صدر مؤخراً كتاب بعنوان «الأقطاب المهيمنة على وسائل الإعلام العربي» شمل مجموعة مقالات لأساتذة وباحثين اختصاصيين في مجال الإعلام في العالم العربي، تطرق إلى أدوار شخصيات امتلكت أو ما زالت تمتلك وسائل إعلام رئيسية في الصحافة التلفزيونية والمكتوبة.
ومن أبرز الشخصيات التي تناولها الكتاب الصادر عن دار «اي بي تاوريس» الأمير السعودي الملياردير الوليد بن طلال بن عبد العزيز ورئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري ونجله زعيم تيار «المستقبل» اللبناني الحالي ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري، ورجل الأعمال والقطب السياسي المصري نجيب ساويروس وغيرهم كوليد الابراهيم وصالح كامل وطارق بن عمار وانطوان شويري وبيار الضاهر.
ويوضح أحد أبرز المشرفين على وضع الكتاب البروفيسور ياكوب سكوفغارد بترسون استاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة كوبنهاغن الدنماركية انه في السنوات العشرين الأخيرة دخلت مجموعة من أقطاب رجال المال والسياسة في العالم العربي حقل الإعلام العربي بقوة، وتحدت الإذاعات ومؤسسات البث التلفزيوني التي كانت تسيطر عليها حكومات الدول العربية عبر وزارات الإعلام فيها (في معظم الأحيان)، وانشأت شركات خاصة موجهة إعلامها إلى شتى بلدان العالم العربي والإسلامي ومحققة شبه هيمنة على الإعلام العربي.
ويسأل بترسون إذا كانت الفورة الاقتصادية في دول النفط ونشوء الثروات الضخمة لدى بعض المستفيدين منها، أو حاجات الأنظمة الديكتاتورية العربية لمواجهة معارضيها، أو موجة العودة إلى الجذور الإسلامية واعتناق الإسلام السياسي كانت السبب الرئيسي لهذا التطور الهام في الدول والمجتمعات العربية. كما يطرح أسئلة حول الدور الذي لعبه الأقطاب الإعلاميون ومؤسساتهم في توجيه المجتمعات العربية نحو الخصخصة والليبرالية الاقتصادية لتحلا مكان سياسات الأنظمة الاشتراكية التوجه. وهل قام هؤلاء بهذه النقلة النوعية في الإعلام العربي بهدف تحقيق المزيد من الربح المادي، أو لدعم أنظمة سياسية تحمي ثرواتهم الضخمة؟ وكيف يتعاملون بالفعل مع رؤساء تحرير ومدراء مؤسساتهم؟ وهل يحاولون التأثير على مواقف موظفيهم من أجل تحقيق أهدافهم الخاصة؟
من الصعب الإجابة على جميع هذه الأسئلة في كتاب واحد، ولكن من المفيد محاولة الإجابة عليها خصوصاً مع تصاعد دور الإعلام في الساحة السياسية العربية في الحقبة الأخيرة وتزايد حدة الصراعات الإعلامية بين قيادات دول المنطقة والمجموعات النافذة فيها.
يقول مروان كريدي، استاذ الإتصالات ومدير مركز أبحاث متطور في هذا القطاع في جامعة بنسلفانيا الأمريكية، في مقاله عن الأمير الوليد بن طلال (الفصل الثامن من الكتاب)، أن الأمير قرر في احدى المراحل نقل نشاطاته الإعلامية «قناة العرب التلفزيونية والمكتب الرئيسي لشركة روتانا» إلى البحرين، في عام 2011، لدعم الدور السياسي الذي كانت تقوم به المملكة العربية السعودية في مملكة البحرين آنذاك ولكن، في الوقت نفسه، لتوسيع وتنشيط أعماله وأرباح مؤسساته. وهنا تلاقت مصالح الأمير التجارية والمالية الخاصة مع مصالح دولته السياسية، حسب المقابل.
ويضيف المقال رغم أن الأمير الوليد من مؤيدي سياسة «سعودية» التوظيف في المملكة، فإن عدداً كبيرا من موظفي مؤسساته هم من المصريين واللبنانيين والكويتيين ومن جنسيات عربية أخرى. ويعتبر كريدي ان تصرف الأمير الوليد واتخاذه قراراته تؤكد ان أقطاب الإعلام العربي عليهم ان يتمسكوا بالولاء لبلدانهم وأنظمتها مهما بلغ حجم ثرواتهم إذا أرادوا الاستمرار في العمل المربح والمثمر. وبالتالي، إضافة إلى كونهم رجال أعمال ناجحين ومحنكين فهم أيضا خدام أوفياء لبلدانهم.
وفي مقال كاثارينا نوتزولد، الباحثة في مركز الإعلام العربي في جامعة وستمنستر البريطانية، تذكر ان الرئيس اللبناني الراحل رفيق الحريري استثمر أموالا ضخمة في تلفزيون «المستقبل» اللبناني وخصوصا في قسم البث الفضائي نحو البلدان الخليجية في المؤسسة، لأنه أراد إبراز لبنان والترويج للبلد كمركز سياحة وخدمات دولي في الدرجة الأولى. كما سعى، إلى جذب أصحاب رؤوس الأموال الضخمة في الدول الخليجية للاستثمار في لبنان وخصوصا في مشاريع البناء الضخمة والمشاريع السياحية أملا في إنجاح مشروعه لإعادة بناء البلد ومشاريعه الخاصة المرادفة لذلك.
وأعاد الحريري تطبيق قوانين صدرت في مطلع ستينيات القرن الماضي تمنع بث روح الكراهية بين أبناء الطوائف اللبنانية المختلفة وتهدد العلاقة بالدول العربية الصديقة. وقد نشطت الجهات الأمنية اللبنانية في توقيف محطات تلفزيونية تجاوزت، وفق تقدير حكومة الحريري، هذه القوانين، وبينها محطة نشرت فيلماً وثائقياً سلبياً عن المملكة العربية السعودية، علماً أن الحريري حمل الجنسيتين السعودية واللبنانية وجمع معظم ثروته في السعودية. وبالتالي، تقول الكاتبة، وجّه معارضوه إنتقادات للتغطية السياسية لمحطة تلفزيون «المستقبل» بسبب «إنحيازها» للسعودية.
وقد تفاقم هذا التوجه بعد اغتيال الرئيس الرفيق الحريري في 14 شباط (فبراير) 2005. وساهمت المحطة في الترويج لسياسات تيار «المستقبل» بقيادة سعد رفيق الحريري في الانتخابات اللبنانية لعامي 2005 و2009 وفي نجاح هذا التيار فيها. وتشير الكاتبة إلى ان السعودية كانت تدعم تلفزيون «المستقبل» ومؤسسات الحريري الإعلامية الأخرى كلما تعرضت للضغوط المادية. ولا تحسم الكاتبة تحليلها للأسباب المؤدية إلى الصعوبات المادية التي تعرضت لها مؤسسة «المستقبل» الإعلامية، تحت قيادة سعد الحريري، بل قالت أنها ربما عادت إلى التغييرات الاقليمية السياسية والاقتصادية أو إلى الإختلاف في أسلوب الإدارة بين رفيق الحريري ونجله أو إلى خلافات داخلية بين أمراء فاعلين في السعودية انعكست على أوضاع الحريري الأبن.
وفي مقال نعومي صقر، أستاذة الإعلام والاتصالات في جامعة وستمنستر البريطانية عن نجيب ساويروس، في الفصل العاشر من الكتاب، تشير إلى ان الحراك الثوري في مصر في عام 2011 ونتائجه أثرا على دور الملياردير المصري نجيب ساويروس الإعلامي والتجاري. ففي المراحل الأولى من التظاهرات الشعبية، اختار اعتماد موقف حذر في تعاطيه مع نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك، كما لم يتخذ ساويروس المواقف المتشددة ضد مبارك بعد سقوطه، مشيراً في أحيان إلى بعض «الإيجابية» في مواقف مبارك، وخصوصاً بالنسبة لعلاقته مع أمريكا. وانتسب ساويروس إلى لجنة الحكماء الـ18 التي تفاوضت لتحقيق إنتقال النظام ثم انشأ حزباً مؤيداً له في نيسان/ابريل 2011 سماه «حزب الأحرار المصريين» هدفه الأساسي منع تحول مصر إلى دولة شبيهة بإيران.
وطُرحت الأسئلة حول نيته في الاستمرار في الاستثمار الإعلامي والتجاري في مصر بعد أن ساءت علاقة عائلة ساويروس بحكومة الرئيس السابق محمد مرسي، ورُفعت دعاوى تهرّب من الضرائب ضد أعضاء من آل ساويروس. وبالتالي، اعتبر نجيب ساويروس ان الحملة ضده كانت نتيجة لمواقف محطة (ONTV) السلبية إزاء نظام مرسي.
وتستخلص الكاتبة ان استثمارات نجيب ساويروس الإعلامية في مصر في الإعلام المكتوب والسينما ومحطات التلفزيون ما بين عامي 1998 و2013 تشير إلى أي مدى يترابط عامل المصالح التجارية من جهة، وعامل الاستثمار في الإعلام من جهة أخرى لدى أقطاب الإعلام العربي. فعندما تعرضت إستثمارات آل ساويروس كعائلة في التجارة والبناء وإنشاء صالات السينما والمؤسسات السياحية لنكسة، فان هذا الأمر أثّر على السياسات الإعلامية للصحف والمحطات التلفزيونية والمشاريع التي امتلكتها، في مرحلة، ثم قررت بيعها، في مرحلة لاحقة.
وفي الفصل الثالث تتحدث الدكتورة زاهرة حرب، الباحثة والمحاضرة في الصحافة الدولية في جامعة سيتي البريطانية، عن دور القطب الإعلامي اللبناني انطوان شويري الذي لُقب بـ»رئيس قطاع الإعلانات في العالم العربي» وكيف أضاف إلى نشاطاته إبرام الصفقات في قطاع الإعلام التلفزيوني والمكتوب في لبنان والمنطقة بين المؤسسات المختلفة.
وتشير حرب إلى أن شويري ساهم أيضا في وضع الأسس لحركة رياضية واسعة في لبنان، خصوصا في مجال كرة السلة حيث دعم نادي الحكمة الرياضي ولعب دوراً أساسياً في نيل النادي بطولة آسيا للنوادي.
وتركزت نشاطاته الإعلامية على الخوض في عملية تنشيط «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBC) إعلانياً وإعلامياً، كما دعم صحيفتي «النهار» و»السفير». وبعد ذلك، فتح نوافذ مع صحيفة «الحياة» الصادرة في لندن ووفر لهذه الصحف مداخيل إعلانية اتاحت له انشاء صداقات وعلاقات ممتازة مع المشرفين على هذه الصحف.
وبالطبع كان شويري يحصل على مردودات مادية، نتيجة لنشاطاته الإعلانية والإعلامية.
وتقول حرب أنها في مقابلة مع ابنة شويري (الذي توفي في السنوات الماضية) أكدت ان دوافع والدها لم تكن مادية فقط، بل قومية ووطنية إذ كان يرغب في تنشيط الإعلام في لبنان بالإضافة إلى شغفه بتعزيز الرياضة بعد الحرب الأهلية اللبنانية. ولعب شويري، حسب حرب، دوراً في تقريب وجهات النظر وترطيب الأجواء بين بيار الضاهر، رئيس مجلس إدارة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» وبين مؤسس المحطة الزعيم السياسي اللبناني سمير جعجع، وتلفت الكاتبة النظر إلى أقوال كل من وليد الابراهيم (المشرف على محطة MBC التلفزيونية) وبيار الضاهر «LBC» وطلال سلمان صحيفة «السفير» وغسان تويني صحيفة «النهار» تظهر احترامهم جميعا لآراء شويري ونصائحه في مجال البرامج والأفكار. غير ان شراء الأمير الوليد بن طلال حصة كبيرة في «LBC Sat» شويري عن المحطة لفترة بسبب خلاف الأمير مع الضاهر، وصداقة شويري للأخير.
ويمكن الاستخلاص، بعد عرض مواقف ودوافع أربعة من أقطاب الإعلام العربي التي وردت في الكتاب، أنهم ربما نجحوا في حقل الإعلام إلى جانب بروزهم ونجاحهم في الحقول الأخرى التي عملوا فيها، ولكن هل توجد تحفظات على أدوارهم في ظل ما يجري في المنطقة؟
منتقدوهم يعتبرون أن خضوع الإعلام العربي لهيمنة أقطاب أثرياء لديهم أجنداتهم الخاصة، وبينها الربح المادي أو الترويج لسياسات دول يعملون فيها، ويسعون لإرضاء حكامها، قد تثني إعلام محطاتهم وصحفهم عن الدفاع الفاعل عن الشعوب العربية والتزام قضايا مصيرية كالقضية الفلسطينية وقضية المقاومة العربية للأعداء والمحتلين الأجانب للأراضي العربية، وقد تدفعهم إلى التركيز على الصراعات العربية ـ العربية لإرضاء هذا الحاكم أو ذاك، الذي تقتضي مصالحهم إرضاءه.
Arab Media Moguls» :Naomi Sakr, Donatella Della Ratta»
I.B.Tauris, London 2015
288 pages
سمير ناصيف