كانت الدار في ذلك المساء الربيعي وكأنها في لحظات التجلي الخارقة. لقد زوّقها نيسان… فنّان أهوج بعثر الألوان، فإذا هي سيمفونية ناعمة.
أزهار البنفشة تنحدر على الجدران شلالات ثلج أبيض.
النفنوفة الحمراء تتسلق فوق الليوان.
الياسمينة الصفراء سطت على الدالية، نسجت فوق العريشة مظلة موشاة بالأصفر والأخضر.
البحرة تحتضن القمر، النافورة تردد أغنيتها الرتيبة الموزونة.
زهر الليمون والنارنج ينشر في الجو عبقاً يغري باسترخاء لذيذ.
تبدو الدار وكأنها قد أُعدّت لحفلة عرس. الكراسي مصفوفة في الباحة الفسيحة. الأنوار تشع من الدهليز إلى الليوان. ربما تصورتها هكذا لأنه خطر ببالي ما سمعته مرّة من قريبة تقول لأمّي: كأن دار بيت حميّك صُمّمت لحفلات الأفراح والأعراس، إن شاء الله تقيمين فيها عرس بنتك بالهناءة والسعادة.
وأتخيل عروسين فتيين يدخلان من الدهليز. الشاب مشيق القوام يرتدي بذلة سوداء، وقد رشق في عروة سترته وردة بيضاء، يتأبط ذراع صبية حلوة ذات خصر نحيل، ترفل بثياب بيضاء شفافة كأنها محاطة بغيمة خريفية. وبحركة لا إرادية أجدني أتحسس خصري بيدي لأطمئن على نحافته.
إن الأمور لا تأتي في أحيان كثيرة كما نحب ونشتهي. كنت أعرف أن الدار لم تُعدّ في ذاك المساء لحفلة عرس كما تخيلتها، إنما أعدّت لحفلة مأتم! كأنّ للخيال الفتي شطحات تأتي صدى لرغبات مكبوتة تعتمل في الأعماق، قد يخجل الإنسان من نفسه، أو يضحك منها عندما تمر بخاطره، ولشدّ ما يخشى أن يكتشفها الآخرون.
ويتوقف خيالي عن جريه السريع فجأة عندما يدخل من الدهليز، بدلاً من العروسين، عشرة مشايخ بعمائم بيضاء وجبّات سابغة، يقودهم أبو العز ـ رجل كهل من أقربائنا البعيدين ـ ويجلسهم في صدر الليوان، ويروح يتحدث إليهم بصوت خافت. كان واضحاً أنه جاء بهم ليقرأوا القرآن على روح صاحب الدار، الذي هو جدّي لأبي، بعد أن مضى على وفاته أربعون يوماً.
كان لم يسبق لي أن حضرت حفلات المآتم، لأن العادات المتبعة آنذاك في بلادي كانت لا تسمح للصبايا الصغيرات مثيلاتي، اللواتي لم يتخطين الخامسة عشرة بعد، بحضور ولائم المآتم، إلا إذا كنّ متزوجات أو كان المتوفى من الأقرباء الأقربين. فلو لم يكن المتوفى جدّي لما سُمح لي بالمجيء. كانوا إذا أرادوا أن يعيبوا على بنت تجاوزها الحدود المألوفة، يضربون لها هذا المثل: بنت تهنىء، وبنت تعزي، وبنت تساهر المطالق ـ أي اللواتي داهمهن الطلق ـ! هذه الواجبات كلها لا ينبغي للصبايا الصغيرات أن يمارسنها كي لا يصبحن عرضة للنقد الشديد.
كان حب الاطلاع عادة متمكنة مني فأحببت أن أتخذ لنفسي مكاناً أستطيع أن أشرف منه على أرض الديار ـ هكذا كنّا نسمّي (باحة) الدار في بيوتنا الشامية القديمة ـ لأتابع ما يجري فيها فلا يفوتني شيء، فلم أجد خيراً من شباك النصية ـ الغرفة الصغيرة القائمة في منتصف الدرج ـ لأنه يشرف على الباحة جميعها، كما أستطيع أن أصعد متى شئت دون أن يراني أحد من الرجال إلى الطابق الفوقاني حيث تجلس النساء يحطن بعمتي صاحبة العزاء، لأنها البنت الوحيدة لجدي، وكانت جدتي قد ماتت منذ زمن بعيد.
بدأ المدعوون والمدعوات يتوافدون على الدار، والرجال يجلسون على الكراسي المصفوفة في الباحة، والنساء يدخلن متحجبات ويصعدن فوراً الدرج المقابل للدهليز إلى الدور الفوقاني، فتسرقهن نظرات الرجال بكثير من البراعة وهنّ يصعدن الدرج.
لمحت أبي وعمي يجلس كل واحد منهما في مكان بعيد عن الآخر متجهم الوجه لا يأتي بحركة، كأنه لا يعنيه من أمر هذا الحفل شيء.
بينما كان أبو العز لا يهدأ أبداً. يستقبل الناس، يقدم الشاي للمشايخ كأنه هو وحده المسؤول عن كل شيء.
ويتنحنح أحد المشايخ ثم يسمي بالله ويبدأ يرتل آيات من القرآن بصوت يبعث الخشوع في النفس.
لكن ساءني ألا أرى على الوجوه مسحة حزن ولو خفيفة، حتى على وجوه أقرباء جدّي وأولاده وأصدقائه.
ألأن جدي عاش أكثر مما ينبغي؟ لقد نيف على الثمانين عاماً، وأمضى سنواته العشر الأخيرة مفلوجاً فتمنى له الموت أقرب أقربائه.
وأجدني أدعو الله أن أموت صبية. أليس أكرم للإنسان أن يموت وفيه بقية من نفع ليشيّع باللوعة والأسف على الأقل؟
وأرى أبا العز يهرع إلى الباب فيستقبل شيخ المولوية مع عشرة دراويش من رجاله، وتقع نظراتي مصادفة على أبي وعمي فأرى الدهشة والتساؤل يبدوان على وجهيهما مما أثار عجبي وفضولي.
ويسير أبو العز مع شيخ المولوية ورجاله إلى الليوان، فيهيء لهم فيه مكاناً. كنت حين أصادف أحد هؤلاء الدراويش في طريقي لا يلفت زيه نظري كثيراً، لكن حين رأيتهم مجتمعين بدا لي زيهم مهيباً وجميلاً، جباتهم سوداء سابغة تلوح من تحتها ثيابهم البيضاء الناصعة، وعلى رؤوسهم قلانس من لباد أسطوانية الشكل، أما شيخهم فقد كوّر حول قلنسوته شريطاً أخضر، كانوا يسيرون وراءه متئدي الخطوات.
أما المشايخ فكانوا ما يزالون يجودون القرآن، كلما سكت واحد انبرى زميله حتى قرأوا جميعاً ما تيسر لهم منه، ثم ختموا قراءاتهم بدعاء «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا»، قرأوه بحماسة بالغة وهم يهزون جذوعهم إلى الأمام والوراء هزات رتيبة تتلاءم مع نغم الدعاء، ثم وهبوا ما قرأوه لروح المتوفى الحاج عبد الفتاح الصاروجي، وما كادوا يذكرون اسمه حتى اقشعر جسمي، واعترتني رعشة، ربما رهبة من الموت، ثم طفرت الدموع إلى عيني دون توقع مني، كأنني أيقنت الآن أن جدّي قد مات حقاً، وغاب عن هذه الدنيا غيبة لا أوبة بعدها.
مستهل رواية «دمشق يا بسمة الحزن»، 1980
أديبة الشام
ثمة دلالة كبيرة، مأساوية أولاً، في أنّ (1912ـ2007)، القاصة والروائية السورية الرائدة، وأديبة الشام بامتياز؛ أغمضت عينيها للمرّة الأخيرة في صقيع العاصمة الفرنسية باريس، وليس وسط عبق الياسمين في حيّ الصالحية الدمشقي العريق، حيث وُلدت.
انتمت الإدلبي إلى جيل أدب الخمسينيات السوري، الذي شهد نهوضاً ملموساً، ومميّزاً تماماً، في عدد النساء كاتبات القصة والرواية من جانب أوّل، والنوعية الفنّية العالية والمفاجئة لتلك الكتابات من جانب ثانٍ. بين أبرز الأسماء كانت ماري عجمي، نازك العابد بيهم، وداد سكاكيني (صاحبة «أروى بنت الخطوب»، الذي يُعدّ أوّل عمل نسوي جدير بحمل صفة الرواية بالمعنى الفنّي للمصطلح)، وسلمى الحفار الكزبري. وهذا هو الرعيل الذي سيمهّد الدرب لكاتبات الجــيل التالي، الســتـينــيات والسبعــينيات، من أمــثـال قــمــر كـيــلاني، دلال حاتم، ليلى صايا سالم، غادة السمان، وسواهنّ.
وأطوار التأسيس تلك كانت أيضاً مراحل متدرجة في ترسيخ الشكل وتطوير الأدوات والموضوعات، وكانت مجموعة الإدلبي الأولى «قصص شامية»، 1954، هي الأنضج في مستويات فنّية عديدة تشمل تحرير اللغة من إسار البلاغة التقليدية، وتخليص الحكاية من التضخيم العاطفي الميلودرامي، واقتحام موضوعات شبه محرّمة، واعتماد ضمائر سرد متغايرة متبادلة الوظائف.
في المجموعات القصصية نشرت الإدلبي «وداعاً يا دمشق»، «ويضحك الشيطان»، «عصي الدمع»؛ وأصدرت، في الرواية، «دمشق يا بسمة الحزن»، وأخرى بعنوان «حكاية جدّي» اعتبرتها مخصصة للفتيان. كما جمعت مقالات ذات موضــوعات مـتفـرقة، في كـتـابين: «المـنـولـيـا في دمـشق، وأحاديث أخرى»، و«وداع الأحبة» الذي خصته للرثاءات.
ويبقى أنّ جيل الإدلبي مثّل أطوار التأسيس والريادة في الجانب الفنّي، كما تولى تقديم المزيد من مبادرات تحرير المرأة وانعتاقها في الجانب الاجتماعي، وراكم بالتالي الكثير من المدلولات الثقافية ـ السياسية الناجمة عن ائتلاف هذين الجانبين. وبالطبع، من المفيد التذكير بأنّ مجرّد توقيع امرأة على قصة قصيرة، كان كافياً في ذاته لكي يؤشّر على اقتحام حقل ظلّ لزمن طويل حكراً على الرجال، قبل أن يكتسب على يد النساء صفات خاصّة لم تكن «الريادة» سوى مفهومها الظاهر والأكثر وضوحاً فقط.
ألفة الإدلبي