■ بعد الحرب العالمية الثانية، دخلت القوتان العظميان «الاتحاد السوفييتي وأمريكا»، في حرب باردة، اتخذت واجهات عدة، منها حقول التجسس، لكشف نشاطات، القوة النووية، والتسليح، وشتى مجالات العلم والمعرفة، وفي آواخر العقد السادس من القرن العشرين، وقع جاسوس روسي رودولف إيبل في مدينة نيويورك بقبضة المخابرات الأمريكية.
أفلام الجاسوسية كثيرة إلى حد الملل، لكنني قرأت عن هذا الفيلم خبرا صغيراً، في أحدى الصحف، جعلني اتوق لمشاهدته، وفق رغبة أن تركه في الدقائق العشر الأولى إن لم ينجح في إثارتي، لكنه فعل.
هنا تأتي براعة المخرج، فقد قدم لنا، جاسوساً شديد الإهمال، غريب الأطوار، شككت بوجوده، فيستحيل تكليف مثل هذا الشخص المغفل، بعمل خطر كالجاسوسية، في قمة عصرها الذهبي بين الدولتين الهائلتين، فالسيد إيبل رسام، يترك كرسيه، وحامل لوحاته، أمام مكان مختار على حافة بحر في نيويورك، ويحمل أدواته، ولوحته الصغيرة التي يرسمها، يومياً، في ذهابه وإيابه، ولعل ذلك هو أذكى ما توصل إليه هذا الجاسوس المتواضع، الذي صوره الفيلم «كمغفل أبله»، لماذا؟ لأن الحامل الخشبي المتواضع، هو الوسيلة التي تفتق ذهن الجاسوس، أو من يرتبط به على أن يكون واسطة اتصال متقنة، بين الجاسوس وأعوانه، من خلال هذه الحيلة البارعة، إذ يتم ترك عملة نقدية، في فتحة موجودة في الحامل الخشب، لا تكتشف بسهولة. ويصعب الشكّ فيها. العملة «دولار» يبدو معدناً لكنه في الحقيقة من البلاستيك، ومن ثم عليه حين يصل البيت أن يستعمل شفرة حلاقة، ليقسمها قسمين، ليحصل على الورقة الرقيقة، في داخله، التي تحوي المهمة التي يتوجب عليه أن يقوم بها. ولابد أنه يكتب الإجابة على ورق من النوع نفسه، مستخدماً الوسيلة نفسها.
هذه الدقة المتناهية في تلقي الأوامر وتقديم المعلومات، لا يواكبها حرص في التصرفات، ولا حذر في التنقلات والتصرف، فهو مراقب أينما يسير، أو ينتقل، ولست أدري كيف يكون جاسوساً، ولا يدرك أن هناك أربعة يتعقبون حركاته وسكناته، بل يصطدمون به، ولو فتح عينيه، أو التفت مرة أو مرتين، أو لو كان في درجة من الحذر لاكتشفهم! لكنه لا ينظر إلى الخلف مطلقاً، ولا يدقق بمن يقف أمامه، يسير في طريقه، كمسرنم، أو صوفي غارق في حب مثل عليا، منعزل عن الناس. أما أشد حالات إهماله فتتمثل في طريقة غلق الباب، عندما يحل في شقته، ويمارس عمله التجسسي، فعلى الرغم من خطورة عمله إلا أنه يترك الباب مغلقا من دون تثبيت القفل، كأنه يتوقع دخول أحد من أهله، يدخل عليه، بعد لحظات، من دون طرق الباب.
يقبض على إيبل، ويقدم للمحكمة، فيختار له القاضي مؤسسة حقوقية مشهورة، كي لا تتهم أمريكا بإهمالها، رعايا دول تعاديها، أو من يعيش على ترابها، فتتهم أنها توكل لهم مدافعين مغمورين يضيعون حقوق متهمي أعدائها من الدول الأخرى. وحين اختارته المؤسسة يرفض لأنه متخصص في قضايا التأمين، لكنه يوافق حينما يذكرونه، أنه عمل في محاكمات نورمبرغ، في بداية عمله المهني، وبأن حقوق الجاسوس الروسي، ربما تضيع إن كلف بها غيره، وأنه وحده من يستطيع ان يبرز العدالة الأمريكية.
تنشر الصحف بكثافة كمدافع عن جاسوس يريد إفناء شعب الولايات المتحدة، فيراه الناس في الطريق والباص والترام، والتجمعات والأسواق، ويشخصونه كعدو منهم، يدافع عمن يريد بهم شراً، ويهدد حياتهم وبلدهم، ويقع محط نظراتهم الساخطة، وسحناتهم المحتقرة، حتى زوجته وطفله الصغير اللذين لم يجدا مبرراً لعمله، لاسيما أنه لم يكن شيوعياً. ثم يهاجم بيته بالحجارة، وتكسر النوافذ، ويروع أفراد عائلته وتسخط زوجته، لكنه لم يتراجع، ظل على مبدئه، فالمتهم كما يقضي كتاب القواعد «القوانين» يجب أن يحصل على الدفاع، مهما كانت تهمته، مادام على الأرض الأمريكية.
وحينما طلبت المخابرات المركزية، منه أن يبلغها رأيه، في ما توصل إليه من قناعة بإدانة المتهم، رفض أن يعطيهم كلمة واحدة، لأن طلبهم غير قانوني، ثم أوصى المتهم ألّا ينطق أي كلمة إلّا بوجوده.
في المحكمة يتخذ المحلفون بالإجماع قرارهم بإعدام أودولف إيبل على ثلاث تهم، لكنه يعلن بشجاعة أنه سيستأنف الحكم، لأن طريقة إلقاء القبض على المتهم، وجمع التهم لم تكن قانونية، وأن القانون لا يفرق بين المواطن والغريب، ولأن المتهم جاسوس يتطرف حتى رئيس المحكمة بعدائه، فيلجأ المحامي إلى مقابلته في بيته، كي يستطيع أن يتكلم معه على انفراد، لكنه يصر على حقده، فلا موجب لإبقاء أي جاسوس حياً مادام يعمل على الإضرار بالوطن، وهنا يتساءل المحامي عما إذا ينطبق الحكم نفسه على جاسوس أمريكي يقع مستقبلاً بيد السوفييت! عندئذ يجيب القاضي، بأن هذا احتمال غير وارد.
فالمواطن الأمريكي بعد الحرب الثانية يثق بحكومته ونظافتها ونزاهتها، وادعائها الصدق والفضيلة، وأنها لا تعادي الدول الأخرى من دون سبب، ولا تقوم ولا تلجأ إلى التجسس. لكن المحامي يحصل على نصر كبير فيلين موقف القاضي، ويصدر الاستئناف، بحكم الجاسوس ثلاثين سنة، بدل الإعدام، وسط سخط المواطنين، وضجيجهم. ورغم هذا الحكم المخفف إلا أن جيمس دونوفان لم يرضَ، وحاول أن يقدم طعناً عليه، لكن زوجته ومؤسسته حالتا دون ذلك.
وفي هذه الظروف يحدث ما يعزز من موقف دونوفان، فقد أسقط السوفييت طائرة، كان الأمريكان قد صمموها كي لا تسقط أبداً، ولا تكتشف عن طريق الرادار، لأنها كانت تطير آنذاك على ارتفاع خيالي «70000» قدم، وكانت هناك تعليمات عند الطيار توجب عليه قتل نفسه، بدبوس مسموم، يستخرجه من قطعة نقود «أنظر إلى مصادفة قطعة النقود عند الطرفين»، ويغرزه في أي مكان من جسده، لكنه لم يفعل، وبرر الأمريكان فعلتهم، أمام الرأي العام، بأن غاري باورز كان يطير فوق باكستان، وتجاوز الحدود قليلاً، عن طريق الخطأ لا التعمّد والتصميم، لكنهم لم يستطيعوا أن يثبتوا ذلك، بعد تصوير المنطقة البعيدة جداً عن باكستان، فاضطروا إلى الاعتراف أخيرا بعملية تجسسه.
أمسك السوفييت بغاري باورز، وحكموا عليه بعشر سنوات، فقط. لا بالإعدام، وهنا يدرس رئيس الـمخابرات الأمريكية، ذائع الصيت ألن دالاس، القضية، وهو ذو الباع طويل، في أعمال التجسس على الاتحاد السوفييتي، والتنظيمات السرية داخل وخارج أمريكا، ويتخذ قراره، فيقابل دونوفان، ويطلب منه القيام بالمفاوضات، لإطلاق سراح باورز، قبل أن ينجح السوفييت بإرغام الجاسوس على أن يتقيأ معلوماته كلها، أمام محتجزيه، وعندما يسأله دونوفان لماذا لا يختار، خبيراً من منظمته وهم كثر للعملية، قال له إن العملية التي قام بها باورز غير رسمية، ولم تسجل في مهام أي إدارة أمريكية، «غير رسمية»، ليسهل التنصل منها، وهنا تتعقّد الأمور بشكل مريع، فعليه أن يذهب ليفاوض الروس في ألمانيا الشرقية بعملية مماثلة، «غير رسمية» أيضاً، وإن حدث له شيء هناك، فلا أحد مسؤول عنه، وأن عملية المفاوضات يتيمة لا توجد رسمياً، وحاله حال المطلوب التفاوض عنه، ولو كان دونفان ممن يفضل مصلحته الشخصية، ومستقبل عائلته، لرفض، لكن مبدأه الإنساني، دفعه للاستمرار، في جهده، فكلا المحتجزين، الأمريكي والروسي في نظره، وطني، ويقومان بواجبهما، ومن الظلم أن يعدما، ومن العدالة أن يحصلا على حقوقهما، وهذه نظرة مثالية في إنسانيتها. النتيجة أنه نجح في إطلاق باورز وطالب أمريكي يدرس الاقتصاد الشيوعي في برلين الشرقية، قبض عليه خطأً، يطلق سراحهما لقاء الجاسوس الروسي وحده، فاستعاد هيبته التي ضاعت بحقد المتعصبين الوطنيين، لتسجل تلك المهمة بداية لمهمة أعظم، فقد عهد له ألن دالاس بمهمة التفاوض لإطلاق سراح الأسرى الأمريكان، الذين غررت بهم الـCAI في خليج الخنازير، وغزو كوبا، فحصل على ثقة كاستروا والقيادة الكوبية، وتمكن بمفاوضاته الجادة، والمرنة، من إطلاق سراح 9703 من الأسرى. يقدم الفيلم لنا نوعاً فريداُ من البطولة يظهر لنا أن الذكاء والتمسك بالمبادئ الإنسانية، ليست حكراً على فرد معين، أو شعب معين، وأنها ترقى بصاحبها إلى العلى، مهما كانت بيئته مضادة لها، وأن العمل الإنساني وحده يبقى شامخاً مهما كانت الظروف.
حصل الفيلم على أوسكار أفضل ممثل مساعد «الجاسوس الروسي رودلف إيبل»، وتلقته الصحافة بكثير من الاحتفاء والتقدير.
٭ كاتب عراقي
محمود سعيد