لماذا لم أقرر الاشتغال بالتجارة وهي عمل أسرتي عبر عدة أجيال؟ الجواب ببساطة هو أنني خُلقت بلا مواهب تجارية. وكنت على إلمام تام بهذه الحقيقة. تتضح المواهب التجارية، شأنها شأن معظم المواهب، في سنّ مبكرة من عمر الإنسان. روى لي تاجر مرموق أنه بدأ تجارته ببيع الدفاتر إلى زملائه ولم يكن قد بلغ السابعة. وروى لي تاجر مرموق آخر أنه كان قبل دخول المدرسة الابتدائية يدّخر مصروفه الضئيل ويشتري حلوى يبيعها إلى الأطفال في الحارة. إنني أعتقد، جازماً، أنني لو دخلت ميدان التجارة لما حققت أي نجاح. غريزة التملك تضرب بجذورها في أعماق كل إنسان، وانا لا أختلف في هذا الصدد عن غيري. إلا أني لم أحسّ، قطّ، بذلك التحرّق إلى جمع ثروة طائلة، وهذا التحرّق، بالذات، هو الذي يحرّك كلّ تاجر ناجح.
في المملكة، خلال فترة الطفرة، نسي الكثيرون أن التجارة موهبة خُصّ بها بعض الناس دون البعض الآخر وأقبل الناس، من كل حدب وصوب، على الأعمال التجارية. كان من غير المستغرب، وقتها، أن تجد طالباً في الجامعة يملك مؤسسة أو مؤسستين. انتهت فترة الطفرة وتركت الكثير من الضحايا: أولئك الذين اكتشفوا، بعد فوات الأوان، أنهم لم يُخلقوا للتجارة. إن اكتشاف المرء مجاله الحقيقي الذي تؤهله مواهبه الحقيقية لدخوله يوفّر عليه الكثير من خيبة الأمل فيما بعد. بين الحين والحين يجيء من يسألني عن سرّ نجاحي. إذا كان ثمة سرّ فهو أنني كنت، دوماً، أعرف مواطن ضعفي بقدر ما أعرف مواطن قوتي.
شاءت الظروف، مرض أخي نبيل، رحمه الله، وكان يدرس بجامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجلوس، أن تغيّر تخصصي. كنت أنوي إكمال الدراسة القانونية في جامعة من جامعات الولايات المتحدة وحصلت، بالفعل، على قبول في عدد منها. إلا أن مرض نبيل دفعني إلى الالتحاق به والبقاء معه في لوس أنجلوس. اكتشفت أن الموضوع الذي كنت أنوي التخصص فيه، القانون الدولي، لا يدرّس في الجامعة، فقررت أن أدرس العلاقات الدولية. قضيت في الولايات المتحدة ثلاث سنوات، في تعلّم اللغة الإنكليزية ثم في الحصول على الماجستير.
هناك، في العالم الثالث، عدد كبير من الأكاديميين المعجبين بالنظام الجامعي الأمريكي والذين يحاولون، جاهدين، أن ينقلوه إلى دولهم. يتجاهل هؤلاء، أو يجهلون، أن نجاح هذا النظام متعذر بدون استثمارات مالية ضخمة تسمح بوجود عدد كبير من الأساتذة وتسمح ببناء العدد الكافي من الفصول والمكتبات والمختبرات والمرافق الأخرى (هارفرد، على سبيل المثال، أغنى من معظم جمهوريات الموز واللوز). كما أن هؤلاء يجهلون، أو يتجاهلون، أن هذا النظام مرتبط بفلسفة تعليمية معينة تبدأ مع المدرسة الابتدائية. كان من قدري خلال عملي في جامعة الملك سعود أن أشهد محاولة حسنة النية، وقد سبق أن قلت أن أحسن النوايا لا تضمن أفضل النتائج، لزرع النظام الجامعي الأمريكي في قلب الرياض.
ولقد تعلمت في الولايات المتحدة الكثير عن الإدارة، ولكني استقيت أهم ما تعلمته من دراستي المعمقة لعالم السياسة الألماني/ الأمريكي الشهير هانس ج. مورجنثاو، الذي كتبت عنه رسالة الماجستير. يرى هذا الباحث أنّ السياسة كانت، منذ الأزل، وتبقى إلى الأبد، صراعاً على القوة. وما المقصود بالقوة؟ محاولة إخضاع الآخرين لسلطة المرء. يمضي مورجنثاو فيقول إنك لا تستطيع أن تخضع الآخرين لسلطتك، أي تجعلهم ينفذون ما تريد أن ينفذوه ويمتنعوا عما تريد منهم أن يمتنعوا عنه، إلا عن طريق ثلاثة دوافع، الرغبة في الثواب، أو الخوف من العقاب، أو الحبّ والاحترام. كل هذا يهمّ في عالم السياسة، فماذا عن الإداري؟ الدرس الإداري الكبير الذي تعلمته، وقتها، ولم أنسه حتى الآن، يتعلق بترتيب الأولويات. عليك أن تبدأ بتحفيز الآخرين عن طريق الحب والاحترام، أن تحبهم فتجعلهم يحبونك، وتحترمهم فتجعلهم يحترمونك، وسوف تجد كل رغباتك قد تحققت. عندما يتعذر الوصول إلى الهدف عن هذا الطريق لك أن تلجأ إلى الإغراء بالثواب. عندما يفشل هذا المسعى، وعندها فقط، تلجأ إلى آخر العلاج، العقاب أو التلويح به. كان هذا هو الأسلوب الذي اتبعته مع أبنائي، وكان هذا هو الأسلوب الذي اتبعته في التعامل مع كل من عمل تحت رئاستي. هناك فرق شاسع بين من يطيعك حبّاً ومن يطيعك خوفاً.
إنني مؤمن إيماناً جازماً أن القائد الإداري يخطئ خطأ فادحاً عندما يستخدم أسلوباً عنيفاً في سبيل الوصول إلى أهدافه إذا كان بوسعه استخدام الرقة (لنا في هذا المجال، وفي كل مجال، أن نستذكر الحكمة النبوية الرائعة التي تقول إن الرفق ما دخل شيئاً إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه). كما أن القائد الإداري الذي يجبن عن استخدام الشدة، حين لا يكون هناك بديل، هو إنسان لا يستحق أن يوضع في موضع القيادة. شعرة معاوية الإدارية، التي تُشدّ وتُرخى، هي التي نشكّل الفرق بين المدير الضعيف والمدير الفعال والمدير الطاغية.
فقرات من «حياة في الإدارة»، 1992
أصالة متجذرة ومعاصرة مؤطرة
توزعت مشاغل الأديب السعودي الراحل غازي القصيبي (1940 ـ 2010) بين الشعر والرواية والسفارة والوزارة، وسعى كثيراً إلى أن يكون عصرياً ومستنيراً، لكنّ ميادبن عمله لم تتح له أن يكون تنويرياً، وبالتالي ظلت شخصيته حائرة (أو لعلها بقيت محيَّرة) بين التقليد والحداثة، وبين أصالة متجذرة ومعاصرة مؤطرة.
ولعلّ قصيدته (ذات العنوان الطويل، على نحو غير عادي،»من غازي القصيبي إلى نزار قباني الذي سأل: متى يعلنون وفاة العرب») تلخّص بعض مفاعيل هذه الحال: «نزار! أزفّ إليك الخبر/ لقد أعلنوها.. وفاة العربْ/ وقد نشروا النعي.. فوق السطور/ وبين السطور.. وتحت السطور/ وعبر الصُوَر!/ وقد صدر النعي/ بعد اجتماع يضمّ القبائل/ جاءته حِمْيَرُ تحدو مُضَرْ/ وشارون يرقص بين التهاني/ تَتَابُع من مَدَر أو وَبَرْ/ وسام الصغير.. على نوره/ عظيم الحبور.. شديد الطرب».
المقاطع اللاحقة من القصيدة تواصل تطوير هذا المزيج الرثائي ـ الهجائي العنيف، الذي يمتدّ ليشمل الإعلام العربي («تلفازنا مرتع الراقصات/ فكَفْلٌ تثنّي.. ونهدٌ نَفَرْ»)؛ والنشاط الفكري العربي (المنصبّ على «عقد مؤتمرات تباهي بعولمة الذلّ»)؛ والعلاقة العربية مع العالم («في دزني لاند جموع الأعاريب»، و»لندن ـ مربط أفراسنا/ مزادُ الجواري.. وسوق الذهب»، وفي «الشانزليزيه سددنا المرور/ منعنا العبور»)؛ وافتقاد المعتصم، وجيش ابن أيوب، وبيبرس «الذي يقضي إجازته/ في زنود نساء التتر»؛ وصولاً إلى الوعّاظ الذين «يرقبون الخلاص/ مع القادم.. المرتجى.. المنتظر». وأمّا في اختتام القصيدة، فإنّ القصيبي يبلغ الذروة في تأجيج المزيج إياه: «نزار! أزفّ إليك الخبر/ سئمتُ الحياة بعصر الرفات/ فهييء بقربك لي حفرة!/ فعيش الكرامة تحت الحُفَرْ».
والحال أنه لم يكن بالأمر العابر أن يفصح شاعر سعودي (كان في الآن ذاته وزيراً، مرّتين، وسفيراً في بريطانيا!) عن كلّ ذاك المقت للعمّ سام الأمريكي، ولأتباعه الحكّام والأفراد من بني العرب. فكيف إذا كانت تلك الحقبة الأمريكية تحتشد بفكر، وممارسات، «المحافظين الجدد» في أمريكا؛ وكانت المناخات تمهّد لغزو العراق؟ لكنّ القصيبي كان قد فعلها، من قبل، في قصائد سابقة ساخطة (لعلّ «سيف الدولة الحمداني» أشهرها)، عكست بدورها شدّة الاستقطابات التي كانت تحكم حياته.
نشر القصيبي عشرات الأعمال، بين شعر ورواية ومقالات، وكان يحرص على أداء شخصي، أدبي وثقافي، كفل له حضوراً عربياً متميزاً، عابراً للحساسيات السياسية والإيديولوجية.
نصّ: غازي القصيبي