديث غابرييل غارسيا ماركيز عن «خريف البطريرك»، وأضاءت رؤيته عن الله والقديسين إشراقات نيكوس كازانتزاكس، وقرأ وشاهد ما لا يحصى من الأعمال الأدبية والفنية التي شكلت ثقافة القرن العشرين، سوف يكتشف من خلال وجود أثر هذه الرواية في هذه الأعمال أنه كان مسحوراً بمساءات النيل في القاهرة، لكنه مذهول الآن بهدير مياهه التي تتفجر من منابعه في بحيرة فيكتوريا؛ كما سوف يكتشف كتّاب وشعراء شباب ممن يؤرقهم البحث عن أساليبهم الخاصة في تعقيدات الحداثة وما بعدها، كم هم محظوظون فعلاً بقراءة هذه الرواية المؤثرة؛ وكم هم ممتنون فعلاً للشاعر والناقد الفلسطيني إبراهيم أبو هشهش الذي ترجم رواية الشعراء والروائيين المفيدة هذه عن الألمانية، وقدمها لهم بما يغني عن دراسة معمقة، ووضع لها حواشي تزيد فائدة ومتعة قراءتها بالأضعاف.
رواية ريلكه، التي لم يسمها روايةً بل كان يدعوها كتابي النثري، والتي تدعو الكثيرين وهم محقون في ذلك إلى اعتبار فصولها قصائد نثر بالغة الإذهال، هي رواية «ابن ضال»، فيه الكثير الكثير من شخصية ريلكه وأحداث حياته: شاعر يأتي إلى باريس بعد موت والديه الأرستقراطيين، وهو لا يملك سوى حقيبة ثيابه وصندوق كتبه، لكي يكتشف ذاته من خلال هذه المدينة /المرآة بوجوهها الميدوزية العاكسة لتغيرات العالم. ولكي يرى تغيراته هو نفسه، من خلال هذه المدينة التي تتغير إلى العصرية والطبقية الطاحنة للفقراء. ولكي يتعلم أن يرى، كما يردد ويكرر ذلك بطله مالته، في تأمله العميق الذي يتجاوز المشاهدة اليومية البسيطة إلى كشف الطبقات العميقة لنفسه ونفوس المدينة، بتساؤلاته عن المسائل الوجودية الكبرى التي تؤرق الإنسان مثل الخوف، المرض، العزلة، الموت، القدر والحب.
ويفتح مالته لإضاءة اكتشافاته وإثراء تعلمه عوالمَ طفولته وصباه، بما يعرض ظاهراً حياة الريف في قصريْ جدّيه الأرستقراطيين كنقيض لحياة المدينة التي تشيّء الإنسان، ويعرض بالعمق رؤاه حول الثقافة الأوربية بالنسبة لقضايا الوجود، بتفاعل مع المكان، في أعمال مبدعيها، ليصل إلى رؤية تغيره: من اعتباره باريس مدينة موت، ومشرديها «نفايات وقشوراً بشرية، يرشح منهم البؤس ويترك وراءهم أثراً قاتماً على الطرقات والجدران، ويرعبه أن ينزلق إلى وضعهم، وأن يعدوه واحداً منهم»؛ إلى تقدير وجوده في باريس: «فهي مدينة عظيمة محتشدة بغوايات غريبة؛ خضعتُ لها، وأفضى ذلك إلى بعض التغيرات، إن لم يكن في شخصيتي ففي نظرتي إلى العالم».
ثم إلى إعلان خجله من نظرته إلى المنبوذ الأعمى بمضض: «أشعر بخجل من كتابة أنني أثناء مروري به في أحيان كثيرة مشيت كما يفعل الآخرون… في امتناعي الجبان عن النظر ذهبت بعيداً حدّ أن صورة هذا الرجل تجمعت في أحيان كثيرة ومن غير مناسبة بقوة وعلى نحو مؤلم متحولة إلى بؤس قاس في داخلي».
في حياته بباريس وتفاعله مع أماكنها الزاخرة بالثقافة، وفي استعادة طفولته وصباه، وقراءاته، يمسح مالته في مذكراته كل ما يمر عليه بروح التغير، في الأشكال كما في المعاني، وبالأساليب التي نفضت ركود واقعية القرن العشرين منذ بداياته:
ــ الانطباعية التي مثلت انقطاعاً عن تقاليد واقعية القرن التاسع عشر، وبابتكار مذهل ليس في غياب الحدث المركزي بوصفه نقطة الارتكاز الأساسية للسرد، واعتماد أسلوب المونتاج، من خلال شخصية الراوي فحسب، بل أيضاً في اللغة الانطباعية الشاعرية التي بدا وكأنها ترسم الرواية لوحات انطباعية تضج بموسيقى اللون: «ما الذي في وسع قمر أن يفعله! هنالك أيام يكون فيها كل شيء حولك متألقاً، خفيفاً لا يكاد يلمح في الهواء المشرق، ومع ذلك يبدو واضحاً، حتى الأشياء القريبة يكون لها نغمة البعيد، إنها نائية وبادية للعيان ولا يمكن الوصول إليها، وكل ما له علاقة بالبعيد: النهر، والجسور، والطرق الطويلة، والميادين التائهة، قد جعلت هذا الامتداد وراءها، وبدا مرســوماً عليها كما لو أنه على حرير».
ــ وملامح التكعيبية التي لا تبدو ظاهرة في بنية الرواية، لكنها تتموج في تداخلات لغتها التي تبسط الأشياء وتضعها: «في خطوط صحيحة واضحة مثل الوجه في إحدى بورتريهات مانيه، ولا شيء تافه أو فائض عن الحاجة. باعة الكتب في كاي يفتحون صناديقهم، والصفرة الجديدة أو المستعملة للكتب، اللون البني البنفسجي للمجلدات، الخضرة الكبيرة لإحدى المحافظ، وكل شيء كان صحيحاً وصالحاً، كل شيء يأخذ جزءاً ويشكل كلاً كاملاً لا ينقص فيه شيء».
وكما لو أن الاكتمال يسعى إلى نفسه، يعيد مالته ملامح تكعيبية الرواية في أسلوب تهشيم وجمع الأجزاء وكأنها خارجة من لوحة آنسات أفينيون التكعيبية التي رسمها بيكاسو عام 1907، خلال شغل هذه الرواية. فعلى صعيد الشكل، تتناسق الأجزاء مع بعضها حتى لو تفرقت، وتتغير بأسلوب سردها بين سرد الماضي والحاضر، والحوار، والرسائل، وفقاً للتغيرات في شخصيات أبطالها.
وعلى صعيد اللغة والمعاني: «الآن فقط تشكلت في داخلي صورة أمي المتوفاة، من مئات ومئات التفاصيل، هذه الصورة التي رافقتني في كل مكان. فيما بعد بات واضحاً لي أن جميع الملامح التي ميزت وجه أمي كانت موجودة فعلاً في تقاسيم وجه الآنسة براهه، بيد أنها بدت فقط كأن وجهاً غريباً قد أقحم بين وجهيهما ودفع كلاً منهما بعيداً عن الآخر، مشوهاً إياهما، فلم يعد لأحدهما علاقة بالآخر».
ولن يبدو غريباً في تقصينا لملامح التكعيبية في الرواية، أن نعجب من عرض مالته لستّ سجاجيد أمام حبيبته، تكمل بعضها بصورة لا تنفصم، مثل وجوه مكعب كامل معلق في فضاء الجمال؛ ويستفيض في وصفها فاتحاً ممرات الواحدة على الأخرى، وممرات القدر والحب والمصائر من خلالها: «يوجد هنا سجاد يا أبيلوني، سجاد حائط. أتخيل أنك هنا. ثمة ستّ سجاجيد. تعالي، دعينا نمرّ أمامها ببطء. ولكن في البداية تراجعي إلى الخلف وانظري إليها معاً، لكم تبدو هادئة، أليس كذلك؟».
وكما يتبدى التغير في الأساليب، يتبدى في الرؤية: للشعر والقصائد بما يتجاوز اعتبارها مشاعر إلى اعتبارها تجارب. وفي المسرح بما يكشف الخوف من الركون إلى فخاخ الشهرة في رسالة حوار مع هنريك أبسن. وفي الخوف الذي يمكن مقاومته بالكتابة. وفي الحكم والزهد والجنون والعزلة والموت الذي يخيم على جميع أجواء الرواية، والحب الذي لا يمكن تجاوز الإعجاب بشرح المترجم لروحه في الرواية، والذي «احتل مساحة واسعة من قسمها الأخير، بوصفه برهة وجودية متسامية يمكن للإنسان أن يتعلمها ويتدرب عليها، وخاصة من قبل الرجل الذي لا يثق ريلكه كثيراً في قدرته على الحب، وآن الأوان له أن يشرع في تعلمه والتدرب عليه. فالحب فضيلة كبرى امتازت بها المرأة على الرجل، ولهذا ذكر عدداً من كبار العاشقات في التاريخ، ابتداء من سافو التي ألفت مئات قصائد الحب، مروراً بالراهبة البرتغالية ماريانا ألكوفورادو التي ترجم ريلكه رسائلها الملتاعة، وغيرهن الكثير من المحبات العظيمات اللواتي لم نعرفهن إلا لأنهن تركن رسائل أو أشعاراً وبكائيات.
ومن حب النساء الذي يغني تاريخ العشق، إلى الحب الذي يقتل دون أن يدري، يسرد مالته بطريقة الحديث عن الآخر الفصل الذي يختم الرواية بما يلمها، ويفتحها على بدايتها: «الابن الضال، أسطورة هذا الذي لا يريد أن يكون محبوباً»، والذي في الحقيقة حوّله حب جميع الأهل إلي «كائن مشترك لم يعد يستطيع الوقوف ليلاً ونهاراً تحت اقتراحات حبهم، بين آمالهم وريبتهم، أمام لومهم أو تصفيقهم… كما لم يعد يستطيع أن يغدو شبيهاً بهم جميعاً بوجهه كاملاً»، وخوف أن لا يبدد طبيعته بأسرها كما حدث في مرات حبه المتكررة: «تعلّم شيئاً فشيئاً السماح لأشعة مشاعره بأن تسطع على المحبوب بدلاً من تبديدها فيه».
راينر ماريا ريلكه: «مذكرات مالته لوريدز بريغه»
ترجمة إبراهيم أبو هشهش
دار الشروق، رام الله 2017
272 صفحة.
المثنى الشيخ عطية