في كتاب «تطوير الأحزاب لتطوير الديمقراطية في لبنان»: الذكورية والطائفية تحرمان المرأة اللبنانية من التمثيل البرلماني الفاعل

حجم الخط
1

 

قضية مشاركة المرأة بفعالية في الانتخابات التشريعية اللبنانية المقبلة في 6 أيار (مايو) 2018 هي إحدى القضايا الأساسية التي يتداولها اللبنانيون والمهتمون بالشأن اللبناني داخل البلاد وخارجه حالياً وسابقاً.
وقد صدر مؤخراً كتاب بعنوان: «تطوير الأحزاب لتطوير الديمقراطية في لبنان» تشمل آراء ومواقف مجموعة من الاختصاصيين في الشأن السياسي والاجتماعي حول موضوع مشاركة المرأة ومواضيع أخرى مرتبطة بتحديث النظام الانتخابي اللبناني ليصبح أكثر تمثيلا للجميع وخصوصاً الفئات المهمشة نسبياً، كالمرأة.
وتضمن الكتاب ما قاله هؤلاء في مؤتمر نظمته «مؤسسة كونراد اديناور» الألمانية الصيف الماضي في أحد فنادق لبنان وأتى نشره مواكباً لما يجري حالياً في الساحة اللبنانية.
أهم ما في الكتاب (فيما يتعلق بدور المرأة) ما ورد في فصله الثالث في مقاليّ الدكتورة منى الباشا والدكتورة بولا كلاّس.
تشدد الباشا، على ضرورة تطوير دور المرأة في الأحزاب اللبنانية حيث سيطر الرجال على هذه الأحزاب ويتحكمون بنشاطاتها السياسية وتمثيلها برلمانيا خلافا لما يحدث في معظم الدول الديمقراطية في العالم (ص 81).
وتشير إلى عدم وجود دراسات مفصلة حول هذا الموضوع ترتكز على إحصاءات دقيقة وبالتالي اضطرت الباشا إلى لقاء نساء محازبات من اللواتي لديهن مسؤوليات حزبية في الهيكلية الإدارية لبعض الأحزاب الرئيسية في البلد وسؤالهن لماذا هن غائبات عن المراكز القيادية الرئيسية والمناصب النيابية والوزارية عموما؟ كما سألتهن عن نظرتهن إزاء ترشيح النساء للانتخابات الاشتراعية علماً ان 111 أمرأة ترشحن لانتخابات 6 أيار (مايو) 2018 ولكن اللوائح الرئيسية اختارت عدداً محدوداً منهن واستمرت 84 في المعركة ولا يُرجح فوز عدد كبير منهن. ونصحت الباشا بتخصيص نسبة محددة في المجلس النيابي (حوالي ربع أو ثلث المقاعد) للنساء، كما في دول أوروبية وعالمية أخرى.
واختارت الباشا مسؤولات حزبيات إداريات في ثمانية أحزاب لبنانية رئيسية هي تيار المستقبل، وحركة أمل، وحزب الله، والحزب التقدمي الاشتراكي، وحزب القوات اللبنانية، وحزب التيار الوطني الحر، وحزب الكتائب والحزب الشيوعي.
وسألتهن 27 سؤالاً توزعت على أربعة محاور وهي: أسباب الانتساب إلى الحزب ورضاهن عن أدوارهن داخله ومدى ديمقراطية الحزب والتوفيق بين الالتزامات الحزبية والواجبات المنزلية بالإضافة إلى الأسئلة الشخصية للضرورات الإحصائية.
وتبين من المعلومات التي جمعتها ان نسبة المنتسبات إلى الأحزاب في لبنان تتراوح بين ثلاثين إلى خمسين في المئة من اجمالي المنتسبين إلى حزب أو آخر، إلا ان وجــودهن في السلــطــتين التشـــريعية والتـــنفـــيذية شبه معدوم (أربع نائبات في المجــلــس النيابي ووزيرة واحدة فقط).
وأشارت إلى ان المرأة موجودة في الأحزاب منذ نشأتها ولكنها قلما تصل إلى مركز قيادي فهي تعمل في أحزابها في لجان خاصة بالمرأة أو تنتسب إلى لجنة تنفيذية متعلقة بالمرأة ويبقى دورها محصوراً وصوتها خافتاً أو غير مسموع. ولم يتم منح المرأة حصة في التمثيل النيابي توازي حصتها في الانتساب الحزبي على الأقل، رغم نجاحهن إداريا في المناصب التي يحتلنها في الأحزاب.
بالنسبة لأسباب انتسابهن إلى الأحزاب، فالعامل الرئيسي ان أحد أفراد العائلة احتل دوراً بارزاً في الحزب (سابقاً أو حاليا) كما ان بعضهن تأثرن بسياسيين تحرريين طرحوا أفكاراً متعلقة بالحرية والمساواة أو لان حادثا دراميا مؤثرا لأحد السياسيين كان له تأثير في حياتهن كاغتيال كمال جنبلاط وبشير الجميل ورفيق الحريري.
أما بالنسبة لرضاهن عن أدوارهن الحزبية، فمع أن بعضهن حاولن تبرير ثانوية هذه الأدوار بسبب الواجبات المنزلية والاعتناء بالأولاد، فالبعض الآخر اعتبرن ان المجتمع اللبناني يحد من دور المرأة، وهو مجتمع ذكوري يرى ان الحياة العامة السياسية هي للرجل ليس للمرأة، وهذه من مورثات المجتمع الشرقي. وفوجئت الباحثة ان بعضهن فسّرن دورهن الثانوي في أنهن لا يرغبن بدور بارز رئيسي ويفضلن الدور الإداري داخل الحزب، ولا وقت لديهن لتكريس كل حياتهن للنيابة والوزارة.
وبالنسبة لمدى ديمقراطية الحزب الذي ينتمين إليه قالت أكثريتهن انهن وصلن إلى مناصبهن الإدارية في الحزب عن طريق التعيين وليس الانتخاب. ونصفهن فقط أيدن اعتماد «الكوتا» النسائية في التعيين داخل الحزب وفي اختيار المرشحات للنيابة. وبعض هذه الأحزاب تطبق «الكوتا» في المناصب الإدارية ولكن ليس في الترشيحات النيابية.
وقالت إحداهن ان من الضروري ان يقبل الشعب مفهوم ترشيح المرأة للنيابة والوزارة. وقد ساهم تعيين الدكتورة عناية عز الدين مؤخراً كوزيرة ونجاحها في عمليها (حسب الباشا) في تعزيز فكرة فتح أبواب الوزارة والنيابة للنساء.
وقالت الأكثرية الساحقة للمستجوبات أنهن مستعدات لتقديم كل التضحيات في سبيل مصلحة أحزابهن ولو على حساب حياتهن الشخصية. وأشرن إلى انهن محظوظات بالزواج من رجال متفهمين للمسؤوليات الحزبية الملقاة على عاتقهن (ص 110).
وأشارت الدراسة إلى ان معظم الأحزاب اللبنانية أحرزت تقدما في تطوير أنظمتها الداخلية وإنها أكثر ديمقراطية من السابق ولكن التوريث السياسي والطائفية ما زالا مهيمنين في معظمها وان أي قرارات مصيرية ما زالت تعود إلى رئيس الحزب. وهذا يعني انه برغم كون معظم الأحزاب تتحفظ على ترشيح النساء في الانتخابات الاشتراعية خشية خسارة المقاعد النيابية في مجتمع ما زال ذكورياً، فان مصير كثافة تمثيل المرأة في البرلمان والوزارة في لبنان مرتبط بنوعية وشخصية قادة الأحزاب وخلفياتهم الفكرية والإنسانية وإلى أي مدى هم مستعدون لمواجهة المجتمع التقليدي الذي يعيشون فيه ويمثلون فئة من شعبه.
وركزت بولا كلاس في مقالها على ضرورة استمالة النخب واشراكها في قيادة الأحزاب، وأهمية وضع برامج العمل والمشاريع التنموية والتركيز عليها وعلى قادة الأحزاب الجرأة في التزام قضاياهم ومشاريعهم وبرامجهم الساعية لإحداث التغيير. وأيدت في هذا المجال بعض القيادات الشابة وخصوصاً في مجموعات الحراك الشعبي المدني الساعية للبحث عن بديل لما هو قائم حاليا وخصوصاً فيما يختص بدور المرأة والشؤون الاقتصادية والاجتماعية الأخرى.
وأشار فريد الياس الخازن، النائب عن دائرة كسروان واستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في بيروت في مقاله إلى ان معظم الأحزاب اللبنانية شهدت تغييراً بعد وفاة مؤسسيها بما يعني ان لبنان انتقل إلى حد ما من أحزاب الشخصيات إلى أحزاب البرامج. وهذا تطور لافت بالنسبة للفئات المهمشة، ولكن قابل ذلك أيضا نشوء أحزاب أكثر التصاقا ببيئتها الطائفية والمناطقية وبالتالي، يمكن الاستنتاج ان تلك الأحزاب الأولى أكثر قابلية لاستيعاب أدوار متطورة للمرأة في النظام السياسي اللبناني من الأحزاب الطائفية «الجديدة».
ودعا روجي كرم الأحزاب في لبنان والمنطقة لمراجعة أسسها الفكرية وهيكلياتها التنظيمية، وإلى تطوير أنفسها بغية استيعاب التحولات المجتمعية السريعة مؤكداً ان العامل الطائفي في لبنان قد يقف حائلاً دون أحداث النمو والتغيير. والمطلوب (في رأيه) تطوير نظام المواطنة وتعزيز حقوق المواطن الفرد، رجلاً كان أو امرأة، بالإضافة إلى تطوير الأحزاب وبرامجها.
أما رودريك ابي خليل، الذي أشرف إدارياً على تنظيم المؤتمر وتحقيق الكتاب، فقد انتقد ما سماه «اختراق الطائفية للبيئة الاجتماعية والحياة السياسية في لبنان» بحيث ركز الدستور اللبناني على الحقوق والحريات داخل نظام الطائفة. وبالتالي، تجردت الحرية من صفتها العامة الكلية والشاملة وأصبحت قوانين الأحوال الشخصية تميز الأفراد عن بعضهم والرجال عن النساء وغابت رؤية فكرية وإنسانية وتعليمية وإعلامية مبنية على المساواة. وأصبح لكل طائفة مشروعها الخاص في شتى المجالات، فحلت سلطة الطائفة مكان سلطة الدولة. ومعظم الأحزاب اللبنانية تنادي بالحرية والمساواة والعيش المشترك ولكنها تتصرف طائفياً، وتتحكم في قيادتها أقلية «أوليغارشية» تنتقل سلطتها وأيدولوجيتها بالوراثة. وهذا بالطبع ينعكس سلباً على إمكان احداث أي تطور في دور المرأة والمجموعات المهمشة في المجتمع في المدى القصير.
ويعتبر غسان العياش ان بناء المستقبل الوطني والاجتماعي للبنان لا يمكن ان يعتمد على الأحزاب الراهنة الناشطة فيه والتي يخدم معظمها الطوائف والعشائر وليس الوطن.
ويتساءل: «أين البرامج والمشاريع المتعلقة بهموم الشباب ومواجهة الفقر وتوفير الضمان الصحي والضمان للشيخوخة والخدمات العامة لدى الأحزاب اللبنانية؟ ما هي خططهم للخمسين سنة المقبلة لأبنائهم من الرجال والنساء والأطفال؟» ويجيب: «لا شيء تقريباً».
ويشمل الكتاب مقالات لكتاب بارزين آخرين بينهم سعود المولى وسمير عبد الملك وشاهين غيث.
وأهم ما ورد في مقال المولى، إضافة إلى المواقف السياسية، قوله ان الجذور التاريخية للأحزاب اللبنانية تشير إلى ترابط عمليات نشوئها مع العلاقات بين الأقليات والأكثريات في المنطقة. وهذا، يشمل الأقليات والأكثريات الطائفية والاثنية والمجموعات الاجتماعية الأخرى.
العامل الأهم في رأي المولى، لتطوير الديمقراطية في لبنان هو اعتراف هذه المجموعات اللبنانية ببعضها وكل واحدة منها بحقوق الأخرى واعتماد الحوار الدائم فيما بينها. والمطلوب، حسب مقاله، نشوء حركة جديدة تركز على الإيجابية في التجربة اللبنانية من أجل تطويرها إلى الأفضل.
ولعل هذا الطرح يشمل أيضاً اعتراف المجتمع اللبناني الطائفي ـ الذكوري بحقوق المرأة اللبنانية وبقدرتها على التمثيل الصحيح لتطلعات وآمال اللبنانيات واللبنانيين في المجالس النيابية وفي الحكومات في المستقبل. فالحوار السياسي وحده لا يكفي، والمطلوب الحوار الإنساني الحضاري والفكري المستند إلى التجارب الإنسانية الديمقراطية في كثير من بلدان العالم التي تجاوزت التقوقع الطائفي والذكورية وهيمنتهما على القرارات المصيرية.

مجموعة من الاختصاصيين: «تطور الأحزاب لتطوير الديمقراطية في لبنان»
دار سائر المشرق، بيروت 2018
180 صفحة.

في كتاب «تطوير الأحزاب لتطوير الديمقراطية في لبنان»: الذكورية والطائفية تحرمان المرأة اللبنانية من التمثيل البرلماني الفاعل

سمير ناصيف

اشترك في قائمتنا البريدية