ضربة دمشق… استهداف لاتفاق سوري – إيراني في سياق استراتيجي إسرائيلي – أمريكي لتقويض مشروع طهران

حجم الخط
0

 

دمشق – «القدس العربي» : بالرغم من تزامن القصف الإسرائيلي على مواقع عسكرية مهمة للنظام السوري على مطار عسكري قرب دمشق، مع جولة ممثل الولايات المتحدة الخاص الجديد بشأن سوريا، جيمس جيفري، بدءاً من أمس السبت، على دول الجوار إسرائيل والأردن وتركيا، فإن الضربة لم تدشن فصلاً خطيراً في السياسة الدولية، لأن ذلك لم يخرج حسب مراقبين معارضين للنظام، عن استمرار العملية الاستراتيجية الأمنية الأمريكية – الإسرائيلية التي تهدف إلى القضاء على المشروع الإيراني في سوريا والمنطقة.
فقد ترجم البعض الهجوم الصاروخي الذي استهدف القاعدة نظم الدفاعات الجوية السورية في مطار المزة العسكري ومركز جمرايا للبحوث العلمية غرب العاصمة، على انه استكمال للسياق الحربي على المشروع الإيراني والذي تقرّر تقويضه، مرجحين ان يكون خطوة تمهيدية لضربة أوسع يتم التحضير لها، وعلى المستوى السياسي المتصل بالحرب السورية، هناك شروط لم يستطع الروسي الوفاء به تخص إبعاد الخطر الإيراني عن الحدود الإسرائيلية، ولهذا يجد نتنياهو نفسه في حلّ من أي التزام مع موسكو.
وفي الوقت نفسه يحاول النظام السوري التخفي وراء إصبعه والتأكيد على ان الانفجارات التي هزت العاصمة سببها «تماس كهربائي»، بالرغم من نشر وسائل إعلامية موالية خبر إسقاط الدفاعات الجوية لصواريخ معادية، لكن مسؤولاً في التحالف الإقليمي الذي يدعم الأسد قال إن الانفجارات نجمت عن إطلاق صاروخ إسرائيلي عبر هضبة الجولان وإن الدفاعات الجوية السورية تصدت له.
وبدا تخبط النظام السوري واضحاً عبر وسائل الإعلام الموالية له، وتناقض التصريحات العسكرية التي قدمت روايات مختلفة حول القصف الإسرائيلي، حيث نفت وكالة أنباء النظام الرسمية «تعرض مطار المزة لأي عدوان إسرائيلي»، وهو ما تطابق مع التصريحات الإيرانية التي أكدت إن سلسلة انفجارات مدوية وقعت في وقت مبكر من صباح يوم الأحد قرب مطار المزة العسكري خارج العاصمة دمشق نجم عن ماس كهربائي في مستودع للذخيرة، فيما قالت مصادر إعلامية موالية للنظام، إن الانفجارات سمعت في مطار المزة العسكري قرب دمشق بعد هجوم صاروخي استهدف القاعدة، وأضافت أن الدفاعات الجوية التابعة لقوات النظام أسقطت صواريخ خلال ردها على الهجوم.

دلالات عسكرية

استهداف مطار المزة العسكري جاء في أعقاب كشف مسؤول إيراني عن اتفاق للتعاون العسكري أبرمته طهران ودمشق الاثنين الفائت، وإعلان احتفاظ بلاده بوجودها العسكري في سوريا رغم الضغط الأمريكي لانسحابها، كما اتى بعد يومين فقط من تجديد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تهديداته بمهاجمة أهداف عسكرية إيرانية في سوريا ومواقع لجيش النظام السوري.
وحسب ما نشره الموقع الإلكتروني لصحيفة «يديعوت أحرونوت» قال نتنياهو: «جيش الدفاع الإسرائيلي سيواصل القيام بعمل قوي وحازم ضد أية محاولات إيرانية لتمركز قوات وأنظمة أسلحة متطورة في سوريا» مضيفاً «لن تردعنا أي اتفاقية بين سوريا وإيران، ولن يردعنا أي تهديد».
الباحث في العلاقات الدولية نواف الركاد أوضح لـ «القدس العربي» ان الضربة الإسرائيلية على مواقع عسكرية للنظام السوري ليست رسالة في سياقها، فالرسائل تكون عادة حسب رؤية المتحدث في المرة الأولى فقط، «فالقصف استمرار للعملية الاستراتيجية الأمنية الأمريكية – الإسرائيلية بالقضاء على المشروع الإيراني في سوريا والمنطقة بعد استكمال كل مراحل نموّه والتي كانت متناسبة والمزاج الأمريكي لتفكيك عناصر أمن المنطقة وهدم بناها الاجتماعية وتخريب اقتصاداتها، لكن هذا الدور وصل إلى مرحلة لم يعد معها السكوت ممكناً لأن إيران اقتربت كثيراً من مرحلة إنشاء إمبراطورية فارسية تلفّ حبائلها حول أعناق المشرق العربي». وأضاف هكذا «هي لعبة الأمم ولعبة الكبار إنهم يتلاعبون بالمتفجّرات كما يتلاعب المهرّج بالكرات، ولهذا فالضربات الإسرائيلية لا تخرج عن هذا السياق الحربي على المشروع الإيراني».

… وتمهيداً لحدث أعظم

ورأى العقيد المنشق عن النظام السوري خالد المطلق خلال حديثه لـ «القدس العربي» أن الزيارة الأمريكية لإسرائيل والأردن، وربما شمولها لتركيا، تحمل الكثير من المؤشرات الهامة على الصعيد السوري، أقلها على مستوى القواعد الإيرانية المنتشرة في الجغرافيا السورية.
الضربة الإسرائيلية التي طالت ستة أهداف حيوية مساء السبت، يمكن تصنيفها على أنها رسالة واضحة لكلٍ من الإيرانيين ونظام الأسد، ورداً على الاتفاقيات العسكرية التي أبرمت مؤخراً بين الحليفين، والتي تتمحور حول إعادة تأهيل جيش النظام، وتزويد قوات النظام بأسلحة جديدة وتطويرها، وتحديث منظومة الأسد العسكرية وفق ما يراه العقيد المطلق ذات دلالات عسكرية ضخمة، من إقامة مصانع إيرانية جديدة لإنتاج أسلحة في العمق السوري، ومراكز بحوث وهذا خطر توليه إسرائيل الكثير من الاهتمام، وهنا واشنطن وتل أبيب يبدو أنهما حسمتا أمرهمها بإخراج إيران «عسكرياً».

صواريخ منعدمة التأثير

علماً بأن طهران، وفق المصدر، تغلغلت في سوريا ديمغرافياً وأمنياً وصولاً للنواحي الاقتصادية والدينية، وأن تل أبيب وواشنطن سوف تقحمان كافة الطرق والأساليب لإخراجها من سوريا، خدمة للمصالح الإسرائيلية في المنطقة، واعتقد «المطلق» هنا، بأن الضربة التي تلقتها أهداف عسكرية للنظام السوري بالأمس، تأتي كخطوة تمهيدية لضربة أوسع يتم التحضير لها، ضد الأهداف والقواعد الإيرانية الهامة، وتوقع القيادي، بأن الضربة المقبلة، قد تكون خلال الفترة القريبة القادمة، وستكون عبارة عن هجمات جوية ذات شمولية أكبر من الصفعات الماضية التي تلقتها قواعد إيران والنظام السوري على يد التحالف الأمريكي أو عبر الهجمات الإسرائيلية.
واعتبر المتحدث، أن إيران قد تجاوزت الخطوط الحمراء كافة في سوريا، ومن هنا يمكننا القول بأن الضربة المرتقبة باتت حدثاً مرتقباً، أما فيما يخص الجانب الروسي، فموسكو متوافقة تماماً مع الجانبين الأمريكي والإسرائيلي، فقواعدها العسكرية لن تتدخل لصد أي ضربات متوقعة، ولن تحدث أي اعتراض، وهذا ما نلاحظه من غياب تام لمنظومات الـ»إس 300» المتطورة، خلال الضربات السابقة.
موسكو، لو أرادت استخدام منظومات إس- 300، فهذه البطاريات غير قادرة على التصدي للصواريخ التي تستخدمها المقاتلات الإسرائيلية، فالصواريخ المستخدمة في الهجمات، سرعتها تساوي أربعة أضعاف سرعة الصوت، أي 4 آلاف كيلو متر في الساعة، بينما أعلى سرعة لأي صواريخ مضادة للطائرات يساوي 1500 كيلو متر في الساعة، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية تملك أقوى وأسرع وأدق الأسلحة العالمية بما يخص الأسلحة الاستراتيجية، كـ»ل س س» وغيرها، من الأسلحة التي تنفرد بامتلاكها واشنطن فقط.
أما الباحث السياسي جيان عمر، فقال لـ «القدس العربي»: في تصوري الضربات الإسرائيلية تأتي ضمن اطار توافق قائم منذ فترة طويلة بين واشنطن وتل أبيب يُسمح بموجبها لإسرائيل بتوجيه هذه الضربات الجوية المحددة على أهداف عسكرية.
إسرائيل لا تعلن عن الأهداف الاستراتيجية لهذه الضربات وعدم ذكرها لا يعني بالضرورة عدم وجودها طبعاً، وإنما تكتفي إسرائيل بالهدف المُعلن مراراً في هذا الصدد وهو استهداف لقواعد ميليشيات إيرانية تُشكّل تهديداً لأمنها.
كما أنّها تعلن أنّها تُبلغ الروس بهذه الضربات بدون استئذانهم طبعاً، وهذه الاستراتيجية الإسرائيلية تفتح الباب أمام التكهنات حول الأهداف الخفية أو لنقل العميقة لهذه الضربات والرسائل المراد منها أيضاً، والتي ربما تكون واشنطن تقف خلفها وتدفع بإسرائيل للقيام بها للمحافظة على دورها كقوة عظمى في الصراع الدولي حول المنطقة والقدرة على التدخل كقوة عليا حين يحين الوقت المناسب.

قواعد اللعبة

يمكننا، وفق الباحث، قراءة هذه الضربات إذاً ضمن استراتيجية أمريكية-إسرائيلية للتأثير على قواعد اللعبة في الملف السوري والإيراني على حدٍ سواء، خصوصاً أنّ وتيرة هذه الضربات وحدتها ازدادت بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني.
أمّا على الصعيد الروسي، خاصة بعد تصريحات جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي قبل فترة وجيزة حول اعتراف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لفريق ترامب في قمة هلسنكي بعجز روسيا بمفردها عن إنهاء أو حتى مجرد تقليص النفوذ الإيراني في سوريا فيعطي إشارات حول موافقة ضمنية روسية على هذه الضربات العسكرية للمواقع الإيرانية والسورية لإجبار إيران على الرضوخ للاستراتيجية الروسية في سوريا، الامر الذي قد يشكل خطوة في اتجاه إيجاد حل للمعضلة السورية يحقق مصالح هذه الأطراف والتي على ما يبدو لا مكان للمصالح الإيرانية بينها ويجب إبعادها للتوصل إلى هكذا اتفاق يضمن بالدرجة الأولى تحقيقاً جزئياً لمطالب روسيا وأمريكا فقط.
الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي علق على الضربة واعتبرها في سياق رسائل حيال الوجود الايراني في سوريا عادت إسرائيل لتوجيهها خصوصاً بعد الحديث عن قاعدة جديدة أنشأتها طهران في بانياس تقع ضمن نطاق صواريخ S-400 الروسية في الساحل السوري والتلميحات الروسية بعدم قدرتها على إخراج إيران من سوريا. وبالتالي يمكن فهم هذه الضربة التي تعد بمثابة موجة جديدة من القصف الذي هدأ منذ التوصل لاتفاق الجنوب السوري بأن إسرائيل مستمرة في استهداف البنية التحتية لإيران ووجودها في سوريا بما يتوافق مع خطوط تل أبيب الحمراء. وأعتقد أن الرسالة الإسرائيلية ستتكرر في الفترة المقبلة لحين معرفة رد الفغل الروسي والأمريكي والايراني على الأرض».

ضربة دمشق… استهداف لاتفاق سوري – إيراني في سياق استراتيجي إسرائيلي – أمريكي لتقويض مشروع طهران
خبراء لـ «القدس العربي» توقعوا أن تمثل خطوة تمهيديةً لاستهداف أوسع
هبة محمد

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية