في كتابين «من يحكم بريطانيا؟» و«أين فشل حزب العمال؟»: المملكة المتحدة لا يحكمها شخص واحد

حجم الخط
0

 

صدر مؤخراً، خلال الحملة الانتخابية البريطانية، كتاب بعنوان «من يحكم بريطانيا؟» للاستاذ في جامعة «ايسكس» البريطانية انطوني كينغ الكندي الأصل، والخبير في شؤون السياسة البريطانية. وتزامن ذلك مع إعادة نشر كتاب بعنوان «ايد، الأخوة ميليباند» الذي يتناول سيرة زعيم حزب العمال المستقيل ايد ميليباند وخلافه مع شقيقه الأكبر ديفيد ميليباند وصراعهما على زعامة حزبهما، وقدرته، أو عدمها، على ان يصبح رئيس وزراء بريطانيا، لو اتيح له المجال لكاتبيه جيمس ماكنتاير ومهدي حسن.
وبما ان الموضوعين مرتبطان، ويعرف متابعو السياسة البريطانية ان ايد ميليباند استقال من قيادة حزبه لخسارته الانتخابات أمام منافسه المحافظ ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء الحالي، فقد اخترنا مراجعة الكتابين معاً.
يطرح البروفيسور كينغ، الذي نتابعه في أكثر من مناسبة في برامج التلفزيون البريطاني السياسية، السؤال الهام التالي: من يحكم بريطانيا حاليا؟ وجوابه هو أن من يفعل ذلك ليس شخصاً أو مؤسسة أو حزباً. وهذا الأمر ينطبق على معظم الدول الديمقراطية الاوروبية التي تجاوزت مرحلة الحاكم الأوحد والمطلق. ويضيف: ان الذين ينتخبونهم يتوقعون منهم انجازات ضخمة هم في كثير من الأحيان غير قادرين على تحقيقها برغم انهم وعدوا بتحقيق الكثير منها، وبالتالي يؤدي هذا الأمر إلى خيبة أمل وتبديل الوعود.
ويعتبر كينغ ان سبب هذا الفشل ليس سوء نيات القادة أو ميلهم للخداع، بل لأن حكومات الدول الديمقراطية حالياً تخضع لدرجة أكبر بكثير من ذي قبل لتقلبات الأسواق المصرفية والمالية والإنتاجية وللعوامل التي تحركها. كما تخضع للتقلبات في أسعار الطاقة والمنتجات الحيوية ولأوضاع المؤسسات الصناعية والتجارية الكبرى.
ففي الماضي، كانت شخصية وثقافة ونزاهة القائد السياسي تساعده على نيل ثقة ناخبيه، أما الآن فأصبحت قدرته على التعامل مع التقلبات المالية والسياسية هي الشأن الرئيسي. فلا يحكُم الناخبون على نزاهة القائد وتمسكه بايديولوجيته (ماركسية كانت أو ليبرالية منفتحة) بل على قدرته كرئيس دولة عبر حماية مصالحهم المادية والتكيف مع الأوضاع المتقلبة. وهذا ينطبق على كبار أصحاب الشركات والمؤسسات والمحلات التجارية الصغيرة وعلى الموظفين المتمسكين بوظائفهم خوفا من خسارتها في عالم مادي لا يرحم.
وتلعب الصحافة المدعومة من مؤسسات مالية ضخمة دورا كبيراً، حسب كينغ، في عملية التخويف، أي تخويف المؤسسات التجارية والأشخاص من الخسارة عبر وصف هذا القائد أو ذاك بأنه ربما كان نزيهاً ولكنه ليس قادراً على إدارة اقتصاد بلاده، لأنه مثالي ومتمسك بالقيم الإنسانية أكثر مما يجب.
ونجاح القائد في بريطانيا أو أوروبا يشترط أن يَعِدْ بتطوير المجتمع إلى الأفضل اقتصاديا، مع الاحتفاظ بالخدمات الاجتماعية والصحية عموما ومن دون الهدر الاقتصادي غير المبرر. وقد نجح ديفيد كاميرون وقبله توني بلير(العمالي) في عدم إثارة مخاوف معظم الطبقات الاجتماعية (الأغنياء ومتوسطو الحال والفقراء) ودعمتهم الصحافة، ولذلك حققا فوزيهما. ولكن تبقى الأسئلة مطروحة حول ما حققاه من وعودهما، حسب كينغ.
والأمر الذي ينطبق على الشؤون الاقتصادية، ينطبق على الشؤون السياسية الدولية، فقد أصبحت قدرة بريطانيا في التأثير على قرارات الحرب والسلم في العالم ثانوية ومرتبطة إلى حد كبير برغبتها في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية وليس لتحقيق عدالة وسلام في العالم. وقد ضعفت صلاحيات، ليس رئيس الوزراء فقط، بل الوزراء في شتى مهماتهم. ولا يرى كينغ أن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إذا نجح الاستفتاء حول الموضوع المنوي أجراؤه في 2017، سيؤثر بالفعل على تغيير هذه الأوضاع أو أن بريطانيا ستصبح أكثر حرية في اتخاذ قراراتها.
كما يقدم كينغ ملاحظات انتقادية حول طريقة اختيار المرشحين للمناصب النيابية في سائر الأحزاب البريطانية وكيف تتحكم طغمة صغيرة ناشطة في الحزب في الأمر ما يمنع في بعض الأحيان دخول وجوه جديدة فاعلة في العملية السياسية. ويقول في هذا المجال أن أحد أبرز وزراء بريطانيا، خلال الحرب العالمية الثانية (أرنست بيفن) لم يكن نائبا عندما اختاره رئيس الوزراء آنذاك ونستون تشرتشل وزيراً للعمل في عام 1940. وقد نجح نجاحا كبيراً في مهمته.
كما ينتقد كينغ عملية اختيار زعماء الأحزاب والمرشحين لمنصب رئيس الوزراء في الأحزاب المختلفة.
ويذكر في هذا المجال اختيار السير دوغلاس هيوم لهذا المنصب في حزب المحافظين ثم التراجع عنه في منتصف القرن الماضي لأن هيوم لم يكن ضالعاً في الشؤون الاقتصادية.
ويقول كينغ أن وقوع القرار السياسي البريطاني تحت تأثير المسؤولين الأوروبيين يرجع إلى عام 1973 عندما انتسبت المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن، كما يذكر، فان الانسحاب من الاتحاد حاليا لن يحل المشكلة. كما أن أي قرار تتخذه الحكومة البريطانية أو وزاراتها بالأمكان تحديه في «محكمة العدل الأوروبية» في لوكسمبورغ، حسب اتفاقيات الاتحاد الأوروبي التي وقعت عليها بريطانيا، ويسعى كاميرون إلى التحرر من بعضها. كما يسعى إلى تحديد وجود مواطني الاتحاد الأوروبي في بريطانيا. ونجحت بريطانيا إلى حد ما في ممارسة الضوابط الحدودية، برغم استفادتها من العمليات التجارية والمصرفية والإنتاجية الضخمة مع أوروبا.

ايد ميليباند

في هذا السياق يتحتم علينا طرح السؤال التالي: هل فهم ديفيد كاميرون اللعبة السياسية والاقتصادية (كما وصفها كينغ) إلى درجة أكبر من ايد ميليباند ولذلك حقق فوزه عليه في الانتخابات؟ وهل كان ديفيد ميليباند، شقيق ايد الأكبر، ووزير الخارجية السابق، سيحقق نتيجة مختلفة لو فاز هو بزعامة حزب العمال في السباق الانتخابي بينهما الذي جرى بعد استقالة رئيس الوزراء السابق غوردون براون عام 2010؟
يقول مؤلفا كتاب «ايد» المنحازان إلى حد ما نحوه: «قال الناس اولاً أن ايد ميليباند لا يمكن أن ينجح في زعامة حزب العمال ولن يستطيع هزيمة شقيقه ديفيد في هذا الصراع. ولكنه فعل ذلك. ثم قالوا أن ايد لا يمكنه أن يصبح رئيسا للوزراء، وأن يهزم ديفيد كاميرون. لقد أرتكب المحللون وخصوم ايد أخطاء في الماضي في تقدير شعبيته وقدراته، وقد يرتكبونها هذه المرة». (ص341).
وبما أن الكتاب صدر قبل الانتخابات الأخيرة، ونظرا لأن استطلاعات الرأي كانت تشير إلى التساوي في شعبية الحزبين، وحتى إلى تقدم حزب العمال، فلا يمكن لوم الكاتبين على تفاؤلهما.
ولكن ما قالاه في أحد فصول كتابهما باسلوب نقدي للصحافة البريطانية المعادية لايد ميليباند يتوافق إلى حد ما مع ما قاله أنطوني كينغ. فقد استشهد الكاتبان بكاتب صحافي يميني في صحيفة «دايلي تلغراف» كتب بعد اختيار ايد ميليباند زعيماً لحزب العمال: «بعد اختيار الحزب ايد ميليباند قائداً له، فان العمال قدموا الفوز لديفيد كاميرون». وأعطى الصحافي لقب «ايد الأحمر» (Red Ed) لميليباند اللقب الذي أبعد عنه معظم أغنياء بريطانيا وأبناء طبقتها الوسطى المستفيدين من النظام الاقتصادي الحر المعمول به حالياً.
وكم سمعنا من الناس، أو قرأنا في الصحف أن بريطانيا ستخترب إذا فاز ايد ميليباند!
في الواقع، وحسب الكتاب، كان ايد ميليباند مستشاراً رئيسيا للشؤون الاقتصادية لرئيس الوزراء البريطاني السابق غوردون براون في وزارة المال. وكان براون يعتمد عليه كثيراً لقدرته على معالجة العمليات الحسابية والأرقام والمعادلات الصعبة في تخطيط اقتصاد البلد بشكل لا يضر بالقطاعين التجاري والمصرفي في البلد، ولا بأبناء الطبقتين الغنية والوسطى بالإضافة إلى حماية الفقراء.
وقد بذل ايد ميليباند مجهوداً كبيراً لإزالة الصفة اليسارية الحمراء عنه التي ألبسته أياها الصحافة البريطانية (خصوصا صحافة روبرت ميردوخ) والتي نبشت ماضيه وحرّفتها ومنها مثلاً أن والده المفكر رالف ميليباند كان محاضرا يسارياً في «كلية الدراسات الاقتصادية» (LSE) في جامعة لندن وانه كان يروّج للشيوعية. فيما الحقيقة أن رالف كان يسارياً ولكن ضد ديكتاتورية الاتحاد السوفييتي وزعيمه ستالين، وضد حكومة بريطانيا العمالية بقيادة هارولد ويلسون في خمسينيات القرن الماضي. وعندما قرر ولداه ايد وديفيد ميليباند الانتساب إلى «حزب العمال الجديد» (New Labor) تحت قيادة توني بلير، لم يكن والدهما مرتاحاً لهذا الخيار.
ويؤكد الكاتبان أنه لو طرح الشعب البريطاني السؤال على نفسه عن قدرة ايد ميليباند على إدارة الشأن الاقتصادي بجدارة لتأكدوا بأنه كان سيفعل ذلك بنجاح. ولكن التأثير السلبي للصحافة المنحازة دفع إلى نسيان الدور الذي قام به ايد ميليباند خلال عمله تحت قيادة وزير المال ورئيس الوزراء السابق غوردون براون في إنقاذ عدد كبير من المصارف والشركات البريطانية من الانهيار والإغلاق.
ولكن مما لا شك فيه أن خلاف ايد ميليباند مع شقيقه الأكبر ديفيد أثر سلبا على الناخبين.
برغم أنهما حاولا إعادة بناء الجسور بينهما علنا بالتحدث عبر مكالمات هاتفية من أمريكا قام بها ديفيد لتشجيع أخيه على الفوز. فالواقع هو أن ديفيد لم يغفر لأيد واقع الانتصار عليه في زعامة الحزب. والواقع الآخر هو أن الخلاف بينهما لم يكن ناتجا عن الحسد أو الطموح الشخصي فقط، بل نابعاً من الخلافات في قيادة حزب العمال بين غوردون براون وايد ميليباند ومجموعتهما، من جهة، وتوني بلير وديفيد ميليباند ومجموعتهما من جهة أخرى.
والخلاف لم يكن حول السياسات الداخلية في بريطانيا فحسب، بل حول السياسات الخارجية وخصوصا إزاء موافقة توني بلير وأعوانه على مساندة جورج بوش الابن في غزوه للعراق في عام 2003. ومع أن غوردون براون لم يشجب دعم بلير لحرب بوش الثاني علناً لأنه كان الوزير الرقم 2 في الحكومة والمرشح لخلافة بلير، فأن ايد ميليباند، حسب الكتاب، كان من كبار خصوم ومعارضي الحرب على العراق ومناوئي شن الحروب عموما على بلدان العالم الثالث من دون التأكد من ضرورتها وعدم وجود الخيارات الأخرى، فيما كان ديفيد يقوم بزيارات (في أكثر من مناسبة) لمستوطنين في إسرائيل من أصدقائه، في وقت تعرضت فيه فلسطين، كما تتعرض دائما للقمع الإسرائيلي من دون أي تحفظ.
في الفصل السابع من كتاب ماكتير وحسن يذكر الكاتبان أن ايد ميليباند كان يتابع تخصصاً في جامعة هارفرد الأمريكية عندما سمع بنيّة قيادتي أمريكا وبريطانيا غزو العراق (كان في وقتها ما زال مستشارا لغوردون براون) بحجة امتلاك نظام الرئيس صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل. وتساءل ايد أمام زملائه حسب الكتاب: لماذا لم يتم السماح لمراقبي انتشار السلاح في العراق باكمال مهمتهم؟ ويذكر الكتاب أن ايد طرح مثل هذه الأسئلة خلال عمله بوزارة المالية وقبل سفره للتخصص في هارفرد. كما فعل ايد ميليباند ذلك في مناسبات أخرى، حسب شخصيات سمعت منه هذا الكلام. ومما قاله أيضا أن غزو العراق سيؤدي إلى أنقسام «حزب العمال البريطاني» وأنه أمر غير أخلاقي ولا يتوافق مع مبادئ حزب العمال.
ويذكر الكاتبان أن ايد تابع مقررات تحقيقات اللورد هاتون واللورد باتلر حول موضوع العراق في مراحل لاحقة (ص 94) وتأكد أن هدف حملة جورج بوش الابن وتوني بلير كان تبديل النظام في العراق وليس إزالة أسلحة الدمار الشامل.
وقد تساءل ايد في أكثر من مناسبة أمام أصدقائه: لماذا لا يقف غوردون براون ضد هذا القرار بشأن العراق الذي يضر بحزب العمال وببريطانيا والعالم؟ وكان الجواب يأتيه أن براون يعارض الحرب في السر، ويعارض تعاون بلير مع جورج بوش الابن ويرفض دوافع الهجوم على العراق ولكنه بقي إلى جانب الصقور في الحكومة العمالية لحساسية منصبه ولخشيته من تصديع العلاقة البريطانية ـ الأمريكية وإحداث هجوم صحافي منحاز ضد حظوظه في الوصول إلى 10 داوننغ ستريت.
ويُذكر أن ايد اتصل ببراون من هارفرد طالبا منه أخذ موقف صارم ضد حرب العراق. وقد استمع براون إليه وعرض رأيه على المجموعة المقرّبة منه في وزارة المال ولكنه بقي على موقفه.
يبقى السؤال: هل كان ايد ميليباند سيغير الكثير في سياسة بريطانيا الداخلية والخارجية لو وصل إلى رئاسة الحكومة البريطانية؟ سنترك الجواب للتاريخ وليس لأنطوني كينغ أو غيره من المتشائمين.
Anthony King: Who Governs Britain’
Pelican , London 2015
352 pages
Mehdi Hasan & James Macintyre: Ed, the Milibands and the Making of a Labour Leader.
Biteback Publishing, London 2012
400 pages

سمير ناصيف

اشترك في قائمتنا البريدية