ريتا خوري: «أسرار صغيرة»
بين أعوام 2006 و2011 اختارت الإعلامية اللبنانية ريتا خوري اقتحام عالم التدوين، لتكتب في مدوناتها «كلّ ما يخطر على بالها، أو يعنّ لها من الأمور الشخصية والحميمة»؛ فحملت المدونة الأولى اسم «أسرار النمل»، والثانية «ماذا بعد؟»، والثالثة «لن ولا»، والرابعة «هروب». وغلبت على المدونات صفة الاسم المستعار، على سبيل «اختبار آخر لنوع جديد من العزلة وشعور تامّ بالأمان، فلا مَن يترصد ولا مَن يحاكم ولا مَن يحيك شيئاً في الخفاء»؛ كما تكتب خوري في تقديم «أسرار صغيرة»، كتابها الأول الذي ضمّ مختارات من تلك المدونات.
نصوص متفاوتة الأحجام، بين فقرة واحدة لا تكاد تشغل صفحة من كتاب بقطع متوسط، وتسع صفحات تتغاير أفكارها وفقراتها وفق إيقاعات لا يغيب عنها الترابط؛ وموضوعات شتى، على شاكلة تفاصيل الحياة اليومية، في احتشاد وقائعها ومشاهدها وعوالمها، أو في انفراد تياراتها الشعورية واشتباك أحاسيسها وبواطن تأملاتها. ولغة خوري مفاجئة، بالمعنى المبهج للمفاجأة، لأنّ التدوين ـ وهو، هنا، يُفترض أن يكون نصّاً حراًّ منعتقاً من المسؤولية أمام رقابة الذات أو رقابات القارئ ـ لا يلوح فائق الحرص على انتهاج جملة طلية البناء وسلسة النسق وثرية المعجم، فحسب؛ بل يبدو تدويناً طموحاً وجسوراً وإبداعياً، يحمّل النصّ، عن سابق قصد وتصميم، أثقال أسلوبية أدبية النبرة، لا تتهرّب من أعباء السرد، وتفلح مراراً في بلوغ مناخات قصيدة نثر.
هنا تدوينة بعنوان «سقوط حرّ»:
«حشرت نفسي في هذه الزاوية المظلمة. لا مخالب لي تسعفني على إنقاذ ما تبقى.
أتخلى، بكامل قواي العقلية، عن أشيائي، الواحدة تلو الأخرى، وأحزن لذلك.
ألقي بنفسي في بحر ثائر لا أجيد السباحة فيه.
الأبواب موصدة، ولا طاقة لي على قرعها، لا أرغب في اقتحامها.
لا ألجأ إلى أي نوع من المهدئات أو مُغيبات الوعي، معلنة عن رغبة حقيقية في المواجهة. أفشل…
تتراكم الخيبات فوقي. أستسلم.
من أين أتاني هذا الاندفاع العظيم لتحطيم كل الأشياء؟
صحيح أنه ليس بوسع المرء الحصول على كل شيء، لكن يبقى بوسعه نسف كل شيء.
«تأثير الدومينو»: حيث تتساقط أحجارها بعضها تلو بعض بانسجام تام على: العمل، البيت، العائلة، الأصدقاء، الأحباء، الضحك، المتعة، الطموح، وعليّ أنا…
أحاول أن ألمس القعر، لكنه بعيد. أواصل الهبوط… متى ينتهي كل هذا؟ كيف أنهي كلّ هذا؟ ما هذا؟».
دار جامعة بن خليفة للنشر، الدوحة 2017