صراعات «بريكست» تهدد بانهيار حكومة تيريزا ماي

حجم الخط
0

 

صادق الطائي: الشد والجذب بين جناحي حزب المحافظين يهدد حكومة تيريزا ماي بالانهيار، فبعد ان طمأنت رئيسة الوزراء مؤيدي حزبها من انها توصلت إلى إقناع كابينتها الوزارية بخريطة طريق ستخرج بالمملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بأقل الخسائر، فوجئ المراقبون باستقالات صقور «بريكست» من حكومة ماي، مما يعني ان الأزمة ما زالت مشتعلة بين طرفي النزاع في حزب المحافظين. فجناح الصقور ممثلا بوزير الخارجية بوريس جونسون ومعه وزير شؤون الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست» ديفيد ديفيز ومعه بعض الوزراء بدون حقائب وزارية يدفعون باتجاه التشدد في مستقبل العلاقات التجارية مع بروكسل والتشدد بشأن الحدود بين جمهورية ايرلندا وايرلندا الشمالية فيما بات يعرف بالمشكلة الايرلندية، وفرض تعريفة جمركية وتعامل متشدد مع رعايا الاتحاد الأوروبي، وبالمجمل فإن هذا الجناح يدعي ان الواعز الذي دفع المواطن البريطاني للتصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي كان العامل الاقتصادي بشكل رئيسي، وان مطالب الشارع البريطاني كانت تخفيف ضغط الشركات الأوروبية على سوق العمل البريطاني مما سيعني مستقبلا توفير فرص عمل وتحسنا للاقتصاد ورفعا لقيمة الجنيه الاسترليني.
بينما يرى المعسكر المقابل، ويضم وزيري المالية فيليب هاموند والصناعة غريغ كلارك، اللذين يؤيدان حلاً «أقل تشدداً» يقوم على شراكة جمركية غير مسبوقة تجني من خلالها المملكة المتحدة رسوماً باسم الاتحاد الأوروبي على سلع تعبر أراضيها لكنها مخصصة للتكتل. كما يرى هذا الجناح ان التشدد في التفاوض مع الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى خسائر كبيرة لمستقبل الاقتصاد البريطاني الذي تعرض لهزات عنيفة منذ 2016 إبان تصويت 52 في المئة من البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وما زال سوق العمل البريطاني يعاني ‏من تأثيرات الصدمة جراء ذلك حتى الآن، كذلك لم يستعد الجنيه الاسترليني عافيته حتى، وان كان الحل الأفضل من وجهة نظر هذا الجناح يكمن في الحصول على علاقة ذات خصوصية عبر توقيع اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي وتسهيلات جمركية وتعاون بشأن رعايا الاتحاد الأوروبي في بريطانيا ورعايا بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.
وتؤيد ماي فك ارتباط القضاء الأوروبي عن القضاء البريطاني مع بقاء التعاون بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي في مجال تبادل المعلومات والتعاون الاستخباري، خصوصا في مكافحة الإرهاب لأهمية ذلك على الصعيد الأوروبي والدولي.

بيان من بيت ماي الريفي

نتيجة ضغوط الاتحاد الأوروبي على بريطانيا ومطالبتها بتقليل «خطوطها الحمراء» والتعامل بشفافية مع مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي، عقدت رئيسة الوزراء تيريزا ماي يوم الجمعة 6 تموز/يوليو اجتماعا في منزلها الريفي في «تشيكرز» لكامل كابينتها الوزارية المكونة من 26 وزيرا في اجتماع امتد لـ 12 ساعة متواصلة للخروج ببيان واضح يضع النقاط على الحروف في مسألة مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وقد غطت الحدث بعض التقارير الصحافية، ومنها ما أوردته صحيفة «دايلي تلغراف» التي نشرت تقريرا بعنوان «مجلس الوزراء يوقع بالإجماع على خطة ماي للبريكست»، أشارت فيه إلى أن المحادثات عقدت في سرية كبيرة، حيث تمت مصادرة هواتف الوزراء وحتى الساعات الذكية. كما تم منع المستشارين الخاصين من الحضور في محاولة لضمان عدم حدوث تسريبات، ومع ذلك، كان عدد من موظفي الخدمة المدنية قريبين من قاعة الاجتماع المغلقة لإعادة صياغة الوثيقة التي تجري مناقشتها.
وذكرت الصحيفة أن ماي قالت خلال الاجتماع إنها مستعدة لمواجهة الوزراء المتشككين من خططها المستقبلية نحو الخروج من الاتحاد، وحذرت المعارضين منهم لخطة الخروج من انه يمكن استبدالهم بـ«جيل جديد» والذين يستقيلون سيجردون فورا من سياراتهم الرسمية، ويجبرون على الاتصال بسيارة أجرة، أو السير لمسافة أميال إلى أقرب محطة قطار ينقلهم إلى لندن!
البيان الذي خرج في «تشيكرز» حدد مجموعة من النقاط يمكن ايجازها بما يلي:
يمكن أن تقبل بريطانيا مواصلة التوافق مع قواعد الاتحاد الأوروبي بشأن تجارة البضائع، ‏بما يغطي القضايا الضرورية فقط، لضمان انسيابية التجارة‎.‎
سيكون للبرلمان القول الفصل بشأن كيفية دمج تلك القواعد مع القانون البريطاني، محتفظا ‏بحق رفض عمل ذلك‎.‎
ستكون ثمة ترتيبات أخرى للتبادل التجاري في الخدمات، وبضمنها الخدمات المالية مع ‏‏»مرونة تنظيمية» أكبر و»ترتيبات متبادلة قوية‏‎».
ستوقف حرية الحركة بوضعها الحالي، ولكن مع إيجاد «إطار حركة» يضمن أن يواصل ‏مواطنو بريطانيا والاتحاد الأوروبي السفر إلى المنطقتين والتقديم على الدراسة والعمل‎.‎
ستوضع ترتيبات جمركية جديدة مع هدف إنجاز «منطقة جمركية مشتركة‎».
ستكون بريطانيا قادرة على تنظيم تعريفاتها الجمركية الخاصة وتطوير سياسة تجارية مستقلة‎.‎ سينتهي العمل بتشريعات محكمة العدل الأوروبية، ولكن ستحترم بريطانيا قراراتها في ‏المناطق التي تسري فيها قوانين مشتركة‎.‎
ووصفت ماي ما خرج به الاجتماع بأنه «خطوة مهمة» في عملية التفاوض من أجل خروج سلس لبريطانيا من ‏الاتحاد الأوروبي‎.‎

انتخابات مبكرة

استقال ديفيد ديفيز، الوزير المسؤول عن ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست» من ‏منصبه الوزاري في الحكومة البريطانية يوم 9 تموز/يوليو بعد ثلاثة أيام من اجتماع «تشيكرز‎»، وتبعه صقر آخر من صقور «بريكست»، وزير الخارجية بوريس جونسون الذي قدم استقالته أيضا. وقال ديفيز عن تيريزا ماي؛ «أعتقد أنها رئيسة وزراء جيدة ولا أريد بديلاً عنها في منصبها الآن، ولن ‏أشجع زملائي على محاولة الإطاحة بها، لكنني لا أستطيع الدفاع عن استراتيجيتها بإخلاص‎»‎، وبعد استقالة ديفيز، انسحبت سويلا بريفمان، وهي وزيرة بلا حقيبة وزارية ومن أبرز مؤيدي الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، كذلك استقال أحد مساعدي ديفيز، وهو ستيف بيكر ‏الذي كان يشغل منصب وزير في وزارة «بريكست» ولم يصدر عن داوننغ ستريت أي تعليق على ذلك.
وقد عينت تيريزا ماي، وزير الإسكان دومينيك راب في منصب وزير الدولة لإدارة ملف الخروج من ‏الاتحاد الأوروبي «بريكست» محل ديفيز‎.‎‏ وكان راب أيضا من أبرز النشطاء في حملة الترويج لخروج بريطانيا ‏من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي جرى عام 2016‏‎.‎‏ ‏كما أعلن مكتب رئيسة الوزراء البريطانية، عن تعيين جيريمي هانت وزيرا للخارجية ‏خلفا لبوريس جونسون‎. يذكر أن هانت كان عضوا عن حزب المحافظين في البرلمان وشغل منصب وزير الصحة منذ عام 2012‏‎.
من جانبه اتهم زعيم حزب العمال جيريمي كوربين رئيسة الوزراء تيريزا ماي وحكومتها، ‏بعدم القدرة على تأمين اتفاق جيد لخروج بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي، مشيرا إلى إن الحكومة فشلت حتى الآن ‏في تشكيل جبهة موحدة‎. وقال في كلمة أمام مجلس العموم البريطاني يوم الخميس 12تموز/يوليو ان «هذه الفوضى من صنع تيريزا ‏ماي التي تتراجع عن الخطوط الحمراء التي وضعتها في خطتها التي تم الإعلان عنها في ‏مقرها الريفي تشيكرز الجمعة 6 تموز/يوليو». وأشارت وسائل إعلام إلى ان جلسة مجلس العموم شهدت جدالا حادا بين نواب حزبي العمال ‏والمحافظين، إذ يستغل حزب العمال الأزمة السياسية العاصفة التي تضرب بحزب المحافضين حاليا في محاولة للدفع ‏نحو إجراء انتخابات عامة مبكرة، تبدو نتائجها حاليا ليست في صالح الحزب الحاكم.

الوثيقة البيضاء

قدمت تيريزا ماي، الخميس 12 تموز/يوليو، أمام البرلمان تفاصيل خطتها للعلاقة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بعد «بريكست» والتي أثارت تنديد أوساط اقتصادية واسعة في لندن وأثارت مخاوف من احتمال حدوث شرخ في أغلبيتها الحاكمة. وتريد الحكومة الحفاظ على سهولة المبادلات التجارية بفضل إرساء «جملة من القواعد المشتركة» وتمكين قطاع الخدمات من الابتعاد عن المعايير الأوروبية وإنهاء حرية حركة الأفراد. وحين بدأ دومينيك راب الوزير الجديد المكلف إدارة ملف «بريكست» تقديم الخطة أمام مجلس العموم، احتج النواب بصخب واشتكوا من انهم لم يتلقوا نسخة من الوثيقة، ما أجبر رئيس المجلس على تعليق الجلسة لدقائق.
وحسب ما صرحت به ماي، فان الوثيقة المكونة من 98 صفحة والتي حملت عنوان «العلاقة المستقبلية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي» والتي تسببت في استقالة وزير الخارجية بوريس جونسون، ووزير شؤون «بريكست» ديفيد ديفيز، تحوي الكثير مما يثير غضب أعضاء حزب المحافظين المتشككين تجاه أوروبا، بينما يرى بعض المراقبين ان الوثيقة لا تكشف الكثير من التفاصيل حول هذا المستقبل، وهي لا تتعدى كونها ورقة خطوط تفاوضية عريضة، يبدو أنها قابلة للتغيير مع تقدم المفاوضات. ولم تأت الخطة بالتغيير الكبير في التفكير التفاوضي البريطاني، بل إن الوثيقة تنص على أن بريطانيا ستسعى إلى «بريكست عملي «لكنه أيضاً «مبني على المبادئ» التي طرحتها رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، في خطاباتها السابقة في كل من لانكاستر، وفلورنسا، وقصر مانشن، وميونخ.

زيارة ترامب

وشهدت العاصمة البريطانية لندن وعدد من المدن الأخرى تظاهرات ضخمة رافضة لزيارة الرئيس الأمريكي ترامب الذي وصل إلى لندن يوم الخميس 12 تموز/يوليو في زيارة تستغرق أربعة أيام، وكان السفير الأمريكي في لندن قد صرح يوم الأربعاء إنه ليس متأكدا أن كان الرئيس ترامب سيلتقي بوزير الخارجية البريطاني السابق بوريس جونسون خلال زيارته المرتقبة لبريطانيا. من جانبه رأى ترامب أن خطة رئيسة الوزراء البريطانية بشأن بريكست «ستقتل على الأرجح» إمكانية إبرام اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة.
فقد صرح في لقائه الصحافي مع صحيفة «صن» واسعة الانتشار قائلا أنه كان سيتعامل مع «بريكست» بطريقة مختلفة وأوضح، «لقد أخبرت تيريزا ماي كيفية فعل ذلك، لكنها لم توافق، لم تستمع لي. لقد أرادت أن تسلك طريقا مختلفا». وفي إشارة إلى الخطة التي قدمتها ماي الخميس أمام البرلمان بشأن العلاقة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بعد الخروج منه، قال ترامب إن «هذا الاتفاق مختلف كثيرا عن الاتفاق الذي صوت عليه الشعب البريطاني»، مشيرا إلى استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي. كما حذر قائلا «إذا أبرموا اتفاقا كهذا، سنكون بذلك نتعامل مع الاتحاد الأوروبي بدلا من التعامل مع المملكة المتحدة، لذا فإن ذلك سيقتل على الأرجح اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة».
وعلق دونالد ترامب بفجاجته المعروفة على الأجواء المتوترة التي تشهدها المملكة بالقول: إن وزير الخارجية البريطاني السابق بوريس جونسون الذي استقال مؤخرا بسبب خطة ماي سيكون «رئيس حكومة عظيما». ‎

11HAD

صراعات «بريكست» تهدد بانهيار حكومة تيريزا ماي

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية