كلّ ما أعرفه عن المكسيك أنه بلد من أمريكا اللاتينية، يقع على تخوم الولايات المتحدة الأمريكية، ويشكل بالإضافة إلى ذلك المدخل إلى الحلم الأمريكي لكل حالم بعالم أفضل أو مختلف ومغاير لواقعه الإنساني. وما أعرفه أيضاً انها بلاد اكتافيو باث الشاعر المكسيكي الشهير وحائز جائزة نوبل وبلد الروائي المعروف خورخي فولبي، وأعرف أن اندريه بريتون رائد السريالية، لجأ إليها كمنفي، أيام صعود النازية واحتلالها لبلدان أروربية، وأعرف أيضاً، أن نهاية تروتسكي الثائر على القيم الستالينية الدوغمائية كانت هنـــاك على يد مخبر بولشفي تابع لـ «كي جي بي» جهاز المخابرات السوفييتية المعروف.
ولكن ما لا أعرفه هو أن المكسيك بلاد العصابات المنظمة، وبلاد خطرة تتاجر بالمخدرات والنساء وتبيع الفتيات الصغيرات إلى من يهتم بذلك، كل هذا العالم المخيف والمتواري وراء السلاح والقتل والدمار تكشفه رواية «صلاة لأجل المفقودات» للروائية والشاعرة المكسيكية جنيفر كليمنت، نقلتها إلى العربية بلغة سلسلة وشاعرية المترجمة عبير مرعي.
العالم الروائي في الرواية تبنيه الشخصية المحورية ليديدي، وهي فتاة مراهقة، مكسيكية من عائلة متواضعة وفقيرة تعيش على طرف الغابات مع عائلات تماثلها في السلم الطبقي، لكن رغم هذا البعد والتواري وراء الأدغال وعالم الحيوان والمجهول، تبقى العصابات تطارد العائلات الفقيرة، وتتصيد الفتيات حالما يكبرن ويتعدين مرحلة الطفولة، والجميلة منهن ستكون الفائزة بمصيدة رجال العصابات وخبرتهم الطويلة في هذا المجال الذي يبدو مريعاً، غريباً ولا إنسانياً وبعيداً عن كل قيمة بشرية تؤمن بالعيش بسلام، حتى يبدو هذا العالم أنه شريعة غاب يفوز فيه من كان الأقوى والأكثر دموية وشراسة وقسوة.
لهذا تجد الناس في تلك الربوع البعيدة، والمناطق الريفية، تحاول أن تنأى بجلدها عن هذا العالم القاسي الذي لا يتورّع عن ارتكاب الجريمة، كالقتل والاغتصاب وهتك الأعراض والسطو على البنوك والبيوت والأماكن العامة، وتجدهم أيضاً يخبئون الصغيرات في حفر وسراديب وأماكن غير مكشوفة ومرئية للمحيط المجاور، باستثناء بعض الجيران ومن يتشابهون في نوع المصيبة ذاتها، ممن يمتلكون فتيات جميلات، وهؤلاء عليهم أن يقللوا من جمال الفتيات، بشتى الطرق والأساليب، إما بقص شعرهنّ وتلطيخ وجوههنّ بمواد الصباغ والهباء والسخام، أو بعمل علامات وأوشام وجروح، لعلها تستطيع أن تبعد رجال العصابات عنهن، أو التشبّه بالصبيان عبر إلباسهنّ الملابس الرجالية وقص شعورهنّ وتخريب هيأتهنّ بإخفاء الصدور النواهد. إلى جانب كل هذا هناك من يُسعد لولادة صبية غير جميلة، كونها ستكون على الأقل بمنأى عن يد العصابات وعيونهم الجائلة في كل بقعة، تتحرى الأمكنة وتحصي الانفاس وتتسقّط الأخبار وتتناقلها عبر مخبرين سرّيين يعملون ليل نهار لدى رجال العصابات في البلدات والقرى والأرياف المكسيكية.
تحت هذا الأفق الملبد بالمخاوف، تميط اللثام الراوية ليديدي عن هذا العالم المرعب، وهي تعتلي سِنّها السادسة عشرة، سنّها التي تراها فيه قد بلغت شأواً من العمر والتجارب عبر خوضها في رمال الإحن والمصائب وهي تترى، تتزحلق وتنزلق كأفاعي الإغوانة المميتة، التي تراها جالسة في الطرقات المؤدية إلى المدرسة والمنزل والأطراف المحيطة بعالمها الصغير، الذي يبدو من خلال سرودها ومحكياتها كبيراً، مليئاً بالغرابة والمشاهد التراجيدية، والعوالم الغامضة والكامنة وراء المجهول والمبهم.
ليديدي هو اسم مركب من اسم الأميرة الليدي ديانا، والدها يقيم في مكان بعيد لغرض العمل، هكذا هم الرجال، في المكسيك يذهبون إلى أماكن بعيدة من أجل الحصول على الأود، يأتون مرة في العام إلى عوائلهم الفقيرة وضواحيهم المترعة بالشر واليأس وعالم الجريمة.
تقيم الراوية ليديدي مع والدتها في مقاطعة ريف غيريرو في المكسيك، حيث حظ الفتاة المراهقة من التعليم قليل، ومرد ذلك يعود إلى المدرسة التي تفتح بشكل متقطع، يأتيها معلم متطوع، يقطع مئات الكيلو مترات حتى يصل القرية التي تقع في ريف أصبح مسرحاً لرجال العصابات التي حطمت تلك المجتمعات الفقيرة والصغيرة التي تعيش على هامشها.
هذا المجتمع الذي نشأت فيه ليديدي، تراه مجتمعاً مخيفاً من خلال السرود التي تطلعنا عليها الراوية، هي وصديقاتها الثلاث الباقيات، مثل باولا، ستيفاني، وماريا، بالإضافة إلى أمها ريتا التي تأخذ ليديدي حكمتها منها، كون عالمهن عالم نساء، فالرجال في الولايات المتحدة بعيدون، يعملون في الأصقاع المتوارية وراء الحدود، بعيداً عن رجال العصابات الذين يتصيدون الرجال، لتصفيتهم بغية الاستئثار بالنساء، ليصبحن عبدات، من أملاك رجال المخدرات الذين يتاجرون بالجنس الناعم، لغرض بيعهن
لأصحاب النوادي الليلية، أو العمل في مزارع الحشيش والهرويين ومصانع الكوكايين التي تدر مالاً ذهباً على هذا المسرح العجيب الذي أنشأه رجال العصابات، ومثالا على ذلك العالم الغامض الحافل بالقتل المجاني، نشهد اختطاف باولا، صديقة ليديدي، كونها أجمل بنات ريفها وتشبه جنيفر لوبيز كما تُخبر الراوية بذلك.
حين تعود باولا، بعد خطفها وتحطيم أنوثتها وهي صغيرة، تعود متكتمة، لا تتفوّه بشيء عن عالمها الآخر الذي شهدت تجاربه على جسدها الغض، حتى أمها حين رأتها عائدة إلى البيت، فوجئت بها، وسارعت لإعطائها رضاعة الحليب، لكن ذلك التكتّم على أمرها لم يدم طويلاً فحاولت أن تكشفه إلى ليديدي أقرب صديقاتها، حين أطلعتها على الوشم في معصمها ومكتوب عليه «حبيبة آكل لحوم البشر».
تحت شجرة البرتقال، في عالم الأدغال كان يأتي المعلم، ليعلم، كانت ليديدي طوال السنوات السابقة للتعليم الأساسي تذهب إلى المدرسة بهيأة صبي، أمها كانت تخدم في البيوت الراقية في مدينة أكابالكو، تسرق أي شيء باستطاعتها سرقته، تضع في صدرها المسروقات وفي دائرة شعرها المعقوص وفي ملابسها الداخلية، الفتاة تراها ولا تقبل مجاراة أمها على فعل ذلك، ولكنها لا تتورع عن أن تشاطرها شرب البيرة وهي في سن الثانية عشرة، فأمها تشرب يومياً وتُفلتْ لسانها تجاه زوجها الذي خانها مع جارة لها، فأنجب منها ماريا التي ولدتْ بشفة شرماء، وهي تشبه والدها. كانت ليديدي تعلم أنها أختها لكن الأخرى لا تعلم بأنها ثمرة خيانة في ليلة ما، من والدها الذي كان يدندن ويشرب البيرة ويضع قبعة على رأسه ويظل مَرِحاً دائما، والذي كان يقول «لِمَ الكلام، ما دام هناك غناء».
كانت ريتا، تعلق على الأساتذة القادمين لتعليم الأطفال في القرية «أي استاذ يأتي إلى هنا يجب أن يكون إما مهرّب مخدّرات أو أحمق ….لا أحد يثق بأي شخص…. إن كل الناس تجار مخدرات بمن فيهم البوليس بالطبع، والمحافظ مؤكد، وحتى الرئيس اللعين للبلاد كان رجل عصابات».
تصف ليديدي صديقاتها ببشراتهنَّ الداكنة، وتصف بربرية رجال العصابات، وما تقترفه أيديهم.
كان مشهداً عادياً أن ترى جثة مشوهة، فالجثة دائماً تُرى مشوهة، مرة شاهدتْ ريتا والدة ليديدي جثة خلف منزلها فدفنتها، لتلقي بالفعلة على رجال العصابات والقتل السهل لديهم، وهو كشرب الماء هناك في تلك الأدغال المكسيكية.
طفل القمامة
في هذه المقاطعة الغريبة، بالإضافة إلى الجثث التي ترمى هنا وهناك، ثمة أطفال يرمون في القمامة، كانت روث، وهي طفلة قمامة، كبرت وفتحت لها صالونا في المدينة القريبة من قريتهم، وحين ذهبت ليديدي، مع عائلة ماريا لإجراء عملية لشفتها الشرماء، سترى الفتيات الصغيرات صالون روث الفتاة التي ربّتها سيدة يهودية تقوم بجمع أطفال القمامة لكي تقوم على تربيتهم وتنشئتهم، تعمل عمل الخير في بلدة قائمة على القتل والنهب والاغتصاب والتجارة بالمخدرات، تتبرع روث أن تدهن أظافر الفتيات وتلوّنها فيفرحن لذلك، كونهنَّ أصبحن إناثاً حقاً، ولكنهنّ في الغالب يمتنعن على فعل ذلك خوفاً من سرقتهن كإناث، بعد ذلك الدهان الجميل الذي استقر لمدة دقائق قصيرة تمحو الفتيات ذلك الصباغ خوفا على انفسهن من الضياع والخطف والمجهول الكامن لهنّ في المنعطفات والشوارع وفي زوايا الأدغال.
غب سرد ممضٍّ ومؤلم وحكايات موجعة عن ذلك العالم السفلي حقاً، ولكن ليس في المدينة وأتون قاعها، بل في أطرافها في الأدغال والريف المتواضع ببيوته القصبية والطينية المرمّمة من شجر البابايا، تصل الأمور بليديدي إلى خطفها من قبل أحد رجال العصابات المعروف بـماكلين وهو الشخص الذي اختطف باولا. كان لديه أكثر من مئتي زوج من الجزمات، مصنوعة من جلد كل أنواع الحيوانات، من السحالي والتماسيح، كما كان لديه زوج مصنوع من الأعضاء الجنسية للحمير، وزوج يُحبّ انتعاله أيام الآحاد، كان هذا الزوج من الأحذية بلون أصفر فاتح، وكان الجميع يقولون إنه مصنوع من اللحم البشري.
تجربة السجن
فيما يشبه الحلم، بعد خطف الطفلة ليديدي من قبل ماكلين الرجل الخطير في عالم العصابات، تتهم ليديدي بعملية قتل، دُبّرتْ لها، وهي بعيدة أشد البعد عنها، ولكنها ترضخ للأمر في النهاية، لتقاد إلى سجن النساء في سانتا مارتا جنوب مكسيكو وهي بصندلها البلاستيكي الأحمر، لتقضّي محكوميتها في عالم الحضيض والأسافل والقاع المتخم بالفاعلات عن عمد والمشتبه بهنّ والمظلومات الواقعات في مصيدة ما مثل ليديدي وغيرها من الشابات الباحثات عن حياة مختلفة وعن عالم يليق بإنسانيتهنّ.
جنيفر كليمنت:
«صلاة لأجل المفقودات»
ترجمة عبير مرعي
دار الجمل، بيروت 2015
278 صفحة
هاشم شفيق