لعله من أصعب المواضيع للمعالجة من جانب علماء السياسة والاجتماع المتخصّصين في قضايا الشرق الأوسط والإسلام هو موضوع السلفية، لأنه لا توجد سلفية واحدة بل سلفيات. وكثيرون يظنون أن السلفية تعني بالحصر السلفية الجهادية التي تعتنقها المنظمات الإسلامية الجهاديه المسلّحة في الشرق الأوسط.
روبرت رايبل، باحث وكاتب عاش في أمريكا ودَرَسَ وحاضَرَ في جامعاتها، وخصوصا في جامعة فلوريدا، ولكنه عاش أيضا في فترات من حياته في لبنان وهو من أصل لبناني وقد خدم في الصليب الأحمر اللبناني خلال الحرب الأهلية اللبنانية الأخيرة.
اختار رايبل معالجة موضوع «السلفية في لبنان» في كتاب حمل هذا العنوان لاعتباره ان الموضوع شديد الأهمية ولم يُعالج كافيًا في وقت يتطور فيه دور السلفيين اللبنانيين على الساحة السياسية والاجتماعية اللبنانية بشكل سريع ولافت، وخصوصا في مناطق كطرابلس وعكار في شمال لبنان، وعرسال وجوارها والمناطق السنّية في شرق البقاع، وبعض المخيمات الفلسطينية وجوارها في جنوب لبنان كمخيم عين الحلوة، بعدما انطلق في فترة سابقة في مخيم نهر البارد في الشمال.
ويحاول رايبل معالجة هذا الموضوع بالتفصيل لكونه يعتقد بانه سيأتي اليوم الذي قد يسيطر فيه السلفيون اللبنانيون على الساحة السياسية اللبنانية (السنّية خصوصًا) وقد يتجاوزون في نفوذهم حليفهم الأساسي تيار المستقبل اللبناني، بقيادة سعد رفيق الحريري.
فبعد التفسير النظري لمعنى مفهوم السلفية المنبثق من ضرورة ممارسة واعتناق الدين الإسلامي كما مارسه أهل السَلَف الصالح الذين كانوا أول من تبعوا النبي ونفّذوا أقواله وأفعاله في الفترة الأولى لنشوء الإسلام، يشير الكاتب إلى ان السلفية تمحورت في نظريات مختلفة حاولت الاستئثار بهذا المذهب وبينها نظريات تقي الدين أبن تيمية (1328م) وأحمد أبن حنبل (855م) ومحمد أبن عبد الوهاب (1792م) مما أدى إلى غموض في توجهها، علما ان عبد الوهاب أسس مذهب «الوهابية» واعتَبَر هو وأبن تيمية أن الذين لا يعتنقون فكرة توحيد الله هم من الكفار ومن الضروري ممارسة الجهاد ضدهم.
السلفية الجهادية، يقول رايبل، تدعو إلى ممارسة العنف لتحقيق التغيير في المجتمعات المسلمة والتوصل إلى انشاء الخلافة الإسلامية الصحيحة، وتنتمي منظمة «القاعدة» والمنظمات المنبثقة عنها إلى هذا التوجه.
ويؤكد المؤلف ان السلفية في لبنان مبعثرة التوجهات أكثر مما هي عليه في أمكنة أخرى، ولذا تطَّلب اجراء دراسة أكاديمية عنها وتوضيح دورها السياسي. وبالتالي، يقسم رابيل سلفيي لبنان إلى السلفيين (الحركيين) والسلفيين (الجهاديين). المجموعه الأولى أسسها الشيخ سالم الشهال في طرابلس (لبنان) الذي كرّس حركته لمواجهة البدع في الإسلام، وكان مقربًا من الشيخ عبد العزيز عبد الله أبن باز، رجل الدين السعودي البارز. وقد أرسل الشهال نجليه داعي الإسلام وراضي الإسلام للدراسة الدينية في جامعات السعودية (بالتحديد جامعة المدينة المنورة) وأسس مؤسسات خيرية ودينية أخرى بدعم سعودي. ولم تنتقل حركته إلى السياسة إلاّ بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان في عام 2005.
ولم يكن اغتيال الرئيس رفيق الحريري وحده العامل الذي نقل بعض الحركات السلفية الدينية إلى السياسة، بل أضيف إلى ذلك انسحاب القوات العسكرية السورية من لبنان في العام نفسه، وتحرُّر هذه الحركات من القبضة السورية.
وفي فترات قصيرة، انفتحت بعض الحركات السلفية اللبنانية على حزب الله اللبناني، حسب المؤلف، ولكن علاقتها الحالية به سيئة، نظرا للظروف الاقليمية.
ويشير الكاتب إلى ان الكثير من إسلاميي طرابلس (لبنان) الذين غادروا مناطقهم ولبنان في فترة الوجود العسكري السوري في البلد، عادوا إلى مناطق سكنهم وعملهم عام 2005 بعد خروج السوريين من البلد وانتقموا سياسيا من خصومهم. وبين هؤلاء الشيخ سالم الرافعي الذي يقود الحملة السلفية الحركية حاليا في لبنان (في طرابلس بالتحديد) ويُعتَبر عدو حزب الله اللبناني رقم واحد في لبنان، ويقال انه يلعب دورا في محاولة افراج «جبهة النصرة التابعة لـ»القاعدة» عن المحتجزين العسكريين اللبنانيين في جرود عرسال (على الجانب السوري)، بعد اختطافهم.
ويفسّر رايبل تعاطف بعض سكان طرابلس والشمال في لبنان مع منظمة «القاعدة» والمنظمات الجهادية الإسلامية الأخرى (داعش والنصرة) بانه نتيجة لحرمانهم الاقتصادي والضغوط التي مورست عليهم ولتهميشهم في فترة الوجود السوري في لبنان بالإضافة إلى خضوعهم لغسل الأدمغة من جانب دعاة دينيين «كارزماتيين» متعصبين وجهّوهم نحو الإسلام العنيف وجعلوهم من المسلمين الجهاديين، وخصوصا أبناء الجيل الجديد منهم.
وقد تصاعد دور هذه المجموعات، حسب المؤلف، بعد انطلاق الانتفاضة ضد النظام السوري في سوريا عام 2011. وبالتالي، لم تؤيد هذه المجموعات الحراك السوري ضد النظام فقط بل ساهمت في تسليحه وإنشاء هيكلية للعناية بجرحاه في طرابلس وعكار وفي مناطق لم يكن نفوذ الدولة اللبنانية فاعلاً فيها. كما حوَلت هذه المجموعات نفسها إلى وحدات للدفاع عن أبناء الطائفة السنية المسلمة في لبنان، وعززت حملاتها ضد حزب الله اللبناني وإيران وضد نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا. وطبعا عزز الشيخ سالم الرافعي دوره كقيادي في هذا المجال، حسب الكتاب.
وقد قابل المؤلف الشيخ الرافعي وأكد له الأخير خلال المقابلة انه مستعد لتقديم مليوني شهيد قبل إعادة النظر في سياسة حركته ضد نظام بشار الأسد في سوريا، كما عبّر له عن خيبة أمله إزاء مواقف حليفه حزب المستقبل، في هذا المجال، وعن أمله في انشاء حزب يحقق تطلعات السلفية اللبنانية السنّية في مجال تحسين أوضاع سنّة لبنان.
ويعتبر الكاتب انه من الضروري أخذ تطلعات الرافعي، وغيره من الدعاة الذين يعتنقون هذه السياسات، على محمل الجّد وخصوصا بالنسبة إلى أي مواجهة يمكن ان تحدث بينهم وبين حزب المستقبل في الزمن المقبل.
السلفية في لبنان، حسب المؤلف، متأثرة إلى درجة كبيرة بالايديولوحيات الإسلامية المنتشرة في أقاليم الشرق الأوسط والعالم العربي المختلفة، مع انه لها خصوصيتها. ويعتبر رايبل ان فشل القومية العربية اتاح المجال لصعود السلفية الإسلامية عمومًا، وفي لبنان في قالبها الخاص الذي يشمل التطرف والبراغماتية في الوقت عينه. فالسلفية اللبنانية تعادي اعداء الإسلام ولكنها تأخذ في الاعتبار وضع لبنان الخاص من حيث تنوع خلفيات سكانه الدينية والعقائدية.
ويرى رابيل ان تيار المستقبل تأثر في البداية بالتيار القومي العربي وتبع ذلك توجهه في مشروع لبنان أولاً والتناغم مع السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية، وخصوصا ان الحرب الأهلية اللبنانية اثرت سلبًا على أوضاع السنّة في لبنان في شتى المجالات. وفَاقّم هذا الأمر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولكن تيار المستقبل، بعد مقتل الحريري لم ينجح حتى الساعة في خلق هوية وطنية محددة شاملة تحلّ مكان القومية العربية، وبالتالي، اضطر للمحافظة على شعبيته في الشارع السني، إلى أن يركب الموجة التي تركز على مواجهة حزب الله والنظام السوري، وبالتالي تتناغم مع مواقف السلفيين اللبنانيين. وهذا أمر ناسَبَ السلفيين، واستفادوا منه، ولكن رايبل يتساءل إلى أي مدى سيكون بامكان تيار المستقبل احتواء التوجّه السلفي في لبنان، وخصوصا في شمال لبنان. وموقف تيار المستقبل من السلفيين، حسب الكاتب، متضارب وغير واضح. وقادة هذا التيار الحريري متفائلون في قدرتهم على احتواء حلفائهم السلفيين عندما يشاؤون، وهذا أمر لا يشاركهم فيه المؤلف، كما لا يشاركهم في تركيزهم فقط على أن الخطر الحقيقي الوحيد على لبنان هو حزب الله، وليس السلفيين، المنبثق من اعتقادهم الخاطىء بانه بامكانهم ضبط السلفيين اللبنانيين عندما يريدون. والكاتب يعتقد بان السلفيين اللبنانيين استفادوا من هذا الموقف المبسّط للأمور من جانب تيار المستقبل في وقت كان فيه الشيخ سالم الرافعي يشدّد على ان اتباعه ليسوا غنمًا يتبعون تيار المستقبل بشكل أعمى، وفي مرحلة كان فيها بعض حلفاء الرافعي يطالب بقيادة جديدة للسنّة في لبنان بدلا من تيار المستقبل.
والسلفيون اللبنانيون يعتبرون لبنان وسوريا جزءًا من كيان واحد ويرون بان المقاومة العسكرية للنظام السوري ومحاولة قلبه تعني الانتفاض ضد حلفائه حزب الله وايران والنظام السياسي في لبنان. وتدعم هذا التوجه، حسب الكاتب، دول عربية خليجية، وتركيا وهي تؤيد ضرب سوريا عسكريا، أملا في احتواء الانتشار والتوسع الإيراني وحلفاء إيران في المنطقة. وحتى لو انتهى الصراع في سوريا (يعتقد رايبل) فان هذه الأنظمة الخليجية وتركيا ستستمر في دعم السلفيين الحركيين في لبنان لموازاة نفوذهم وقوتهم بنفوذ وقوة حزب الله اللبناني.
ويستشهد رايبل بالخطب النارية للشيخ سالم الرافعي والشيخ زكريا المصري في المساجد المتعاطفة مع السلفيين في طرابلس التي استقطبت الكثير من الشباب المتحمس إلى العمليات الجهادية.
ويشير رايبل إلى تعاون وثيق بين السلفيين الحركيين في شمال لبنان وحلفائهم في مخيم عين الحلوة قرب صيدا وفي جنوبه، ومع المجموعات الجهادية المتحالفة مع «القاعدة» في سوريا وخصوصا جبهة النصرة (في عين الحلوة يذكر الكاتب جند الشام وعصبة الانصار المنظمتين اللتين تحالفتا مع جبهة النصرة والدولة الاسلامية في العراق والشام).
وكلما استمر الصراع الطائفي في لبنان، فان نفوذ السلفيين الجهاديين في هذا البلد سيتعزز، حسب المؤلف، ومن الخطأ الاعتقاد ان السلفيين المعتدلين نسبيا يختلفون كثيرًا عن السلفيين الحركيين الجهاديين، مع ان الأوائل في الماضي عقدوا اتفاقات ومواثيق تشير إلى ذلك. ففي النهاية، جميع السلفيين متشددون ضد حزب الله والنظام السوري. كما ان المجموعات السنّية في لبنان عرضة للتأثر بهذه المجموعات وايديولوجيتها خصوصا ان سنّة لبنان (وغيرهم) تأثروا سلبًا باخراج قوات «منظمة التحرير الفلسطينية» من لبنان بالقوة في عام 1982، وتقزيم الدور السني في السياسة اللبنانية واغتيال الرئيس رفيق الحريري، الزعيم الذي نجح في استعادتهم دورًا رئيسيا في الساحة اللبنانية. وبالتالي على قيادة حزب المستقبل ألا تفاجأ، حسب الكاتب، إذا حاولت السلفية اللبنانية انتزاع قيادة سنّة لبنان منها في المستقبل.
وهذا الموقف المتشائم لمؤلف الكتاب لا يعني انه من مؤيدي خصوم حزب المستقبل أو خصوم السلفيين اللبنانيين بل انه ينتقد في مقاطع أخرى من الكتاب مواقف حزب الله وسوريا الاسد، ويتهم نظام الرئيس بشار الأسد بعدم الرغبة الفعليه في اصلاح النظام السوري وبالاعتماد على فئة طائفية محدّدة من الشعب السوري على حساب الفئة الأخرى، وبأنه لا يفهم سوى لغة العنف للتخاطب مع شعبه، اللغة التي استخدمها حزب البعث في المنطقة عموما كما يتهم الكاتب العلويين السوريين بالسعي إلى انشاء الدولة العلوية التي رغب بانشائها الزعيم سليمان مرشد (يسميه سليمان الأسد) في عام 1936 بالتفاوض مع فرنسا. ويرفض اعتبار نظام بشار الأسد نظامًا قوميًا أو قوميًا عربيًا ويخلط الوقائع التاريخية والأسماء في الصفحة (215) من الكتاب للتوصل إلى هذا الموقف كما يصف ردة فعل حزب الله العسكرية في ايار (مايو) 2008 في شوارع بيروت على محاولات خرق جهاز اتصالات المقاومة اللبنانية، باحتلال بيروت الغربية من جانب حزب الله، وبتصعيد الطائفية في لبنان وبانشاء نزاع سعودي- إيراني في لبنان. أي ان رايبل ليس من مؤيدي سياسات حزب الله عموما على حساب نقده للسلفيين اللبنانيين بل يسعى إلى موقف موضوعي ازاء الجميع، وينجح في ذلك إلى حدّ ما.
وكذلك يظهر رايبل في موقفه من المحكمة الدولية بشأن اغتيال الرئيس الحريري، واغتيال العميد وسام الحسن، تعاطفه مع الحريرية، وتيار المستقبل (ص 217 و218).
ويتهم الكاتب الاستخبارات السورية وحلفاءها في لبنان باغتيال العميد وسام الحسن لدوره في تنسيق العمل الاستخباراتي لكشف هوية الذين اغتالوا الرئيس رفيق الحريري ولعلاقته الجيّدة بكل الجهات، بما في ذلك حزب الله.
ويرى رايبل ان اغتيال العميد وسام الحسن، كان نتيجة تنافس الجهات الاقليمية والدولية والنزاع بين إيران والسعودية ومحاولة سوريا تصدير أزمتها إلى لبنان (ص 222).
ويتجلى عدم تعاطف رايبل مع مواقف حزب الله اللبناني عندما يفسّر الكاتب تدخل الحزب العسكري في منطة «القصير» بانه امتداد لنفوذ إيران وتعزيز لدور حزب الله في مواجهة إسرائيل ولتحول الحزب إلى قوة اقليمية، من دون الأخذ في الاعتبار ان قيادة حزب الله قالت ان هذا التدخل كان لمنع جهاديي سوريا وحلفائهم في لبنان من الدخول إلى لبنان وفرض سيطرتهم عليه.
إذن، ليس بالامكان استخدام نظرية المؤامرة على هذا الكتاب وكاتبه لكونه حاول اعتماد الموضوعية واعتمد النقد في عرضه لمواقف شتى الجهات، واختار موضوعًا صعبًا جدًا وعالجه باقصى ما أمكنه من الحياد النسبي.
Robert G. Rabil: Salafism in Lebanon
From Apoliticism to Transnational Jihadism
Georgetown UP, 2014
304 pp.
سمير ناصيف