«انتقام الجغرافيا» اسم كتاب الأمريكي روبرت كابلان أحد الباحثين الجادين في كيفية تشكل الخرائط السياسية عالميا. وهو يدخل في إطار الدراسات الاستراتيجية العميقة التي تحاول الغوص في «الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر» لمعرفة حركة الشعوب والثقافات في ارتباطها بالجغرافيا سواء التضاريس مثل الجبال والأودية والبحار أو المناخ وكيف ينتهي المطاف بحدود سياسية تؤدي إلى ظهور كيانات، كما تسمح لأمم معينة الاستمرار في دور بارز في الساحة السياسية انطلاقا من موقعها الجغرافي. والكتاب هام للغاية لأنه من العينة التي تقدم للباحث والقارئ المهتم الاحتمالات الذي ستكون عليه الخريطة العالمية مستقبلا وتجير كلها تحت شعار «من يتجاهل الجغرافيا تنتهي بالانتصار عليه».
وكابلان الذي يوقع مقالاته في كبريات الجرائد مثل «نيويورك تايمز» و»واشنطن بوست» وأرقى المجلات الأمريكية مثل «ذي أتلنتيك» و»نيو ريببليك» من القلائل الذين يخلقون بأطروحاتهم جدلا سياسيا وفكريا في الأوساط السياسية والأكاديمية والإعلامية. ومن أبرز مؤلفاته التي خلقت جدلا سياسيا كتابه «الفوضى الآتية» الصادر سنة 2000 والذي يعالج نهاية الأحلام بعد الحرب الباردة. ولاحقا ألف كتاب «العودة إلى القدم» هو استعراض للسياسة الخارجية منذ قرون حتى الآن انطلاقا من زاوية واقعية إلى مستوى التشاؤم بالمستقبل.
والكتاب الجديد يدخل في هذا الإطار من الدراسات الإستراتيجية العميقة. ويتكون من ثلاثة أجزاء ومقسم إلى 15 فصلا، وينطلق من قراءة عميقة للتاريخ وارتباطه بالجغرافيا وينتهي مثل أغلبية الكتب الصادرة في الولايات المتحدة عند القلق الذي يشوب الباحثين والسياسيين عن مصير هذا البلد (الولايات المتحدة) بحكم أنه القوة العظمى في العالم حاليا، ومعظم التغيرات ستمس وزن الولايات المتحدة، لأن الحديث عن عالم متعدد الأقطاب يتم ترجمته جيوسياسيا بفقدان واشنطن التحكم الانفرادي في صنع القرار الدولي.
وينبه كابلان القارئ إلى معطى هام جدا وهو فقدان الكثير من الباحثين بل حتى الناس العاديين أهمية الزمان والمكان بسبب التطور الهائل في المعلوميات ووسائل السفر السريعة، وفي المقابل، يعرب عن اعتقاده أنه لو سافر الإنسان بطريقة بطيئة ومر عبر أراض مختلفة لفهم تأثير التنوع الجغرافي على الأوضاع السياسية. ومن ضمن الأمثلة التي يستشهد بها زيارته إلى العراق في نهاية الثمانينيات وكيف وقف على تأثير الجبال في نسج شخصية سكان كردستان المختلفة عن عراقيي السهول، كما يقدم أمثلة من مناطق أخرى من العالم من آسيا وأوروبا.
والمثير أنه من بين الفصول الـ 18 لا يخصص أي فصل مباشر يحمل اسم العالم العربي، بل تحضر هذه المنطقة في إطار التكهن بما يسميه «المحور الإيراني» ثم «الامبراطورية العثمانية السابقة». وهذا التقسيم ليس بالجديد بل يلتقي مع العديد من الدراسات الأخرى التي تمنح للعالم العربي مركزا ثانويا مستقبلا وتدمجه ضمن المناطق التي تتأثر بالتطورات العالمية وخاصة القوى القريبة منها بدل أن يكون فاعلا ومؤثرا بشكل مباشر في التطورات المستقبلية.
وعمليا، لا تنقص الأدلة لتأكيد هذا الطرح، فإسرائيل أثرت على العالم العربي، كما أثر التدخل الأمريكي ضد العراق على العالم العربي، كما يخضع الأخير لتأثيرات التمدد الشيعي الإيراني، بينما لا يقدر (العالم العربي) على أخذ المبادرة للتأثير في المستقبل.
ورغم تعدد الفصول، فالكتاب من الناحية الفكرية والتحليلية يخضع لتقسيمين فكريين، الأول وهو استعراض كابلان لتصورات مختلف الباحثين حول الجغرافيا وعلاقتها بالسياسة انطلاقا من اليوناني هيرودوث ومرورا بآراء ابن خلدون وانتهاء بتصورات المفكرين في القرنين الأخيرين وخاصة القرن العشرين مثل ويليام ماكنلي من جامعة شيكاغو أو المؤرخ الشهير أرنولد تونبي وكذلك هارولد ماكندير الذي كتب عن «المحور الجغرافي للتاريخ» ليجعل من منطقة أوراسيا المنطقة التي تؤثر على التحولات العالمية عبر التاريخ وخاصة في القوى العظمى أو الامبراطوريات.
وفي القسم الثاني من الكتاب، يعالج المناطق الأكثر أهمية من الناحية الجيوسياسية وهي أوروبا وروسيا والولايات المتحدة والصين والهند وإيران والشرق الأوسط. وعلاقة بالشرق الأوسط ورغم حضوره المستمر فالمنطقة العربية فيه لا تحتل الريادة في صنع الخريطة الجيوسياسية المستقبلية.
وينطلق من دراسة تاريخ كل منطقة، ويعتقد في استمرار روسيا على منوال روسيا القيصرية قديما بمعنى بسط نفوذها حيث تسمح لها الجغرافيا بذلك وحيث ينتهي التعاطف أو تأثيرها الثقافي ومنها «امتداد الطابع الروسي إلى أوكرانيا ومنها جيرة القرم». وصدر الكتاب قد ضم روسيا القرم، ويؤكد قبل هذا الحادث صعوبة تصور روسيا مستقبلية بدون شبه الجزيرة القرمية.
ويقف الكتاب كثيرا عند الصين ليبرز المفارقة الهائلة في حالة هذا البلد بشأن العلاقة بالتاريخ والجغرافيا والسياسة. في هذا الصدد، يؤكد أن الصين التي بقيت منعزلة نسبيا عن العالم وتتعامل معه بحذر تام، وتجد الآن نفسها مجبرة على الانفتاح، وهي الدولة التي تتحول إلى قوة عظمى ولكن دون أن تساعدها الجغرافيا الطبيعية من حيث وفرة الأراضي الصالحة للزراعة أو الموارد الطبيعية مثل الطاقة، وبالتالي تقوم برسم خطوط تجارية تمتد من الصين إلى وسط القارة الافريقية ببرغماتية مطلقة دون تبشير بقيم أو مبادئ عكس الولايات المتحدة. ويؤكد كابلان أن هذا ما يجعل الصين لوحدها منافسة للغرب برمته.
ويقف مطولا عند الشرق الأوسط بسبب ما يصفه التقاء آسيا وأوروبا وأفريقيا عنده، وتقاطع طرق تجارية تاريخية وتنافس الديانات والإيديولوجيات بشكل يصفه بمثل قيام سكين مهترئ بالقطع ليعطي حدودا متداخلة بشكل متفجر، علاوة على توفر المنطقة على 70٪ من احتياط العالم من طاقة النفط والغاز. ويحمل الفصل الذي يعالج الشرق الأوسط عنوان «المحور الإيراني» حيث منح التاريخ والجغرافيا إيران ميزة خاصة بوصفها حلقة ربط بين الجهة المطلة على البحر المتوسط بامتداداتها نحو أوروبا وأفريقيا والجهة المطلة على عالم آخر مكون من الهند والصين ونسبيا روسيا. ويقول أن الجغرافيا ساهمت في رفع مكانة إيران التاريخية، ويستمر أنه في حالة حدوث تغيير سلمي نحو مؤسسات ليبرالية منفتحة بعيدا عن مفاهيم الثورة وقتها ستستعيد إيران دورها التاريخي الحقيقي كحلقة وصل حضاري. وتزداد منطقة الشرق الأوسط أهمية لأن المناطق المتاخمة لها ومنها البحر الأبيض المتوسط ستستعيد دورها التاريخي وكذلك جنوب آسيا لتصبح حلقة أكثر وأكثر.
ويتوقف الكتاب عند دولة تكتسب قوتها من موقعها الديني في الإسلام وهي السعودية التي تعتبر قلب الجغرافيا الدينية، ليشير إلى أن الخطر الحقيقي على هذا البلد هو اليمن. ويأتي استنتاج الكاتب ثلاث سنوات قبل التدخل السعودي العسكري في «عاصفة الحزم» في اليمن حاليا لكي لا تزداد خطورته إذا سقط في يد إيران عبر الحوثيين.
ويخصص الفصل الأخير لمستقبل الولايات المتحدة، ويركز على نقطة هامة للغاية وهي دور المكسيك مستقبلا في التأثير في قرارات واشنطن. ويتساءل بنوع من التعجب عن قرار واشنطن التدخل في صراعات بعيدة مثل أفغانستان والعراق في وقت بدأت تتحول فيه المكسيك، الدولة الكبيرة جغرافيا وبشريا، إلى دولة شبه فاشلة بسبب الفساد وسيطرة عصابات المخدرات على مفاصل مؤسسات البلاد. ويستعيد أطروحة هنغتنتون التي تحذر من قوة الهجرة المكسيكية إلى الولايات المتحدة، خاصة وأن المكسيكيين يعتبرون الجنوب الأمريكي أرضا اغتصبتها واشنطن منهم خلال القرن التاسع عشر. ويؤكد الكاتب أن معطيات الجغرافيا والمعطيات السياسية تفرض الآن اتحادا بين الولايات المتحدة والمكسيك لامتصاص المخاطر مستقبلا. ويتكهن الكاتب تحول بوصلة الولايات المتحدة فبدل أن تستمر من الشرق الأمريكي نحو الغرب الأمريكي ستصبح من الشمال الكندي نحو الجنوب المكسيكي مع دور محوري لواشنطن.
والكتاب غني بالمعلومات والتحاليل مما يجعل رصدها في مقال لا يتجاوز الألف كلمة عملية صعبة تبخس الكتاب قيمته العلمية. وربما أهميته أنه من الكتب التي ترجمت إلى العربية في وقت وجيز عن «عالم المعرفة» وقام بالترجمة إيهاب عبد الرحيم علي، وصدر خلال كانون الثاني/يناير الماضي، بينما نزلت النسخ الفرنسية والاسبانية والإيطالية منذ سنتين.
ومثل الكثير من الدراسات الأمريكية، فالنقد الذي يمكن توجيهه إلى كابلان هو انطلاقه من زاوية أمريكية، يسميها بعض النقاد بنوع من القدحية «رؤية كاوبوي» للعالم، وكذلك عدم تنوع المصادر والمراجع الأكاديمية حول العالم. ورغم كل هذا، يبقى كابلان واقعيا في دراسته ولا يسقط في صياغة نظريات براقة تنطلق من عقدة التفوق الأمريكي مثل نظريات مثل «صراع الحضارات» لصامويل هنتنغتون أو «نهاية التاريخ» لفوكوياما.
Robert D. Kaplan: The Revenge of Geography: What the Map Tells Us About Coming Conflicts and the Battle Against Fate.
Random House, New York 2013.
448 pages.
د. حسين مجدوبي