تقف إسرائيل في السنوات الأخيرة إلى جانب الأردن في مواجهة سلسلة تحديات سياسية وأمنيةفي الغالب تحديات مصدرها سوريا المجاورةتشكل تهديداً على استقرار المملكة. بداية كان هناك تخوف من أن يتسلل داعش إلى الأردن لتنفيذ عمليات إرهابية وكسب النفوذ. ومؤخراً تعاظم التخوف من إيران ومن حزب الله، اللذين من شأنهما أن يتمترسا في جنوب سوريا ويهددا منه المملكة الهاشمية، لرؤيتهما لها كعائق سنّي مؤيد للغرب في الطريق لسيطرتهما على الهلال الخصيب.
غير أنه تبين مؤخراً بأن التحدي للأردن ليس بالضرورة التهديد من الخارج، بل بالذات من الداخل. ففي الاسابيع الاخيرة شهدت المملكة احتجاجا جماهيريا ومظاهرات واسعة النطاقوهناك من يدعي بأنها غير مسبوقة تنديداً بموجة ارتفاع في الاسعار وزيادة معدلات الضريبة بمبادرة من الحكومة. في البداية لم تثر المظاهرات الانتباه إذ ان الأردن شهد في الماضي احتجاجات جماهيرية على خلفية الازمة الاقتصادية، ولكن الملك (حسين أو عبدالله) نجح في تبديد الاحتجاج وضمان استمرار التأييد له.
إن الحصانة المزعومة للأردن في وجه الازمات من الداخل، برزت على نحو خاص مع اندلاع الربيع العربي في بداية العقد.
وقد فسرت في أن مؤسسة الملكية تتمتع بالشرعية ولا تثير العداء مثل الانظمة الدكتاتورية في مصر وفي سوريا. وكذا في أن كل أردني له عينان في رأسه يرى إلى أين أدى الربيع العربي بدول مثل سوريا، الامر الذي لجم الشهية للاصلاح وللتغيير.
يتبين أن الهدوء لا يمكن شراؤه لزمن طويل، والواقع الاقتصادي المأزوم نهايته أن يتفجر. في السنوات الاخيرة شهد الأردن تحولاً ديمغرافياً غيّر وجهه من الاقصى إلى الاقصى. ففي الماضي كان دارجاً القول ان كل أردني ثاني هو فلسطيني، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من معنى، غير أن اليوم كل أردني ثاني هو لاجيء من العراق أو من سوريا4 ملايين من أصل 11 مليون نسمة من سكان المملكة. اللاجئون لن يعودوا على ما يبدو إلى بلادهم، ويشكلون عبئا جسيما على اقتصاد الأردن. إلى جانب ذلك بقيت المملكة مع اقتصاد تقليدي ان لم نقل ضعيفاً، عديم مصادر الطاقة والمياه (فهي تعتمد على إسرائيل)، وعلى أي حال، فإنها تجد صعوبة في أن توفر مصدر الرزق لسكانها المتزايدين.
مثلما في المرات السابقة في الماضي، سارع الملك عبدالله إلى العمل لتهدئة الخواطر العاصفة. بداية وبشكل هام امتنع عن استخدام القوة، فلم يسجل في المظاهرات قتلى ولم تصبح عنيفة. ثانيا، أقال الحكومة في محاولة لصرف الغضب الجماهيري عن الاسرة المالكة وعنه شخصيا. وأخيراً أمر بإلغاء رفع الاسعار والضرائب، الذي بالمناسبة طالب به صندوق الوقد الدولي كشرط للحصول على مساعدة اقتصادية للأردن (مساعدة اشترطت كما اسلفنا باصلاحات اقتصادية، وما أن الغيت هذه، فإنها لن تصل على ما يبدو إلى الأردن).
ولكن رغم خطوات الملك، فإن جمرة الاحتجاج لا تزال تشتعل في الأردن. وتنضم اليها كل يوم قوى جديدة، وهذه ترفع أكثر فأكثر مستوى المطالب والتوقعات. هي لم تعد تركز على إلغاء رفع الأسعار أو إقالة الحكومة، ومثلما في مصر أو في سوريا في حينه، من شأنها أن تؤدي بالدولة إلى مستقبل مجهول.
الحقيقة هي أنه في الأردن «لم يحسم الامر»، وأمل الكثيرين هو أن ينجح الملك عبدالله، مثلما في الماضي، في تهدئة الخواطر. ولكن من الجدير النظر إلى الاحداث في المملكة الهاشمية بشموع التحذير، وذلك لأن الأسباب العميقة للانفجار الحالي بقيت بلا أي حل. مهما يكن من أمر، فإن الأردن انضم إلى تلك البؤر عديمة الاستقرار في منطقتنا، بينما يقف أمام تحد مزدوج: إيرانيشيعي من الخارج، وأزمة اقتصادية من الداخل، قد تستغلها (وبمساعدة طهران) الدوائر الإسلامية في المنطقة.
إسرائيل اليوم 10/6/2018