أحد أهم الأسئلة التي يطرحها كتاب «القيصر الجديد» لكاتبه ستيفن لي مايرز هو لماذا اختار بوريس يلتسن، رئيس جمهورية روسيا الأسبق (قبل تنحيه ثم وفاته) الرئيس الحالي فلاديمير بوتين لخلافته؟ وهذا السؤال يرتبط بسؤال آخر هو لماذا اختار بوتين الاصطفاف إلى جانب يلتسن عندما حاول عسكريون متعاطفون مع النظام الشيوعي السابق القيام بانقلاب ضد يلتسن وسياسته الانفتاحية نحو الغرب في تسعينات القرن الماضي برغم ان بوتين أتى من بيئة مؤيدة للشيوعية وعمل سابقاً في دائرة الاستخبارات السوفييتية «كي.جي.بي» خلال الحكم الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق؟
مؤلف الكتاب بذل مجهوداً كبيراً، وقام بابحاث مكثفة ومعمقة خلال عمله كمدير لمكتب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية في موسكو للإجابة على هذا السؤال وطرح أسئلة أخرى هامة حول مواقف بوتين خلال المراحل السابقة في حياته من أجل فهم أكبر لمواقفه الحالية، علماً ان بوتين أصبح أحد كبار اللاعبين السياسيين في الساحة العالمية في المرحلة الحالية.
بوتين الاب كان أحد المقاتلين ضد المانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية وفي صفوف جيش القائد السوفييتي الشيوعي السابق جوزف ستالين، وانتسب إلى الحزب الشيوعي واعتُبر بطلا قوميا نظرا لكونه خاض اشرس المعارك التي ذهب ضحيتها الكثيرون. اما والدة الرئيس الحالي فكانت امرأة عانت خلال الحرب وفقدت ولدين قبل ان يولد ابنها الثالث فلاديمير في عام 1953. وقد قامت بتعميده سراً حسب طقوس الكنيسة الارثوذكسية الروسية نظراً لان مثل هذه الممارسات لم تكن مقبولة آنذاك.
عاش فلاديمير الابن حياتاً صعبة من الناحية المادية، إذ اضطرت عائلته الصغيرة للإقامة مع عائلتين أخريين في منزل واحد خلال صغره ولم يستطع والداه ارساله إلى مدارس خاصة. كما عانى بعض الشعور بالنقص بسبب قصر قامته وتعرضه للضرب من قبل طلاب آخرين ما دفعه إلى التدرب على رياضة «الجودو» التي لمع فيها في صباه وشبابه وتجاوز عقدة طفولته.
هذه الخلفيات التي عرضها مايرز في الفصول الأولى من كتابه مهمة لكونها تفسر ميول بوتين في المراحل التالية من حياته وخصوصا اعتماده على القوة والحسم في مواجهة خصومه واختياره في شبابه الانتساب إلى جهاز الاستخبارات السوفييتي حيث تسلم مهمة بارزة في التجسس في المانيا الشرقية وواجه اختبارات وتحديات استطاع مواجهتها بقوة وبراغماتية، وخصوصا بعد سقوط النظام الشيوعي في المانيا الشرقية وهجوم المتظاهرين ضد النظام على مقر الاستخبارات الالمانية الشيوعية (ستازي) ومحاولتهم الانتقال إلى مبنى «الكي.جي.بي» المجاور. وآنذاك نزل بوتين من مقره وواجههم بمفرده واستطاع ثنيهم عن اقتحام مكاتب الجهاز السوفييتي مستخدماً حنكة ظهرت في مناسبات أخرى في مناصبه اللاحقة.
الفصل التاسع من الكتاب يشير إلى ان يلتسن كان يواجه معارضة شديدة بعد إعادة انتخابه رئيسا لروسيا عام 1996. وكانت هذه المعارضة بقيادة رئيس الوزراء السابق يفغيني بريماكوف ومحافظ موسكو يوري لوجكوف، اللذين ركزّا على فشل يلتسن في تعامله مع الثورة الشيشانية والأزمة اليوغسلافية وعدم قدرته على توحيد البلد كما فعل خلال مواجهته للانقلاب العسكري ضده قبل ذلك بثماني سنوات.
وفي آب/اغسطس1999، يشير الكتاب، إلى أن يلتسن استدعى بوتين إلى مقره وأبلغه انه سيعينه رئيسا للوزراء تمهيدا لأن يصبح خليفته في رئاسة الجمهورية في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في عام 2000، لانه يثق بقدرته على مواجهة الصعوبات التي تتعرض لها روسيا خصوصا في مواجهتها مع الشيشانيين علما ان صحة يلتسن كانت قد بدأت بالتدهور، ولم يَعُد قادرا على مواجهة أزمات بلده الاقتصادية والسياسية الداخلية والخارجية. كما ان يلتسن خشي من ان امكان نجاح بريماكوف أو لوجكوف في انتخابات الرئاسة، سيؤدي إلى محاسبته على التجاوزات التي قام بها خلال إدارته البلاد. وكان يلتسن مطمئناً إلى درجة أكبر إزاء براغماتية بوتين في هذا المجال. وطلب يلتسن من بوتين انشاء حزب سياسي بامكانه هزيمة خصومه في الانتخابات البرلمانية وكان جواب بوتين انه سيعمل حسب ما تتطلب مهماته. وهنا وعده يلتسن بدعمه للرئاسة. وادرك بوتين ان يلتسن يخطط له المنصب الأول في البلاد وقَبِلَ المهمة. ولكن المؤلف يقول أيضا ان بوتين، حتى خلال عمله في «كي.جي.بي» لم يكن راضياً عن ممارسات هذا الجهاز في المانيا الشرقية، ولكنه مع ذلك قام بمهماته. كما انه أصبح في احدى الفترات، (قبل ترؤسه مجلس الوزراء) رئيساً لجهاز «أف.اس.بي» في نظام يلتسن، الذي تسلم مكان ومهمات «كي.جي.بي»، واستمر على علاقات جيدة ببعض قادة النظام الاستخباري السابق.
أدرك بوتين ان عليه ان يتعامل بسرعة وحسم مع القادة الشيشانيين وإلا سيقوم يلتسن باستبداله (كما فعل مع رؤساء وزراء سابقين) وقرر ان يشن حرباً مدمرة ضد المعتدلين والمتطرفين بينهم. فصعّدوا بدورهم ثورتهم ضده وخصوصا في داغستان بقيادة شامل باساييف وحطّاب (المقاتل السعودي الآتي من الحرب الأفغانية). وأعلن بوتين ان الثورة الشيشانية في داغستان كانت بقيادة منظمة «القاعدة» وتسعى إلى غزو روسيا. وأبلغ بوتين الرئيس الأمريكي كلينتون ان قائدها الفعلي كان اسامة بن لادن الذي نظم تفجيري السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا قبل ذلك بسنة، وأن بن لادن زار الشيشان. وكثّف بوتين القصف الروسي للمواقع الشيشانية «المتطرفة» معبراً عن استعداده للتفاوض مع أصلان ماسخادوف، رئيس جمهورية الشيشان، بشرط ان يشجب الأخير الإرهاب ويسلّم باساييف والخطّاب لروسيا. بيد ان ماسخادوف لم يستطع تنفيذ الطلب فغزا الجيش الروسي منطقة الشيشان غزوا شاملا بحوالي 40 ألف عسكري ثم أضيف إليهم 90 ألفا آخرون، وسحبت روسيا اعترافها بماسخادوف وحكومته مما دفع الأخير إلى التحالف مع باساييف. وأدت مواقف بوتين التصعيدية إلى ارتفاع شعبيته في روسيا وشعبية المجموعة السياسية التي يقودها بدعم من يلتسن، ورفعت حظوظه للفوز في الانتخابات الرئاسية ودفعت بريماكوف ولوجكوف إلى محاولة التحالف معه.
ولكن بوتين فضّل آنذاك الاستمرار في الصعود إلى القمة وحده ومن دون داعمين أقوياء قد ينازعونه السلطة في المستقبل. وكذلك تعامل، حسب المؤلف، مع رئيس وزرائه ديمتري ميدفيديف، حيث كان ضابطاً لطموحاته، حتى عندما تسلم الأخير منصب رئاسة الجمهورية لفترة بعد انتهاء ولايتي بوتين الرئاسيتين الأولى والثانية عامي 2000 و2004، قبل عودة المنصب إلى بوتين عام 2012.
في القسم الخامس والأخير من الكتاب يتخذ الكاتب مواقف انتقادية ازاء تصاعد النزعة الانفرادية لبوتين في اتخاذ القرارات في ظل استمرار تمسكه بالسلطة ويعرض أخطاء الرئيس الروسي في بعض القضايا الكبرى ومنها الأزمة الاوكرانية ولكنه يتجنب التركيز أو الخوض بالتفصيل في الأزمة السورية ودور روسيا فيها، مع ان الكتاب صدر العام الماضي. بيد انه يشير إلى ميل بوتين في السنوات الأخيرة إلى التخلص من خصومه السياسيين وناقدي نظامه من الشخصيات القيادية الروسية في السياسة والإعلام بوسائل غير ديمقراطية.
وبالنسبة لاحتلال روسيا لشبه جزيرة القرم التي تعتبر دولياً جزءاً من اوكرانيا، فقد فعل بوتين هذا الامر خلال أيام مع انه انتقد مراراً أمريكا وحلفاءها لما فعلوه في العراق وليبيا وقبل ذلك في يوغسلافيا، حسب ما قال الكاتب، كما ان مايرز يقول في الصفحة 465 من الكتاب ان بوتين حذر الرئيس الأمريكي باراك اوباما من غزو أمريكا وحلفائها لسوريا بحجة استخدامها الأسلحة الكيميائية ضد مقاومي النظام السوري. وكان بوتين يشعر بالطمأنينة ان أمريكا لن تتدخل عسكريا ضد روسيا إذا احتلت الأخيرة شبه جزيرة القرم، لأن روسيا دولة قوية وقد تدخلت عسكريا في جمهورية جورجيا ولم تفعل دول الغرب ضدها ما كان متوقعا.
ومع ان روسيا طُردت من «مجموعة دول الثماني» وأصدرت ضدها عقوبات اقتصادية ما زالت سارية المفعول، فان بوتين وكعادته اتخذ أقصى الإجراءات وتجاوز المعايير الدولية (حسب الكاتب) واكتسب نقاطاً متزايدة في شعبيته داخل روسيا مع انه خسر الكثير من مصداقيته الدولية واثبت تناقض معاييره السياسية. وبالتالي، فان الأزمة الاوكرانية ما زالت تضع روسيا، حسب المؤلف، في موقف صعب مع جاراتها الاوروبية وفي أوضاعها الاقتصادية، وما زالت روسيا وحلفاؤها من أبناء الاثنية الروسية في القرم متهمين باسقاط طائرة مدنية تابعة للطيران الماليزي في 17 تموز/يوليو 2014 أدت إلى مقتل 283 مسافرا مدنيا، ما زاد في حدة التشنج العالمي ضد روسيا، حسب مايرز، وتصعيد العقوبات ضدها، وخصوصا ان بوتين لم يسلّم المتهمين بارتكاب هذه الجريمة إلى العدالة.
ويؤكد مايرز، ان قطاعات كبيرة من المصارف والطاقة والنفط في روسيا تواجه عقوبات اقتصادية دولية وان أسعار النفط تنخفض لتؤثر سلباً على الاقتصاد الروسي، وبوتين يتهم أمريكا والسعودية بقيادة حملة دولية ضده.
اما بالنسبة إلى خصوم بوتين، فقد قُتل بعضُهم في ظروف مشبوهة وبينهم خصمه بوريس بيروزوفسكي الذي عُثر عليه مشنوقا في شقته في لندن عام 2013، وقيل انه انتحر. وميخائيل خودوروكوفسكي، الذي نافست شركته النفطية «يوكوس» شركات بوتين فسُجن لسنوات قبل ان يعفو بوتين عنه في عام 2013 وينفيه إلى سويسرا.
أما أسوأ النهايات فكانت من نصيب الكسندر ليتفينينكو، الكولونيل السابقِ في الـ»كي جي بي»، وبعد ذلك في الـ»اف.اس.بي» الذي بدّل معسكر انتمائه بعدما أصبح بوتين مديرا للجهاز الأخير، والذي اتهم بوتين بإدارة عصابات تنفذ اغتيالات ثم هرب إلى لندن حيث أصبح أحد كبار منتقدي بوتين والقيادة الروسية، حتى نهاية عام 2006، عندما تم تسميمه بواسطة مادة «البولونيوم210» في مطعم ياباني في لندن. وقيل آنذاك ان المادة من روسيا، وقيل أيضا انه كان هو وبيروزوفسكي متعاونين مع الاستخبارات الإسرائيلية.
اما الشخص الذي أسف الكاتب مايرز على تصفيته كثيراً فكان السياسي والإعلامي الروسي بوريس نيمتسوف الذي انتخب ممثلاً لمقاطعة ياروسلافل الروسية وزود الكاتب بكثير من معلوماته واستمر في حملته ضد بوتين ظناً منه أن منصبه يعطيه حصانة، على مواقفه وعلى تغريداته ضد مواقف بوتين في اوكرانيا، ولكنه اغتيل في شباط/فبراير 2015 خلال سيره على جسر قريب من الساحة الحمراء في موسكو مطل على قصر الكرملين. واتهم بقتله عملاء لرمضان قديروف الذي وضعه بوتين على رأس النظام الشيشاني الحالي.
Steven Lee Myers: The New Tsar: The Rise and Reign of Vladimir Putin
Knopf, New York 2015
592 pages
سمير ناصيف