قد يبدو كتاب «المهمة نُفذت؟ أزمة التدخل العسكري الدولي في العالم» للصحافي البريطاني البارز سيمون جينكنز كتاباً عاديا، يجمع فيه معلق معروف يعمل في صحيفة «الغارديان» و»هيئة الإذاعة البريطانية» وعمل سابقاً في صحف أخرى هامة في بريطانيا، مقالاته حول الموضوع منذ عام ألفين حتى الساعة.
والكتاب الذي صدر مؤخرا يشكل وثيقة تاريخية تثبت صحة توقعات جينكنز للأخطاء التي ارتكبت في حرب أمريكا وحلفائها على العراق في عام 2003 واستمرار ارتكاب هذه الأخطاء في ليبيا بعد ذلك، وخطورة امكان ارتكابها مجددا في سوريا والعراق، من قبل الدول نفسها.
من الممكن ان يستفيد تلامذة وخبراء التاريخ السياسي لمنطقة الشرق الأوسط من متابعة مقالات جينكنز في صحف «التايمز» و»ايفننغ ستاندارد» و»ايكونوميست» وبعد ذلك في «الغارديان» في الفترة المذكورة أعلاه ـ الواردة في الكتاب، ولكن الإفادة الأكبر تكمن في المقاربة العامة للكتاب الا وهي تأكيده أن التدخل العسكري للدول الكبرى في دول العالم الأقل قوة بحجة المسؤولية عن حماية دول وشعوب العالم الثالث ليست قانونية أو إنسانية الدوافع في معظم الأحيان، بل وانها قد تحقق نتائج سلبية كارثية في أكثر من مناسبة.
وقد نفذت أمريكا وحلفاؤها مثل هذا التدخل العسكري السلبي في العراق في عام 2003 في رأي الكاتب وبعد ذلك بسنوات في ليبيا، وقد ترتكبها في سوريا أو العراق في المرحلة الحالية إذا لم تتوضح الأهداف والاستراتيجيات مسبقاً.
في مقدمة كتابه، يقول جينكنز أنه بعد نهاية الحرب الباردة بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة من جهة، والمعسكر السوفييتي الشيوعي، ظن قادة المعسكر الغربي انهم أصبحوا شرطة العالم، وقرروا معاقبة الدول التي (في رأيهم) هددت السلام في العالم. وبدأت هذه المعاقبة بفرض العقوبات ضد هذه الدول، ثم تحولت إلى شن الحملات العسكرية.
ويؤكد انه شخصياً ليس ضد التدخل العسكري لدول قوية لحماية شعوب العالم ضد المجازر في المطلق، ولكنه ضد الانتقائية في هذا المجال بحيث تتدخل هذه الدول في شؤون الأخرى من أجل حماية مصالحها في بعض الأحيان، ولا تفعل ذلك إذا استدعت الضرورة ذلك.
ويعتمد جينكنز، الصراحة في عرض موقفه وخصوصاً عندما يقول ان «التدخل العسكري للدول الكبرى حتى الساعة كانت في معظمها في دول إسلامية» وانه ما زال مندهشاً «ازاء ردة فعل شعوب العالم الضعيفة ضدها، وخصوصا الأجيال الصاعدة». علما انه زار شخصيا معظم هذه الدول التي حدثت فيها العمليات العسكرية، في أكثر من مناسبة، وبينها العراق وافغانستان وباكستان ولبنان وسوريا وغيرها، واطلع على هذه الأمور عن كثب.
المقالات التي ضمها جينكنز في كتابه نشرت في الصحف بين عامي ألفين والفين وأربعة عشر، من دون تغيير مضامينها. ومن المدهش ان كثيراً مما كتبه شمل تنبؤات حول ما حدث بالفعل في السنوات التالية. علما أنه ربطها ببعضها من خلال تعليقاته على ما ورد فيها.
في الفصل الخامس من الكتاب بعنوان: «العودة إلى العراق» ورد مقال كتبه جينكنز في أول عام 2003 (أي قبل الغزو الأمريكي للعراق) قال فيه: «لو كان للأمم المتحدة ان تسمح وتشرّع أي غزو للعراق، فانه كان عليها ان تتأكد ان شرائعها قد تم تجاوزها من قبل النظام العراقي، وان صدام حسين كان ينشئ بالفعل أسلحة دمار نووية. وكان على المنظمة الدولية ان تظهر لدول العالم والعالم العربي ان صدام يفعل ذلك وانها فشلت في ضبط النظام العراقي من الاستمرار في هذا التوجه وان السبيل الوحيد لوقفه ومنعه من هذا الأمر هو الغزو العسكري، ولكنها لم تنجح في اثبات الأمر، وركنت على تقارير أجهزة الاستخبارات البريطانية والأمريكية التي تم التلاعب بها من قبل سياسيين ومعاونين مباشرين للقيادتين الأمريكية والبريطانية».
وفي الفصل السابع، وفي مقال نشره في 11 شباط/فبراير 2004، قال فيه: «ما الفارق بين ديكتاتور عربي تدعمه الدول الغربية ويملك مخزوناً كبيراً من النفط وآخر يمارس الديكتاتورية ويملك النفط ولكن يجب التخلص منه لأسباب سياسية؟»، ويجيب بانه لا يوجد أي فرق. ويتحدث عن الازدواجية في التعامل مع الرئيس صدام عندما كان يواجه الثورة الإيرانية عسكرياً، ثم بعد ذلك ومثل هذه الازدواجية في التعامل مع الزعيم الليبي الراحل العقيد القذافي، حيث يشير إلى مواقف قال فيها رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير أن «القذافي رجل شجاع ورجل دولة بكل معنى الكلمة» عندما اقتضت المصالح مثل هذه المواقف، وصمت عما حدث للقذافي فيما بعد.
ويؤكد جينكنز في المقال نفسه وفي مقالات تالية ان الغزو البريطاني للعراق في عام 2003، وعلى ليبيا لاحقاً تحت غطاء دول حلف شمالي الاطلسي لم يكونا بالفعل لمواجهة الإرهاب أو لحماية العراقيين والليبيين فقط، بل لحماية مصالح أخرى وكانا نتيجة للازدواجية في التعامل، وانهما أديا إلى تصاعد الإرهاب في المنطقة.
وفي الفصل 13، يوجه نقداً قوياً للتدخل الأجنبي العسكري الدولي في شؤون العالم العربي مؤخراً، ويخص فيه الأخطاء التي ارتكبها الرئيس الأمريكي باراك اوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في ليبيا.
ويقول، بعد انخفاض التركيز على افغانستان والعراق كانت الدول الغربية العظمى بحاجة لخلق عدو جديد وقضية جديدة لممارسة تدخلها العسكري فيها، فوجدت ليبيا واستندت في تبرير تدخلها فيها إلى ثورات «الربيع العربي» في تونس ومصر في عامي 2010 و2011. ويركز جينكنز في هذا الفصل (13) على استغلال أمريكا وبريطانيا لثورات «الربيع العربي» من أجل التدخل العسكري في ليبيا ابتداء من ربيع عام 2011، برغم صداقة العقيد القذافي لتوني بلير ولشركات النفط العالمية.
ويقول في مقاله (في الشهر الثالث من عام 2011) ان ديفيد كاميرون وحلفاءه عثروا على فرصة للتدخل في ليبيا لحماية مدينة بنغازي من مجزرة قد يرتكبها نظام القذافي فيها، واشتركت معه 14 دولة من دول «الناتو» في إنشاء منطقة حظر جوي فوق بنغازي، مما مهد لتدخل «حلف شمالي الأطلسي».
ومن هناك فصاعداً، يقول جينكنز زادت تصاريح اوباما وكاميرون بضرورة القضاء على نظام القذافي وبدأت الطروحات «القانونية» بالظهور مطالبة بالتدخل العسكري، كما حدث سابقا في العراق، وتحول الأمر إلى قصف عسكري من جانب دول «الناتو» لطرابلس الغرب في صيف عام 2011 ولدعم ثوار بنغازي. وتحول ثوار ليبيا بنظر المشرفين على الإعلام الغربي إلى ثوار ديمقراطيين تدعمهم بريطانيا وأمريكا. وفي 20 آب/اغسطس 2011 دخلت قوات «الناتو» إلى طرابلس الغرب وقضت على نظام القذافي، وحسب جينكنز تواطأت في تدبير اغتياله مع أمريكا والحلفاء الآخرين في «حلف شمالي الاطلسي» ومن ثمة في قلب نظام الحكم في ذلك البلد الذي تغمره الفوضى حالياً.
جينكنز، كان يورد تعليقاته الشخصية ويربط مقالاته ببعضها الآخر لدعم مقاربة الكتاب الأساسية في الشأن الليبي، كما في الشأن العراقي، وكانت تعليقاته تؤكد تفاقم الفوضى وانتشار الميليشيات المسلحة في البلدين بسبب التدخل العسكري الأجنبي فيهما، مما قد يصلح كدروس للدول العظمى التي تصر على التدخل العسكري في شؤون بعض الدول في العالم الثالث من أجل مصالحها وبحجة الأهداف الإنسانية وللحماية من المجازر وتحقق عكس ذلك.
وفي الفصل 14، يتطرق الكاتب باقتضاب إلى مقالات كتبها في مطلع 2013 وفي 2014 عن الوضع في العراق وسوريا مشيرا إلى خطورة تصنيف هذه الجهة أو تلك في الصراع السوري تحت خانة «الأبطال» أو «الأشرار» وإلى التناقض والتراجع والازدواجية في مواقف الدول الكبرى ازاء الوضع السوري الذي أوصل الأمر إلى ما وصل إليه حاليا بحيث أصبح من الصعوبة مواجهة «تنظيم الدولة الإسلامية» وتقدمه في المناطق التي احتلها هناك هو في العراق.
ويؤكد جينكنز ان على بريطانيا وأمريكا المشاركة في حل المعضلة العراقية خصوصا التي شكل تدخل هاتين الدولتين العنصر الرئيسي في خلقها عندما شنتا غزوهما للعراق في عام 2003 ومارستا الاحتلال العسكري الفاشل فيه. وتوقع ان تؤدي سياسات التردد الأمريكية والبريطانية إلى تقسيم العراق.
وفي الفصل الختامي للكتاب يأسف الكاتب على ان أمريكا وبريطانيا تركتا الساحتين العراقية والسورية خاليتين للصراعات والفوضى، في وقت وصلت الأمور فيهما إلى ما وصلت إليه، مما فتح المجال لتدخلات دول أخرى. أي انهما تدخلتا خطأ وأحدثتا الكوارث ثم تقاعستا عند الحاجة لضبط الأمور وبالتالي خلق تدخلهما المزيد من المشاكل فيهما بدلا من معالجة هذه المشاكل.
وبدلاً من حماية نفسيهما والعالم من الإرهاب، يقول جينكنز ان أمريكا وبريطانيا وضعتا نفسيهما والعالم في مواجهة أكبر مع خطر الإرهاب بسبب تدخلهما العسكري غير الشرعي والخاطئ في دول منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ثم انسحابهما المتسرع وغير المدروس منها.
وضاقت الحريات في هذه البلدان وتصاعد الكره والتأزم في علاقات العالم الإسلامي بالغرب وتدفق المهاجرون من الأقليات الدينية والأثنية في العالم الإسلامي سعياً للحماية من مجموعات دينية متطرفة، وما زالت هاتان الدولتان تتحالفان مع دول ديكتاتورية في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وتتدخلان عسكرياً بانتقائية في بعض الدول ثم تتغاضيان عن التنكيل بالحريات في دول أخرى من قبل الأنظمة القمعية المتحالفة معها. وهذا الأمر، في رأي جينكنز، يتعارض كلياً مع الحرص على نشر الديمقراطية والإنسانية في العالم، كما انه يؤثر سلباً على دور «منظمة الأمم المتحدة» المفترض ان تنشر السلام في العالم بحيث غطت أمريكا وبريطانيا ممارساتهما الخاطئة بمظلة منظمة «حلف شمالي الاطلسي» (الناتو) وارتكبت الأخطاء الكبيرة في كنفها واستخدمتها لتحقيق غاياتها معطية اياها في بعض الأحيان أفضلية على حساب الأمم المتحدة.
Simon Jenkins: Mission Accomplished? The Crisis of International Intervention.
Simon Jenkins
I.B.Tauris, London 2015
256 pages
سمير ناصيف